لبنان وإسرائيل: اجتياحات متعاقبة وانسحابات غير مكتملة
ريمون أبي تامر
منذ عام 1948، بقيت الحدود الجنوبية للبنان ساحة توتر متكرر. تحوَّل جنوب لبنان إلى منطقة عمليات لفصائل فلسطينية في منتصف الستينيات والسبعينيات، أما في الثمانينيات فدخل العامل الإيراني، ما حوّل الجنوب إلى ساحة مواجهة مباشرة مع "حزب الله" حتى اليوم. هذا التوتر أدى إلى سلسلة اجتياحات وحروب إسرائيلية واسعة على لبنان، قوبلت كل مرة بانسحاب جزئي أو كامل لاحقاً. لكن الانسحابات لم تنهِ دائرة العنف، وتركت وراءها دماراً ونزوحاً واحتلالاً لأراضٍ ما زالت نقطة خلاف حتى 2026.
زمن حضور الدولة اللبنانية
منذ توقيع اتفاقية الهدنة بين لبنان وإسرائيل في 23 آذار 1949 إلى عام 1967 ثم توقيع "اتفاق القاهرة" في تشرين الثاني 1969، كانت السيادة اللبنانية الكاملة مطبقة على كامل الأراضي الجنوبية. كان الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي الجهة الوحيدة المسؤولة عن ضبط الحدود ومنع أي عمليات عسكرية تنطلق من الأراضي اللبنانية.
خلال تلك العشرين سنة لم يشهد لبنان أي اجتياح أو حرب إسرائيلية واسعة. لم يتحول الجنوب إلى منصة، وبالتالي لم يتوافر أي مبرر لرد عسكري إسرائيلي كبير على الأراضي اللبنانية. هذه الفترة تثبت بالدليل التاريخي قاعدة محورية: حضور الدولة اللبنانية بقواها الشرعية على حدودها يعني استقراراً وأمناً وغياباً للاجتياحات. أما تراجع سلطة الدولة وانتشار السلاح خارج إطارها، فهو الذي فتح الباب أمام كل الاجتياحات والحروب التي تلت عام 1967.
الاجتياحات والانسحابات والنتائج
اجتياح 1978: دخل الجيش الإسرائيلي جنوب لبنان حتى نهر الليطاني على خلفية عمليات نفذتها حركات فلسطينية انطلقت من الجنوب بعد تراجع سلطة الدولة عقب اتفاق القاهرة عام 1969.
النتائج: احتلال شريط بعمق 10-15 كيلومتراً. صدر القرار 425 عن مجلس الأمن الداعي إلى الانسحاب الفوري وإنشاء "اليونيفيل". انسحبت إسرائيل جزئياً في حزيران 1978 وسلمت إدارة الشريط الحدودي لـ"جيش لبنان الجنوبي". ملأ هذا الجيش الفراغ الأمني جنوب الليطاني وتولى ضبط الحدود ومنع انطلاق العمليات العسكرية من المنطقة، فبقي الشريط خالياً من الاجتياحات الكبرى حتى الانسحاب الإسرائيلي عام 2000.
اجتياح 1982 :توغل إسرائيلي واسع وصل إلى بيروت وحاصرها غرباً على خلفية عمليات عسكرية نفذتها منظمة التحرير الفلسطينية من الأراضي اللبنانية.
النتائج: دمار هائل في بيروت والجنوب. وخروج قوات منظمة التحرير من بيروت إلى تونس في آب 1982. انسحبت إسرائيل من معظم المناطق عام 1985 إلى "الشريط الحدودي" بعمق 5-15 كيلومترا، وأنشأت منطقة أمنية احتلتها مباشرة حتى 2000.
انسحاب عام 2000: انسحبت إسرائيل من "الشريط الحدودي" إلى ما سمي "الخط الأزرق" بعد سنوات من عمليات "حزب الله" العسكرية ضد مواقعها جنوبا. نفذت إسرائيل انسحاباً أحاديّاً في 25 أيار 2000، بعد تعهد قطعه رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك إيهود باراك خلال حملته الانتخابية عام 1999 بإنهاء الاحتلال وتفكيك ما عُرف بـ"الحزام الأمني".
النتائج: رأى لبنان في ذلك "تحريراً" أنهى 22 سنة احتلالا مباشرا. انسحب "جيش لبنان الجنوبي" وانهار. بقيت مزارع شبعا وتلال كفرشوبا تحت الاحتلال الإسرائيلي كنقطة خلاف حدودي. أكدت الأمم المتحدة اكتمال الانسحاب إلى الخط الأزرق.
حرب تموز 2006 :اندلعت بعد عملية عسكرية لـ"حزب الله" أدت إلى أسر جنديين إسرائيليين على الحدود.
النتائج: دمار واسع في الضاحية الجنوبية والجنوب والبقاع والبنية التحتية: جسور، ومطارات، ومعامل. ونزوح مليون لبناني. صدر القرار 1701 لمجلس الأمن ونصّ على وقف الأعمال العدائية وانتشار الجيش اللبناني و"اليونيفيل" في جنوب الليطاني ونزع سلاح كل الميليشيات. انسحب الجيش الإسرائيلي من الأراضي التي دخلها. منذ 2006 وحتى اليوم، لم يتم تطبيق بند نزع سلاح "حزب الله" عملياً، وبقي سلاحه موجوداً، وظلت مزارع شبعا محتلة.
حرب أيلول 2024 - "السهام الشمالية": تصاعدت المواجهات بعد جبهة إسناد فتحها "حزب الله" على الحدود تزامنا مع حرب غزة.
النتائج: دمار واسع في الضاحية والبقاع والجنوب واغتيال قيادات الصف الأول في الحزب. نزوح أكثر من مليون لبناني. بعد هدنة في 27 تشرين الثاني 2024 برعاية أميركية - فرنسية، انسحب الجيش الإسرائيلي من القرى التي دخلها لكنه أبقى على احتلال 5 نقاط حدودية داخل الأراضي اللبنانية حتى اليوم.
حرب 2026 والوضع الراهن: انهارت هدنة 2024 وعادت المواجهات. السبب المباشر كان إطلاق "حزب الله" ستة صواريخ من الجنوب في اتجاه إسرائيل، "ثأراً لدماء علي خامنئي".
النتائج: غارات إسرائيلية مكثفة على الجنوب والبقاع والضاحية. دمار جديد في البنية التحتية ونزوح إضافي. الوضع ميدانياً متقلب والحدود تشهد اشتباكات يومية. لم يحدث انسحاب بعد، والمفاوضات الدولية تحاول تثبيت وقف إطلاق نار جديد وتطبيق القرارات الدولية العالقة.
من 1949 إلى 1967 أثبتت التجربة أن حضور الدولة اللبنانية بقواها الشرعية كفيل بمنع أي اجتياح. من 1967 إلى 2026 أثبتت التجارب المتكررة أن أي عمل عسكري انطلق من لبنان، سواء من الحركات الفلسطينية سابقاً أو من "حزب الله" لاحقاً، تبعه رد عسكري إسرائيلي واسع، ثم انسحاب لاحقاً.
كل انسحاب ترك ملفاً عالقاً: "جيش لبنان الجنوبي" 1978، الشريط الحدودي 1985، مزارع شبعا 2000، سلاح "حزب الله" والقرار 1701 من 2006، و5 نقاط حدودية من 2024.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
الخزانة الأميركية تفرض عقوبات جديدة على فرنجية وقماطي وشبكة مالية مرتبطة بـ"حزب الله" في لبنان وسوريا والعراق وعُمان
نبض