التربة ليست ضرراً جانبياً... في الجنوب لا تُدمَّر البيوت وحدها بل شروط الحياة

لبنان 05-06-2026 | 09:43

التربة ليست ضرراً جانبياً... في الجنوب لا تُدمَّر البيوت وحدها بل شروط الحياة

تتشكل علاقة الإنسان بالحياة أولاً من علاقته بالتربة، قبل علاقته بالأرض بوصفها حدوداً أو ملكية أو موضوع سيادة.
التربة ليست ضرراً جانبياً... في الجنوب لا تُدمَّر البيوت وحدها بل شروط الحياة
محيط قلعة الشقيف في جنوب لبنان. (أ ف ب)
Smaller Bigger

د. نجاة عون صليبا - نائبة في البرلمان اللبناني

رشاد رافع -  المعهد الاجتماعي الاقتصادي للتنمية

لبنان ليس أرضاً عابرة في التاريخ. منذ أكثر من ستة آلاف عام، حملت تربته مدناً وقرى وحقولاً وذاكرة بشرية متواصلة. ومع ذلك، فإن بقاء الناس فيه، كما بقاء البشر عموماً، يقوم على أمتار قليلة من التربة لا يتجاوز عمقها الحيّ عشرة أمتار. هذه التربة تُنتهك اليوم بعنف وعلى امتداد طبقاتها الحيّة.

 

في الواقع، التربة أكثر من غبار على سطح الأرض. إنها وسط حيّ يربط الإنسان بشروط الحياة الأولى. ومن هذه العلاقة، قبل أي دولة أو نظام سياسي، يتكوّن معنى الوجود في المكان. تتشكل علاقة الإنسان بالحياة أولاً من علاقته بالتربة، قبل علاقته بالأرض بوصفها حدوداً أو ملكية أو موضوع سيادة.

 

علمياً، التربة كيان حيّ لا كتلة صامتة. إنها نظام فيزيائي وكيميائي وبيولوجي يعمل ببطء. في مساماتها تتحرك المياه والهواء. في طبقاتها تعيش كائنات دقيقة تفكك المواد العضوية وتعيد بناء الخصوبة. وفي بنيتها تتحدد قدرة الأرض على امتصاص المطر، وتغذية الجذور، وحفظ البذور، وتنقية جزء من الملوثات قبل وصولها إلى المياه الجوفية. لذلك، فإن ضرب التربة لا يعني فقط حرق نبات أو تخريب حقل. إنه اضطراب في نظام حيّ يربط الزراعة بالماء والصحة والاستقرار البشري.

 

 

كفرتبنيت في جنوب لبنان. (أ ف ب)
كفرتبنيت في جنوب لبنان. (أ ف ب)

 

 

حين تتحول الأرض إلى سيادة وحدود وخرائط تضيق اللغة عن معنى التربة. أما التربة فهي علاقة بين الإنسان والزمن، بين الذاكرة والقدرة على الحياة، بين ما رحل وما سيأتي. لذلك تبدو اللغة السياسية، حين تتحدث عن الأرض وحدها، ناقصة. فهي تعرف كيف تتكلم عن الاحتلال والتحرير والحدود والسيطرة، لكنها لا تلتقط دائماً ما تحمله التربة من معنى أعمق. فالتربة لا تبدأ مع الدولة، ولا تنتهي بالميدان. والقرى لا تولد من الخرائط، بل من الماء والمواسم وما تسمح به الأرض. الطعام يحمل طعم المكان، والعائلات ترث الأشجار والآبار قبل أن ترث الأفكار المجرّدة عن السيادة.

 

في الجنوب، لم تعد هذه الفكرة نظرية. الحرب الحالية لم تترك أثرها على البيوت والطرقات والحقول فحسب، بل على ما يجعل العودة ممكنة. فالضرر يظهر في الغارات، وفي عمليات الهدم والتجريف، وفي ما أصاب المنشآت المدنية والأراضي الزراعية على نطاق واسع. كما وثقت تقارير استخدام الفوسفور الأبيض، وتحدثت متابعات بيئية عن أثره المحتمل على خصوبة التربة وحموضتها، إضافة إلى المخاطر على الزراعة والمياه والصحة. هذه الوقائع لا تعني أن كل أرض ملوثة بالدرجة نفسها، لكنها تعني أن استئناف الحياة يحتاج إلى معرفة علمية دقيقة بما أصاب الأرض والمياه والغبار والركام.

 

وتزداد الخطورة حين يدخل التفجير إلى البنية الجوفية للأرض. فقد نقلت تقارير عن ادعاءات عسكرية إسرائيلية بشأن شبكة أنفاق في القنطرة تمتد حوالي كيلومترين، وتصل إلى عمق خمسة وعشرين متراً، وقد دُمّرت بأكثر من أربعمئة وخمسين طناً من المتفجرات.

 

تفجير بهذا الحجم لا يمحو منشأة عسكرية فقط. موجة الانفجار يمكن أن تصدّع الصخر، وتضغط التربة، وتغيّر مسارات المياه، وتخلق شقوقاً جديدة تنتقل عبرها الملوثات. كما أن بقايا المتفجرات قد تشمل مركبات مثل TNT وRDX وHMX، وهي مواد معروفة بقدرتها على تلويث التربة والمياه والتأثير في النشاط الميكروبي والنمو النباتي. وحين تختلط هذه البقايا بالمعادن الثقيلة الناتجة عن الذخائر والركام والاحتراق، يصبح الضرر أوسع من مشهد الدمار الظاهر.

 

هذا النوع من الضرر يحتاج إلى توثيق علمي وقانوني. يجب قياس ما أصاب التربة والمياه والآبار والغبار والركام، وتحديد مصادر التلوث ومساراته وآثاره المحتملة على الزراعة والصحة والبيئة. فالتدمير الذي يدخل إلى بنية الأرض لا ينتهي بانتهاء الانفجار.

 

قد يبقى في الطبقات، وفي المياه، وفي السلسلة الغذائية ليصل إلى أجساد الناس. والمفارقة القاسية أنّ بعض هذه المواد persistent chemicals، مثل بعض المعادن الثقيلة والملوّثات العضوية الثابتة، يمكن أن تتراكم في الجسم لسنوات، وأن تنتقل من الأم إلى الجنين خلال أكثر مراحل الحياة هشاشة. وقد بيّنت دراسات عديدة أنّ التعرّض لهذه الملوّثات خلال الحمل قد يرتبط بآثار خطيرة على نمو الجنين، بما في ذلك انخفاض الوزن عند الولادة، واضطرابات النمو العصبي، والتشوّهات الخلقية. لذلك، فإن توثيق التلوث اليوم هو أيضًا حماية للأجيال التي لم تولد بعد.

 

ومن هنا يجب أن ينتقل هذا الملف إلى مستوى دولي. ما يحدث للتربة في الجنوب لا ينبغي أن يبقى تفصيلاً بيئياً في هامش الحرب، بل يجب أن يُوثَّق ويُعرض أمام الآليات الدولية المختصة. فحين يتحول الضرر إلى تلوث واسع أو طويل الأمد أو متعمد، يصبح جزءاً من سؤال العدالة، لا مجرد كلفة من كلف الحرب.

 

القانون الدولي يدعم هذا الاتجاه من حيث المبدأ، لكن لغته ما زالت تحتاج إلى تسمية أوضح. فاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر، المعتمدة عام 1994، تتعامل مع تدهور الأراضي كتهديد للمعيشة ورفاه الإنسان. وفي أوروبا، يذهب بروتوكول حماية التربة في إطار اتفاقية جبال الألب، المعتمد عام 1998، أبعد من ذلك، إذ يعترف بالتربة كمورد يجب الحفاظ عليه لذاته. كما أن قانون الحرب الدولي يضع حدوداً للوسائل والأساليب التي تحدث ضرراً واسعاً وطويل الأمد وجسيماً بالبيئة الطبيعية.

 

هذه النصوص تعترف بأن ما يُصاب في الحرب قد يكون شرطاً من شروط الحياة نفسها. لكن النقص يبقى في التسمية والتأطير. فهذا الوسط الحيّ غالباً ما يُحمى بصورة غير مباشرة، تحت عناوين البيئة أو الموارد الطبيعية، من دون أن يُمنح اسماً قانونياً يليق بوظيفته في استمرار الإنسان في المكان.
فالتربة تعمل في زمن مختلف عن زمن الصراعات البشرية. لا تعنيها لحظة الغلبة أو الهزيمة. إنها تعمل ببطء، وتراكم الحياة عبر أجيال. لذلك يجب أن يُفهم الاعتداء عليها كاعتداء على شرط من شروط الاستمرار، لا كأثر جانبي لمعركة تجري فوقها.

 

العدوان في الحرب يجب أن تكون له حدود. فالقدرة على التدمير لا يجوز أن تمحو مقومات الحياة التي تبقى بعد انتهاء القتال. ما يجري اليوم يتطلب وقف هذا التدمير فوراً، لأن ما يُفقد ليس رمزاً مجرداً، بل الماء والغذاء والصحة والذاكرة وإمكان الحياة بعد الحرب.

 

ومن يختصر تدميرها بعبارة "ضرر جانبي" لا يفهم حقاً ما الذي فُقد.

 

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

اقتصاد وأعمال 6/2/2026 9:12:00 AM
جدول جديد لأسعار المحروقات في لبنان اليوم
اسرائيليات 6/4/2026 8:40:00 PM
في قلعة الشقيف... أيوب كيوف يتسلّم قيادة لواء "غولاني" الإسرائيلي.
لبنان 6/4/2026 9:18:00 PM
استنفار في عائشة بكار بعد تبادل إطلاق نار
فن ومشاهير 6/1/2026 12:46:00 PM
ومن التفاصيل التي لفتت الأنظار في الإطلالة الأخيرة، الأكسسوارات التي اختارها، من الخاتم البارز إلى الساعة الكبيرة الحجم، وهي عناصر رافقته في معظم إطلالاته خلال السنوات الماضية.