كيف تدرّب اللبنانيون على النزوح؟

لبنان 19-06-2026 | 09:33

كيف تدرّب اللبنانيون على النزوح؟

السؤال اليوم ليس كم نازحاً أنتجت الحرب الأخيرة، بل ماذا يفعل نصف قرن من النزوح المتكرّر ببلد كامل؟ وهل تكرّس الحقيبة جزءاً من الذاكرة الوطنية إلى الأبد؟
كيف تدرّب اللبنانيون على النزوح؟
النزوح القسري (تصميم "النهار").
Smaller Bigger

الأحد الماضي، احتاج المبنى السكني الذي أقطن فيه على مشارف بيروت إلى أقل من خمس دقائق ليتحوّل إلى مشروع نزوح، علماً بأن المنطقة تقع في نطاق خارج دائرة الاستهداف تقليدياً.

 

اتصال هاتفي من رقم لبناني يطلب إخلاء المبنى فوراً. لا وقت للتحقق من الرقم.

 

لا وقت للسؤال إن كان الإنذار حقيقياً أم كاذباً. ثمة أمر واحد فقط يفرض نفسه في تلك اللحظة: ماذا نحمل معنا؟

 

في دقائق، كانت العائلات تجمع أوراقها الثبوتية وجوازات سفرها وبعض المال وتخرج إلى الشارع. عجوز تبحث عما سترتديه على عجل، وهي تلهث، وقد "اصفّرت" ملامحها من الرعب. جار يطرق أبواب المبنى على عجل. سكان ينزلون الدرج بسرعة لا تسمح بها أعمار بعضهم.

 

هي دقائق معدودة تثقلها الصور التي تقتحم المخيّلة، وتتحكم بما يجب حمله على عجل. الأرجح أن المشترك هو حقيبة اليد وجواز السفر وقطعة ملابس. وبالنسبة لي كان اللابتوب أيضاً كخزان المشاريع التي أعمل عليها، وبينها عدد النزوح هذا.

 

بعد اتصالات مع الأجهزة الأمنية، تبيّن أن الإنذار كاذب. المتصل كان يحاول المزاح مع صديق وأخطأ الرقم.

 

انتهت القصة ولم تنته فعلاً. انتهت قصة "المزحة المجرمة"، لكن قصصاً أخرى كتبت بدماء من لم يتلقّوا إنذاراً حقيقياً وغدروا في غفلة، وبرعب من استجابوا لإنذار حقيقي فهاموا على وجوههم هاربين، أو من لم ينتبهوا للإنذار، كالشابة الرياضية سيلين حيدر التي أصيبت بجروح بالغة في الضاحية الجنوبية لبيروت.

 

لكن سؤالاً بقي عالقاً: كيف عرف الجميع ماذا يفعل؟

 

كيف أصبحت عملية الاستعداد للنزوح بهذه السرعة؟

 

في بلد عرف الحرب الأهلية والاجتياحات الإسرائيلية وحروب الجنوب المتكررة وصولاً إلى الحرب الأخيرة، لم يعد النزوح حدثاً استثنائياً. أصبح جزءاً من الذاكرة الجماعية.

 

لكلّ جيل لبناني قصّة نزوحه الخاصة. جيل حمل حقائبه إلى قبرص.

 

جيل انتقل من بيروت الشرقية إلى الغربية أو العكس. جيل نزح من الأرياف إلى المدن بفعل حروب عسكرية واقتصادية. جيل أمضى أسابيع في المدارس ومراكز الإيواء. وجيل تابع الخرائط على هاتفه بحثاً عن طريق أكثر أماناً للخروج.
تختلف الحروب، لكن التفاصيل تتشابه. الحقيبة نفسها. الارتباك نفسه.
والسؤال نفسه: ماذا نأخذ معنا إذا لم يعد هناك وقت؟

 

خلال الحرب الأخيرة، نزح أكثر من مليون شخص في داخل لبنان. لكن الرقم، على ضخامته، لا يروي كل القصة. هناك نوع آخر من النزوح لا يظهر في الإحصاءات. نزوح تفاصيل الحياة من أماكنها للأشخاص الذين غادروا الجغرافيا المستهدفة، وأولئك الذين لم يغادروا منازلهم لكن النزوح أصاب حاضرهم ومستقبلهم.

 

النزوح في لبنان لم يعد انتقالاً فقط من مكان إلى آخر.
إنه انتقال دائم من يقين إلى آخر.

 

 ربما لا تكمن خصوصية التجربة اللبنانية في عدد النازحين فقط، بل في أن مجتمعاً كاملاً بات يعرف كيف ينزح.

يعرف ماذا يحمل. وأين يذهب. وكيف يبدأ من جديد.

 

هي معرفة لا يفترض بأيّ شعب أن يحتاج إليها بهذا القدر. مع هشاشة الإعلان عن وقف إطلاق النار، يحتفظ الآلاف بمراكز إيوائهم، يزورون بيوتهم المدمّرة أو تلك التي سلمت، لكنهم يعودون إلى أماكن النزوح مع غياب الإيمان باستتباب الأمن. وفي سياق الحديث عن التدرّب على النزوح، تعيد تجربة حرب 2026 سيناريو حرب 2024، حيث تؤكد المعطيات الرسمية والأهلية على الأرض أن الآلاف احتفظوا ببيوت استأجروها خارج الضاحية والجنوب سابقاً، والآلاف الآخرين عادوا إلى نفس مراكز الإيواء أو المدارس التي كانوا فيها في الحرب السابقة، حتى إن خطط الاستجابة على الأرض ارتكزت إلى داتا نزوح شبيهة إلى حدّ بعيد بالحرب السابقة.

 

في الدول المستقرة، يتعلّم الناس كيف يبنون حياتهم. أما في لبنان، فقد تعلّم كثيرون أيضاً كيف يتركونها وراءهم عندما تدقّ ساعة الحرب.

 

السؤال اليوم ليس كم نازحاً أنتجت الحرب الأخيرة، بل ماذا يفعل نصف قرن من النزوح المتكرّر ببلد كامل؟ وهل تكرّس الحقيبة جزءاً من الذاكرة الوطنية إلى الأبد؟

الأكثر قراءة

المشرق-العربي 6/18/2026 6:10:00 AM
يعتبر "الجنرال" أن إخفاء هويّته يحرّره تماماً من الضغوط الاجتماعية والروابط العشائرية والمجاملات السياسية.
شمال إفريقيا 6/16/2026 11:26:00 PM
لغز "الأتوبيس الأسود" في القاهرة ينتهي.. والداخلية تكشف التفاصيل
لبنان 6/18/2026 5:05:00 PM
اعتمد "حزب الله" على مسيّرات متفجّرة تعمل بالألياف الضوئية في مهاجمة قوات ومواقع إسرائيلية، وقال مسؤولون فيه إنها تُصنّع في لبنان.
لبنان 6/18/2026 8:05:00 PM

الخزانة الأميركية تفرض عقوبات جديدة على فرنجية وقماطي وشبكة مالية مرتبطة بـ"حزب الله" في لبنان وسوريا والعراق وعُمان