صيف اللبنانيين: مناطق وشواطئ ومنتجعات على قياس العادات والتقاليد الدينية!
تتكرر على امتداد المناطق اللبنانية مشاهد تثير جدلاً واسعاً تحت عنوان "العادات والتقاليد"، أو "خصوصية المجتمع المحلي". هنا يُمنع ارتداء لباس البحر على أحد الشواطئ، وهناك تُحظر المشروبات الكحولية في بلدة أو جزء من البلدة، وفي مكان ثالث يُرفض دخول النساء منتجعا خاصا على الرغم من الحجز والدفع المسبق، بسبب "الشادور" أو اللباس الشرعي. إجراءات وممارسات تختلف في مضمونها لكنها تلتقي عند نقطة واحدة: فرض شروط على اللبنانيين واللبنانيات وفق انتمائهم الديني أو نمط حياتهم أو لباسهم، وتحويل الفضاءات العامة والخاصة إلى مساحات انتقائية لا يشعر الجميع بأنهم مرحب بهم فيها.
وبحلول موسم الاصطياف، لا تقتصر تداعيات هذه الممارسات على الجدل حول الحريات الفردية، بل تمتد لتكرّس واقعاً يدفع كل مواطن إلى البقاء داخل منطقته أو التوجه إلى أماكن تشبهه اجتماعياً او طائفياً، إذ إن مناطق أخرى لا تقبله كما هو. وهكذا تتحول "وصايا" دخول الشواطئ والأسواق والمنتجعات إلى عامل إضافي يعمّق الانغلاق والتقوقع ويغذي العصبية المناطقية والطائفية في بلد يفترض أن يكون فضاؤه واحداً لجميع أبنائه.
حادثة "مايو صيدا"
في العديد من الدول التي كانت تعدّ مقارنة بلبنان متشددة دينياً، أُلغي في السنوات الأخيرة ما كان يعرف بـ"الشرطة الدينية"، بعدما أساءت إلى الناس وأهانت المواطنين. أما في لبنان فتستمر "شرطة زمر الأمر الواقع الدينية" في العمل، وتتمثل في بعض شبان المنطقة الذين يصورون أنفسهم حرصاء على تقاليد مناطقهم والتزامها الديني.
أبرز الأمثلة ما حصل في الـ2023 على شاطئ صيدا حين تهجم شبان ورجل دين على امرأة ترتدي "مايو"، ومنذ ذلك الحين لا يزال شاطئ صيدا خالياً إلى حد كبير من "جريمة اللباس غير الشرعي" على البحر، فضلاً عن خلو المدينة والشاطئ من الكحول.
رئيس بلدية صيدا مصطفى حجازي يشير إلى أن الشاطئ داخل مدينة صيدا لا يتعدى طوله الـ2.5 كيلومترين، شارحاً أن "أغلب من يقصده هم من فقراء المدينة غير القادرين على دخول منتجعات المناطق المجاورة للمدينة، ولهؤلاء هواجس وعادات يجب أن نحترمها قدر الإمكان".
ويكشف لـ"النهار" أن "ثمة مشروعا لتأهيل هذا الشاطئ وتحويله إلى نقطة سياحية ابتداء من الأسبوع المقبل، وعند انتهاء المشروع سيخصَّص مكان للعموم، وهناك سيكون مرحبا بالجميع من مختلف المناطق".
شروط من البلديات؟
كان لافتاً جداً ما أعلنته السنة الماضية بلدية جبيل من شروط لارتياد الشاطئ العام، إذ أعلنت في بيان في بداية الموسم مجموعة من الإجراءات التنظيمية بعنوان "خطوط حمر على الخط الأزرق" تهدف إلى ضبط السلوكيات على الشاطئ وضمان راحة الزوار وسلامة البيئة. حينها أثار بند منع أي شخص من النزول إلى البحر إلا بثياب مخصصة للسباحة جدلاً، لكونه منعاً موجهاً ضد المحجبات، فهل لا تزال هذه الشروط قائمة؟
الوكيل القانوني لبلدية جبيل زياد كلّاب يؤكد لـ”النهار” أن هذه الإجراءات لا تزال سارية، شارحاً: "السنة الماضية أوضحنا والآن نعيد التوضيح أننا لا نمنع المحجبات من النزول إلى البحر، ولكن يُشترط عليهن لباس الثياب الخاصة بالسباحة المعروفة بالبوركيني. وإذا كانت المحجبة تشعر بالارتياح إلى السباحة خارج منطقة جبيل فهذا خيارها، لكن جبيل تستقبل الجميع".
مع بداية هذا الموسم كان لافتاً أن بقية البلديات كالبترون وطبرجا أصدرت كذلك جملة من الشروط للنزول إلى الشاطئ، وهذا ما يراه كلّاب تطبيقاً لما اعتمدته بلدية جبيل العام الماضي.
المنتجعات الخاصة: قيود مختلفة
في غياب تنظيم واضح من الوزارات المختصة، ترتئي كل إدارة منتجع تحديد الشروط الخاصة بزرواده. بعض المنتجعات تمنع المحجبات من الدخول والسباحة، والبعض الآخر يوافق على دخولهن شرط عدم النزول إلى المسبح، وبعضها يذهب أكثر من ذلك فيمنع العاملات الأجنبيات اللواتي يرافقن العائلات من الدخول. كل هذه الإجراءات غير مفهومة وغير مبررة وغير معتمدة في كل الدول، خصوصاً التي تصور نفسها على أنها بلدان تعتمد على السياحة لإنعاش الاقتصاد. هذه التدابير المزاجية تتخذ بحجة أن المنتجعات أملاك خاصة لا تتدخل فيها البلديات والجهات الرسمية.
المشكلة الكبرى لهذه المنتجعات أنها تتعدى على الملك العام، وهو الشاطئ، ولا تترك للناس المجال لارتياده، مع العلم أن آخر قانون صدر لإعفائها من الرسوم اشترط على جميعها أن تترك ممراً للناس إلى البحر، وهذا ما لم يحصل بسبب قوى الأمر الواقع المحيطة بكل منتجع.
نبض