منذ 1969 وهو يقودها... سيارة أجرة ترفض التقاعد وصاحبها يرفض التفريط بها
"السيارة متل بنتي"... بهذه الكلمات يختصر جوزيف الحاج، البالغ من العمر 85 عاماً، قصة علاقة استثنائية جمعته بسيارة الأجرة التي رافقته لأكثر من نصف قرن. الرجل الذي يعرّف عن نفسه بأنه "أقدم شوفير تاكسي في لبنان" لا يرى في سيارته مجرد وسيلة لكسب الرزق، بل رفيقة عمر شاركته تفاصيل حياته اليومية، ونجت معه من تبدلات الزمن وأزماته.
بدأت الحكاية عام 1969 عندما دخل الحاج عالم سيارات الأجرة شريكاً في سيارة واحدة مع شخص آخر، قبل أن يشتري حصته بالكامل عام 1970 ويصبح مالكها الوحيد. ومنذ ذلك الحين، بقي خلف المقود، شاهداً على تحولات لبنان وتغير شوارعه وأجياله، فيما بقيت سيارته حاضرة في المشهد كأنها ترفض التقاعد مثله.
ويؤكد الحاج أن السيارة التي لا تزال تعمل حتى اليوم كانت دائماً موضع عناية خاصة منه، إذ تولّى بنفسه معظم أعمال صيانتها وإصلاحها على مر السنين. ويقول إنه يعرف كل تفصيل فيها، وقد أمضى سنوات طويلة وهو يعتني بها قطعة قطعة، ما سمح لها بمواصلة رحلتها رغم تقدمها في العمر.

ورغم تلقيه عرضاً لبيعها مقابل 50 ألف دولار، فإنه رفض التخلي عنها. ويبرر موقفه بالقول إن المال قد يضيع أو يُصرف مع الوقت، أما السيارة فبقيت إلى جانبه، محتفظة بقيمتها المعنوية وذكرياتها التي لا تُقدّر بثمن.
ويستعيد الحاج ذكريات العمل في لبنان خلال العقود الماضية، عندما كانت تعرفة سيارات الأجرة تُحتسب بأجزاء الليرة، وحين كانت المهنة تشكل مصدر رزق ثابتاً للكثير من العائلات. كما يتذكر سنوات عمله في شركة "مرسيدس"، محتفظاً بصور قديمة تعود إلى تلك المرحلة.

وعلى الرغم من بلوغه الخامسة والثمانين، لا يزال يتمتع بحيوية لافتة. أما نصيحته للشباب فتتلخص بالتمسك بالعمل والابتعاد عن القمار والمخدرات وكل ما قد يبدد مستقبلهم، مؤكداً أن النجاح يبدأ من الاجتهاد وتحمل المسؤولية.
وبين سيارة تجاوز عمرها نصف قرن وصاحب يرفض مفارقتها، تبدو الحكاية أكبر من مجرد مركبة وسائق. إنها قصة وفاء نادرة في زمن تتغير فيه الأشياء بسرعة، فيما لا يزال جوزيف الحاج متمسكاً بما يعتبره أثمن من المال: ذكريات عمر كامل محفوظة خلف مقود سيارة يقول عنها ببساطة... "متل بنتي".
نبض