بهيج طبارة... الكبير الكبير بإنسانيّته

لبنان 26-06-2026 | 15:35

بهيج طبارة... الكبير الكبير بإنسانيّته

لم أرَ وزيراً للعدل. رأيت إنساناً اختار أن يتجاوز القيود الأمنية والإدارية ليصل إلى عمق وجع الإنسان.
بهيج طبارة... الكبير الكبير بإنسانيّته
بهيج طبارة
Smaller Bigger

النائب ملحم خلف 

كثيرون سيكتبون اليوم عن المحامي الدكتور بهيج طبارة، عن علمه الغزير، ونزاهته، ودماثة أخلاقه، ورجاحة عقله، وإسهاماته في بناء دولة القانون. أمّا أنا، فأودّ أن أشهد على ما رأيته بعيني، وما اختبرته بنفسي.

عرفته وزيرًا للعدل، يوم دعاني إلى المشاركة في لجنة وزارية للتشريع أحاطها بكبار الحقوقيين في لبنان. وعلى الرغم من سعة علمه، لم يكن يومًا أسير فكرة أنه يملك الحقيقة وحده، بل كان يؤمن بأن التشريع يُبنى بالحوار وتكامل الخبرات. فتح أبواب اللجنة أمام الطاقات الشابة، وجعل منها مساحة يلتقي فيها العلم بالخبرة والحماسة.

في تلك المرحلة، اكتشفت فيه ما هو أبعد من رجل القانون: تواضع العالم، وحسن الإصغاء، واحترام كل رأي صادق.

لكن الذكرى التي لا تغادرني تعود إلى صيف عام 1993.

يومها، ومن خلال جمعية "فرح العطاء"، تجرأت على أن أطلب منه الإذن بتنظيم مخيم لأحداث موقوفين ومحكومين كانوا في إصلاحية اتحاد حماية الأحداث، برئاسة القاضي غسان رباح. وكان الاقتراح أن يُقام المخيم خارج الإصلاحية، في مركز “فرح العطاء” في كفيفان – قضاء البترون، ومن دون أي وجود أمني داخله.

 بهيج طبارة
بهيج طبارة

 

كان الطلب، في ذلك الزمن، أقرب إلى المغامرة. ومع أن الوزير بهيج طبارة كان معروفًا بتأنّيه، جاء جوابه فوريًا: وافق مبدئيًا، طالبًا فقط الحصول على موافقة النائب العام التمييزي ورئيس اتحاد حماية الأحداث. وما إن صدرت موافقته، حتى أُبصر المشروع النور.

لكن ما أريد أن يبقى في الذاكرة ليس فقط قراره، بل ما فعله بعده.

فقد ترك مكتبه في وزارة العدل، وجاء بنفسه من بيروت إلى كفيفان، برفقة عدد من معاونيه، ليقضي بعد ظهر كاملًا مع أربعة وخمسين طفلًا محرومين من الحرية.

وعندما طلب بعض هؤلاء الأطفال أن يتحدثوا إليه على انفراد، اعترض بعض مرافقيه. أمّا هو، فأبى إلّا أن يجلس مع كل واحد منهم، منفردًا، يستمع إليه بصبر الأب لا بسلطة الوزير. كان يصغي إلى شكواهم، يسأل عن ظروفهم، يدوّن ملاحظاته، ويتابع شخصيًا كل حالة تستحق المتابعة.

في ذلك اليوم، لم أرَ وزيراً للعدل. رأيت إنساناً اختار أن يتجاوز القيود الأمنية والإدارية ليصل إلى عمق وجع الإنسان. رأيت مسؤولًا لم ينظر إلى هؤلاء كـ"جانحين"، بل كأطفال أخطأوا، وما زالوا يستحقون من يحتضنهم، ويحمي حقوقهم، ويمنحهم فرصة جديدة للحياة.

ذلك المشهد بقي محفوراً في ذاكرتي أكثر من ثلاثة عقود. واليوم، مع رحيله، أدرك أكثر أن عظمة بهيج طبارة لم تكن في علمه المتألّق فقط، ولا في تواضعه الذي أجمع عليه الجميع، بل في إنسانيته اللامحدودة، وفي قدرته النادرة على أن يبقى، وهو في أعلى مواقع المسؤولية، أبًا قبل أن يكون وزيرًا، وإنسانًا قبل أن يكون رجل دولة.

ولعلّه لذلك كان من أكثر المؤمنين بضرورة نقل إدارة السجون من وزارة الداخلية إلى وزارة العدل، لأن السجن، في نظره، لم يكن مكانًا لتنفيذ العقوبة فحسب، بل مؤسسة إصلاح وإعادة تأهيل، تحفظ كرامة الإنسان وتفتح أمامه باب العودة إلى المجتمع.

رحم الله الدكتور بهيج طبارة.

سيبقى في ذاكرتي، كما عرفته، رجلًا كبيرًا بعلمه، وأكبر بإنسانيته.

العلامات الدالة