بين السّرطان والحرب... رحلة علاج بدأت تحت القصف
أذكر أنه في الساعات الأولى من اندلاع الحرب الإسرائيلية على لبنان، كان أول من تبادر إلى ذهني صديقتي التي كانت قد شُخِّصت حديثاً بسرطان الغدد اللمفاوية. وقد صادف أن يكون الثاني من آذار/مارس موعد بدء رحلتها العلاجية، من خلال جلسة مخصصة لتجميد البويضات قبل الشروع في العلاج.
تروي م. ر لـ"النهار" كيف غادرت مع أهلها منزلها في الضاحية الجنوبية على عجل مع بدء أولى الغارات الإسرائيلية، قائلة: "غادرتُ المنزل فعلياً وأنا أرتدي ملابس النوم".
وتصف صعوبة تلك اللحظات، مشيرة إلى أن رحلة الهروب ترافقت مع أعراض المرض التي كانت تعانيها، من سعال شديد ومتواصل، إضافة إلى التقيؤ.
المستشفى
تقول: "كان عليّ أن أكون في المستشفى عند الساعة السابعة صباحاً. كان الوقت قد أصبح الرابعة والنصف فجراً عندما وصلتُ مع والديّ إلى مكان آمن. كنتُ في حالة توتر شديد، أعاني الارتجاف والسعال والتقيؤ باستمرار. وعندما دخلتُ المستشفى لإجراء العملية، أخبرتني اختصاصية التخدير أنه للأسف لن يكون بالإمكان إخضاعي للتخدير العام بسبب حالتي الصحية، لأنهم لا يريدون المخاطرة بحياتي. لذلك اختاروا التخدير النصفي، وكان ذلك مؤلماً جداً. وبعد انتهاء الإجراء، نُقلت إلى غرفة التعافي لمدة تقارب خمس ساعات، وكنت أبكي طوال الوقت لأنني كنت أعيد في ذهني كل ما حدث".
وتحكي كيف كانت تسمع طائرات الاستطلاع تحلق فوق الجامعة الأميركية في بيروت، كما كانت تسمع أحاديث المرضى من حولها وهم يتحدثون عما مروا به في تلك الليلة، مضيفة: "كنتُ أسمع كل ذلك، ولم يكن التعافي خياراً متاحاً لي".

مكان النزوح
غادرت م. ر المستشفى وهي تدرك أن العودة إلى منزلها لم تعد خياراً مطروحاً، وتقول: "توجهتُ إلى منزل أحد الأقارب، حيث كانت عائلتان أخريان من الأقارب بانتظارنا هناك. كانت الأجواء مليئة بالبكاء أيضاً، لأنهم كانوا يمرون بليلة صعبة بعد نزوحهم من الجنوب. عندها أدركتُ أن الأمر حقيقي. كان من الصعب عليّ استيعاب أننا لن نعود قريباً، وأن ما يحدث قد يستمر لفترة طويلة.
كان الناس يصرخون في كل مكان، وكان هناك ذعر عام. ونظرات الخوف والعنصرية التي واجهتنا في مكان النزوح كانت مؤلمة بقدر ألم المرض نفسه".
وقف إطلاق نار؟
لم تسر الجلسة الأولى من العلاج الكيميائي على ما يرام، إذ لم تكن حالتها النفسية مستقرة. وتقول: "لكنني كنت أحاول أن أقاوم، لأنني اتخذت هذا القرار".
وتوضح أن تجربة المرض جعلتها أكثر تعاطفاً مع الآخرين، ولا سيما المرضى النازحين الذين قد لا يتمكنون من الحصول على العلاج الذي يحتاجون إليه في ظل الظروف الراهنة.
كما تركت الحرب آثاراً نفسية عميقة عليها، خصوصاً أنها ترافقت مع معركتها الصحية، فتقول: "نحن جميعاً على وشك الانفجار، لأننا نشعر بالاختناق وبأننا مخذولون. مخذولون لأن لا شيء يبدو أنه يسير كما يجب. في كل مرة نقترب فيها من وقف لإطلاق النار، لا يحدث ذلك فعلياً. وإذا حدث في مكان ما، فإنه لا يحدث هنا.
أشعر بالرغبة في الصراخ والبكاء، خاصة عندما أرى أناساً طيبين جداً يدفعون ثمن كل ما يحدث. لم أعد أرى أي معنى لهذا الوضع، ولم أعد أرى جدوى من هذه الحرب. الجميع يدفع الثمن: النازحون في الشوارع، والناس الذين فقدوا أحباءهم، وأولئك الذين يودعون أعزاء على قلوبهم، وأشخاصاً عرفناهم أو التقيناهم يوماً ما ثم رحلوا".
وتختم بالتعبير عن الثقل المعنوي الذي تشعر به قائلة: "هذا الأمر أصبح ثقيلاً جداً عليّ شخصياً، ولا يساعد في علاجي، ولا في مرضي، ولا في حالتي الصحية".
ولعلّ رسالة م. ر تذكّر بأن للحروب وجهاً آخر لا يظهر دائماً في أرقام الضحايا وصور الدمار، بل في قصص أشخاص يخوضون معاركهم الخاصة بصمت.
نبض