الأحزاب اللبنانية... الديموقراطية الغائبة داخل المؤسسات

لبنان 02-07-2026 | 16:56

الأحزاب اللبنانية... الديموقراطية الغائبة داخل المؤسسات

تكشف مراجعة لواقع معظم الأحزاب والقوى السياسية اللبنانية أن تداول السلطة داخلها يكاد أن يكون الاستثناء لا القاعدة. فالرئاسة غالباً ما تتحول إلى موقع دائم، أو تنتقل داخل العائلة السياسية أو الدائرة الضيقة المحيطة بالزعيم.
الأحزاب اللبنانية... الديموقراطية الغائبة داخل المؤسسات
تعبيرية. (أرشيف)
Smaller Bigger

في كل استحقاق انتخابي، ترتفع في لبنان شعارات الإصلاح والديموقراطية والتغيير، وتتعالى الأصوات المطالبة بتجديد الطبقة السياسية وإفساح المجال أمام جيل جديد من القيادات. لكن ثمة سؤالاً نادراً ما يُطرح بجدية: ماذا عن الأحزاب والقوى السياسية نفسها؟ وهل تمارس داخل مؤسساتها ما تدعو إليه على مستوى الدولة؟

 

تكشف مراجعة لواقع معظم الأحزاب والقوى السياسية اللبنانية أن تداول السلطة داخلها يكاد أن يكون الاستثناء لا القاعدة. فالرئاسة غالباً ما تتحول إلى موقع دائم، أو تنتقل داخل العائلة السياسية أو الدائرة الضيقة المحيطة بالزعيم، أو تبقى مرتبطة بالمؤسس لعقود، فيما تغيب المنافسة الداخلية الفعلية، وتتحول الانتخابات الحزبية، إن وجدت، إلى محطة تمنح الشرعية لاستمرار القيادة أكثر مما تشكل فرصة حقيقية للتغيير.

 

في الديموقراطيات الراسخة، تشكل الأحزاب المختبر الأول للحياة الديموقراطية. فالقيادات تتغير، والانتخابات الداخلية تفتح الباب أمام المنافسة، والمحاسبة تبدأ من داخل المؤسسة الحزبية قبل أن تصل إلى مؤسسات الدولة. أما في لبنان، فتبدو الصورة مختلفة إلى حد بعيد.

 

يبرز حزب "القوات اللبنانية" مثالاً على هذا الواقع. فالنظام الداخلي ينص على انتخاب رئيس الحزب لولاية تمتد أربع سنوات، فيما لا يضع سقفاً لعدد الولايات المتتالية. عملياً، يتولى سمير جعجع قيادة الحزب منذ عام 1986، أي منذ نحو أربعة عقود، ليصبح من أقدم رؤساء الأحزاب اللبنانية بقاءً في موقعه، رغم انتظام الانتخابات الداخلية.

 

الأحزاب بالأرقام. (النهار)
الأحزاب بالأرقام. (النهار)

 

وفي حزب الكتائب اللبنانية، تعاقبت القيادات على رئاسة الحزب، إلا أن هذا التعاقب بقي إلى حد كبير ضمن عائلة الجميل، من المؤسس الشيخ بيار الجميل إلى الرئيس الأسبق أمين الجميل، وصولاً إلى الرئيس الحالي سامي الجميل الذي يتولى الرئاسة منذ عام 2015. وبذلك عرف الحزب انتقالاً في الأشخاص، لكنه بقي ضمن إطار العائلة المؤسسة، وإن كان يتم عبر مؤسسات حزبية وانتخابات داخلية.


وفي حين توّلي شخصيات حزبية  من خارج آل الجميل الرئاسة كان الحزب يمر بمرحلة ضعف وتشرذم وهذا ما ظهر خلال ولايات جورج سعادة، وكريم بقرادوني ومنير الحاج، وحتى في مرحلة تولي ايلي كرامي خلفاً للشيخ بيار الجميل.

 

كما في الكتائب أيضاً في  حزب الوطنيين الاحرار حيث انتقلت القيادة من المؤسس الرئيس كميل شمعون، الى نجله داني ، ليكمل المسيرة شقيقه دوري، الى أن سلّم الأمانة الى نجله كميل.

 

ولا يختلف المشهد كثيراً في "التيار الوطني الحر". فبعدما أسسه الرئيس ميشال عون وقاده لسنوات طوال، انتقلت رئاسة الحزب عام 2015 إلى صهره جبران باسيل عبر انتخابات داخلية. إلا أن انتقال القيادة بقي محصوراً داخل الدائرة السياسية الأقرب إلى المؤسس، وهو ما فتح نقاشاً واسعاً آنذاك حول مدى قدرة الأحزاب اللبنانية على إنتاج قيادات جديدة خارج الحلقة التقليدية.

 

أما "تيار المستقبل"، فشهد انتقالاً للزعامة من مؤسسه الرئيس الشهيد رفيق الحريري إلى نجله سعد الحريري عقب اغتيال الأول عام 2005. وجاء هذا الانتقال في ظروف استثنائية فرضها الحدث الأمني والسياسي الكبير، لكنه كرّس بدوره انتقال القيادة داخل العائلة السياسية، قبل أن يعلن سعد الحريري تعليق عمله السياسي عام 2022، ما أدخل التيار في مرحلة من الانكفاء.

 

أما حركة "أمل"، فتُعد من أكثر الأحزاب استقراراً في قيادتها، إذ يتولى نبيه بري رئاستها منذ عام 1980، أي منذ نحو ستة وأربعين عاماً، من دون أن يشهد الحزب انتقالاً في موقع الرئاسة، ما جعل اسم الحركة يرتبط بصورة رئيسها في واحدة من أطول مراحل القيادة الحزبية في لبنان.

 

وفي "تيار المردة"، يتولى سليمان فرنجية قيادة الحزب منذ أواخر تسعينات القرن الماضي، أي منذ أكثر من ربع قرن، في امتداد للدور التاريخي الذي تؤديه عائلة فرنجية في الحياة السياسية الشمالية. أما الحزب الديموقراطي اللبناني، فلا يزال يرأسه مؤسسه طلال أرسلان منذ إنشائه عام 2001، أي منذ نحو خمسة وعشرين عاماً، من دون أن يعرف الحزب تغييراً في موقع القيادة.

 

أما الحزب التقدمي الاشتراكي، فقد شهد في عام 2023 انتقالاً لافتاً عندما سلّم وليد جنبلاط رئاسة الحزب إلى نجله تيمور جنبلاط، بعد نحو ستة وأربعين عاماً أمضاها على رأس الحزب. إلا أن هذا الانتقال، رغم طابعه التنظيمي، بقي داخل العائلة السياسية التي قادت الحزب لعقود.

 

في المقابل، يبرز استثناءان نسبيان في الحياة الحزبية اللبنانية. الأول هو الحزب الشيوعي اللبناني، الذي حافظ، رغم تراجع حضوره السياسي، على تقليد انتخاب أمنائه العامين عبر مؤتمرات حزبية، وتعاقب على قيادته عدد من الأمناء العامين، ما يجعله من الأحزاب القليلة التي عرفت تداولاً فعلياً للقيادة.

 

أما الحزب السوري القومي الاجتماعي، فقد شهد بدوره تعاقباً على الرئاسة والقيادة الحزبية وفق آلياته التنظيمية، وإن كانت الانقسامات والصراعات الداخلية التي عرفها خلال السنوات الأخيرة قد لعبت دوراً أساسياً في تغيير القيادات، ما يجعل التداول فيه مختلفاً عن نموذج الاستقرار الديموقراطي الذي يفترض أن تتيحه المؤسسات الحزبية.

 

وتبقى حالة "حزب الله" مختلفة بحكم بنيته التنظيمية الخاصة. فقد انتقلت الأمانة العامة من عباس الموسوي إلى حسن نصر الله بعد اغتيال الأول، ثم إلى نعيم قاسم بعد اغتيال نصر الله، في انتقال فرضته ظروف استثنائية، فيما تبقى آليات اختيار القيادة محصورة ضمن المؤسسات الداخلية للحزب ولا تقوم على منافسة علنية.

 

بالاضافة الى عدد كبير من الاحزاب التي بقيت غالبيتها ضمن العائلة على سبيل المثال "التظيم الشعبي الناصري" الذي انتقلت قيادته ضمن عائلة آل سعد، و"حركة الاستقلال" التي  أسسها ولا يزال يرأسها ميشال معوض، و"الكتلة الشعبية" التي انتقلت فيها الرئاسة ضمن آل سكاف، وحزب "الاتحاد" الذي انتقلت الرئاسة فيه من عبد الرحيم مراد الى نجله حسن، وتبقى الاحزاب الارمنية تشهد أيضاً نوعاً من التغييرات أيضاً.

 

ولا يعني ذلك أن طول بقاء رئيس حزب في موقعه ينفي شرعيته أو شعبيته، إذ قد يجدد الأعضاء الثقة بقيادتهم مراراً. لكن الديموقراطية لا تُقاس فقط بشعبية الأشخاص، بل أيضاً بقدرة المؤسسات على إنتاج قيادات جديدة، وضمان انتقال السلطة بصورة طبيعية ومنظمة، بحيث يبقى التغيير احتمالاً قائماً لا حدثاً استثنائياً.

 

ولعل المفارقة الأبرز أن لبنان، الذي يخوض باستمرار نقاشات حول تعديل الدستور، وتحديد الولايات، وتجديد النخب السياسية، لم يشهد حتى اليوم نقاشاً جدياً حول الديموقراطية داخل الأحزاب والقوى السياسية نفسها، مع أنها تشكل البوابة الأساسية لإنتاج النواب والوزراء ورؤساء الحكومات والمرشحين إلى رئاسة الجمهورية.

 

ويبقى السؤال: إذا كانت الأحزاب هي المدرسة الأولى للديموقراطية، فهل يمكن لنظام سياسي أن يتجدد فيما لا تزال غالبية القوى التي تنتجه تعتمد قيادات تمتد ولاياتها لعقود، أو تنتقل داخل الحلقة نفسها؟ وهل يبدأ الإصلاح من تعديل القوانين، أم من إعادة النظر أولاً في مفهوم القيادة داخل الأحزاب والقوى السياسية؟

 

الأكثر قراءة

لبنان 7/1/2026 5:15:00 AM
يرفض قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل التمييز بين ضابط وآخر، إذ يعملون كلهم تحت مظلة القيادة ولا يُسمح لأي جهة بالتدخل في مهمة أي ضابط.
فن ومشاهير 6/28/2026 12:12:00 PM
بالتوازي مع معايدة الملكة رانيا، هنأ الديوان الملكي الهاشمي الأمير الحسين بعيد ميلاده الثاني والثلاثين.
فن ومشاهير 6/28/2026 1:12:00 PM
إقامة ملكية تجمع هاري وميغان ببريطانيا بعد سنوات من الخلاف.
فن ومشاهير 6/29/2026 11:13:00 AM
"لم أتمكن من تجاوز هذه الانتكاسة... نمتُ 11 ساعة مجدداً".