الديبلوماسية والتضامن والسيادة: كواليس زيارة الوزيرة الفرنسية كاروا للبنان

لبنان 20-06-2026 | 20:50

الديبلوماسية والتضامن والسيادة: كواليس زيارة الوزيرة الفرنسية كاروا للبنان

من خلال هذه الزيارة المكثفة وهذه الصيغة الثلاثية الجريئة، أرسلت كاروا إشارة قوية.
الديبلوماسية والتضامن والسيادة: كواليس زيارة الوزيرة الفرنسية كاروا للبنان
لوحة إعلانية تحمل صورة الرئيس اللبناني عند مدخل صيدا (أ ف ب)
Smaller Bigger

ميشلين أبو خاطر

 

جاءت زيارة الوزيرة الفرنسية المرتقبة والمدروسة بعناية في توقيت سياسي حاسم. فمن خلال توجهها إلى لبنان، وضعت الوزيرة المكلفة الفرنكوفونية والشراكات الدولية والفرنسيين في الخارج إيليونور كاروا، نصب عينيها هدفاً واضحاً: إيصال رسالة دعم فرنسية مطلقة، والوقوف عن كثب على الحقائق الميدانية.

 

ولإعطاء هذا المسعى أقصى صدى وفاعلية ممكنة، بادرت كاروا إلى اعتماد صيغة ديبلوماسية غير مسبوقة، تمثلت في جولة مشتركة مع نظيرتيها البريطانية جيني تشابمان والقطرية مريم المسند. وفرضت هذه الجبهة الموحدة ذات الأصوات الثلاثة نفسها رمزا قويا ورافعة عملية للتحرك. وفي حين اتخذت باريس ولندن موقفاً مبكراً منذ بداية النزاع ضمن تحالف متعدد الجنسية لضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز، تعيد بريطانيا اليوم تأكيد انخراطها في الشرق الأوسط، ومن جانبها، تبرز قطر لاعبا رئيسيا في جهود الوساطة ومستثمرا أساسيا في تنمية المنطقة.

 

 وزيرة الدولة للتعاون الدولي في وزارة الخارجية بدولة قطر، مريم المسند
وزيرة الدولة للتعاون الدولي في وزارة الخارجية بدولة قطر، مريم المسند

 

الأولويات والشراكات الدولية

تأتي هذه الرحلة في سياق الأولويات التي تطرحها الوزيرة كاروا في مجال الشراكات الدولية. فبعد أسابيع قليلة على ترؤسها في باريس اجتماعاً وزارياً لمجموعة السبع خُصص للتنمية- أُقرت توجهاته الكبرى لاحقاً في قمة إيفيان - استغلت الوزيرة هذا المنبر البيروتي للتنديد بتشرذم المساعدات الإنسانية. واليوم، تعاني بعض الدول المصابة بالأزمات عبء الإجراءات، إذ يتعين عليها التعامل أحياناً مع أكثر من مئة وكالة متعددة الطرف ومنظمة غير حكومية لتلبية حاجاتها.

 

أمام هذا الواقع، ذكّرت كاروا بمبدأ أساسي في رؤيتها هو "السيادة". فحتى تكون المساعدات - سواء كانت إغاثية طارئة أو تنموية- فعالة، يجب أن تتماشى تماماً مع الحاجات التي تحددها الدولة المضيفة نفسها، لا الجهات المانحة. وفي هذا الإطار، جرى تنسيق الجولة على نحو وثيق مع السلطات المحلية، لا سيما مع وزيرة الشؤون الاجتماعية اللبنانية حنين السيد التي رافقت الوفد الوزاري في جولته الميدانية.

 

وعلى الصعيد السياسي، قادت الوزيرة الفرنسية ماراثوناً مؤسساتياً حقيقياً لإعادة تأكيد دعم فرنسا للمؤسسات اللبنانية. فعقدت سلسلة لقاءات مع الرئيس جوزف عون، ورئيس مجلس النواب نبيه بري، بالإضافة إلى وزيري الشؤون الاجتماعية والخارجية. وحالت دون إتمام اللقاء برئيس مجلس الوزراء نواف سلام أسباب تتعلق بجدول الأعمال بسبب وجوده في باريس آنذاك. وكان حجم الرهان في هذه المشاورات كبيراً: تحديد الأولويات المطلقة للحكومة اللبنانية من أجل تنسيق المساعدات الثنائية، وحمل صوت لبنان على أكمل وجه في المحافل المتعددة الطرف.

 

وبعيداً من الصالونات الرسمية، حرصت كاروا على مواجهة واقع الحياة اليومية للبنانيين. ففي بيروت، زار الوفد مدرسة تحولت إلى مركز إيواء طارئ، ثم توجهت الوزيرة بمفردها إلى مستوصف طبي في الحي الأرمني ببيروت تدعمه فرنسا، وهو نموذج ملموس للدعم الذي تقدمه باريس لهياكل الصحة العامة اللبنانية. وفي صيدا، وإلى جانب زميلتها البريطانية جيني تشابمان، زارت مركز إيواء آخر وتبادلت الحديث مع عناصر الصليب الأحمر اللبناني، وكانت لحظة استثنائية تزامنت مع إعلان اتفاق متبوع باستئناف فوري للتوترات، مما أتاح للوزيرة أن تلمس مباشرة الصمود المذهل للسكان.
وبصفتها الوزيرة الوصية على الفرنسيين في الخارج، خصصت كاروا حيزاً كبيراً من رحلتها للجالية الفرنسية من ممثلي الجمعيات والأكاديميين والفاعلين الثقافيين ورجال الأعمال. وكان الحوار مع هؤلاء من حاملي الجنسيتين والمغتربين المستقرين منذ فترة طويلة أمراً أساسياً بالنسبة إليها لاستيعاب قراءتهم للأزمة.

 

أما اللحظة الأكثر تأثيراً في جولتها، فكانت دون شك زيارتها لثانوية فردان، إذ تجسد هذه المؤسسة اليوم سلسلة تضامن رائعة، حيث تستقبل حالياً طلابا ومدرسي ثانوّيتين عُطّل العمل فيهما: ثانوية النبطية الواقعة في الجنوب الذي يعاني وطأة الحرب، وثانوية عبد القادر التي تحولت إلى مركز إيواء. وحيّت الوزيرة الشجاعة الاستثنائية للطواقم التعليمية التي تواصل تأمين استمرارية التدريس رغم المأساة التي تعيشها عائلاتهم. ويثبت لبنان، الذي يضم أكبر عدد من المدارس الفرنسية في الخارج حول العالم، مرة أخرى القوة الفريدة لشبكة التعليم الفرنسي في الخارج (AEFE).

 

إحياء الفرنكوفونية وحماية التراث 

يعدّ هذا الدعم للمدارس رداً مباشراً على تراجع اللغة الفرنسية الملحوظ لدى الأجيال اللبنانية الشابة. وبالنسبة إلى كاروا، بصفتها الوزيرة المكلفة الفرنكوفونية، فإن الحفاظ على جاذبية اللغة الفرنسية في لبنان- حيث يتحدث نصف السكان هذه اللغة-   يشكل معركة يومية للحفاظ على الجسور التاريخية بين البلدين.

 

اختتمت الوزيرة جولتها في جبيل (بيبلوس)، من بوابة التعاون الثقافي، حيث تدعم فرنسا، إلى جانب دولة الإمارات العربية المتحدة وشركاء آخرين، مؤسسة "أليف" (ALIPH) لحماية التراث في مناطق النزاع.

 

ورداً على من قد يرى الثقافة مسألة ثانوية في زمن الحرب، أعادت التأكيد أن الحفاظ على الكنوز اللبنانية يعدّ أولوية سياسية مطلقة. وجاءت هذه الزيارة لتردد صدى معرض "كنوز جبيل" الذي كانت قد افتتحته في معهد العالم العربي في باريس إلى جانب رئيس الجمهورية وغسان سلامة، وإن كان النزاع الحالي قد حال يا للأسف دون نقل بعض القطع الفنية إلى فرنسا.

خلاصة القول: من خلال هذه الزيارة المكثفة وهذه الصيغة الثلاثية الجريئة، أرسلت كاروا إشارة قوية. فإلى جانب المساعدات الإنسانية الطارئة، تجنّد فرنسا نفسها مدافعا عن السيادة اللبنانية، وعازمة كل العزم على إعطاء صوت لبنان ومصالحه وزنا في المفاوضات الدولية الجارية.

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

شمال إفريقيا 6/16/2026 11:26:00 PM
لغز "الأتوبيس الأسود" في القاهرة ينتهي.. والداخلية تكشف التفاصيل
لبنان 6/18/2026 8:47:00 PM
واشنطن توسّع عقوباتها على شبكة علاء حمية المرتبطة بـ"حزب الله"
لبنان 6/19/2026 12:14:00 PM
بعد مقتل 4 جنود... إسرائيل تبحث توسيع الرد وتناقش استهداف الضاحية الجنوبية