الفاكهة - الجديدة: خلافات سياسية - بلدية والجيش شريك في التنمية انطلاقاً من عقارين
في بلدة الفاكهة - الجديدة في البقاع الشمالي، حديث مختلف هذه الأيام. ليس عن السياسة أو الحسابات الانتخابية كعادتها، بل عن أرض مهجورة منذ عقود، وإطار قانوني يحميها قبل أن يُفتح باب الاستثمار فيها.
هناك، في الجرد، حيث تنتهي الطرق المعبدة وتبدأ الصخور بالتكسر تحت الشمس، يقع العقاران 2893 و2894. مساحتهما تتجاوز 2,5 مليوني متر مربع، أي ما يعادل 2500 دونم من الصخر والبور.

كان العقاران في ما مضى مرفق رعي لمواشي للفاكهة - الجديدة، وكسارات لبعض المستفيدين من البلدة وعرسال، وكانت تُحوَّل إليهما مياه آسنة من مخيمات اللاجئين السوريين في عرسال سابقاً. لم يكن الأثر البيئي السلبي ناتجاً من طبيعة الأرض نفسها، بقدر ما ارتبط بالمقالع والكسارات التي تركت انعكاساتها على البيئة والمياه الجوفية. أما اليوم فلا يصل إليهما أحد، ولا يدرّان على البلدية أي منفعة.
تقف البلدة أمام تحول ديموغرافي وبيئي لافت. فقد كان عدد بيوتها لا يتجاوز الـ150، وباتت تضم اليوم نحو 1800 عائلة، فضلاً عن النازحين اللبنانيين بفعل ظروف الحرب الأخيرة. والنبع الذي كان يفيض بمياهه ساقياً البساتين، أضحى عاجزاً عن إرواء العطش المتزايد. طرق تحتاج إلى تأهيل، نفايات بلا معمل فرز، ومزارعون يبحثون عن آليات دعم لا يصل.
سعي بلديّ
يعرض رئيس البلدية محبوب عون لـ "النهار" حصيلة السعي البلدي للبحث عن مخرج إنمائي فعلي لأزمات البلدة، قائلاً: "لم نترك جهة إلا توجهنا إليها، ولا وزارة أو جمعية إلا حاولنا التواصل معها لجلب ما يحتاج إليه أهل البلدة، من طرق ومياه للمزارعين، وآليات من مجلس الإنماء والإعمار، وحلول للنفايات. وعملنا لإقامة معمل لفرز النفايات في البلدة، وبحثنا عن بئر ماء ثانية لأن المياه قليلة والحاجة تتسع".
ويضيف: "الضيعة كانت منذ زمن 150 منزلاً، والنبع يسقي كل البساتين، وقد صلنا إلى 1800 منزل من دون النازحين اللبنانيين والسوريين". كل المساعي، على كثرتها، لم تفضِ إلى مشروع يوازي حجم الحاجة.

حماية قانونية تسبق التنمية
لكن الأرض المطلوب تنميتها ليست عقاراً خاصاً يمكن التصرف فيه بإرادة فردية أو بلدية محضة. العقاران 2893 و2894 اللذان يبلغ مجموع مساحتهما أكثر من 2.5 مليوني متر مربع (2500 دونم)، يحملان وصفاً قانونياً دقيقاً: هما أرض صخرية مسجلة باسم بلدية الفاكهة - الجديدة، ويخضعان لقيد قانوني صارم ينص على "عدم التصرف أو إجراء أي حق عيني من إيجار أو بيع أو استثمار" إلا بموافقة مجلس الوزراء. هذا يعني أن أيّ خطوة تجاههما ترتفع فوراً إلى المستوى الحكومي حيث تخضع للتدقيق والمراقبة القانونية.
هذا القيد، بعيداً من أنه عائق، يشكل طوق نجاة قانونياً: القانون يمنع تحويل الأرض إلى سلعة عقارية تتداولها الأيدي الخاصة، ويضمن أن أيّ استخدام يمر عبر بوابة الدولة اللبنانية.
واقع دفع إلى توجيه العقارين لمصلحة الجيش اللبناني. فالمؤسسة العسكرية، بوصفها مؤسسة وطنية جامعة وموثوقاً بها، تُعدّ الشريك القانوني الوحيد القادر على استضافة مشروع إنمائي ضخم، وحمايته من التفريط والتمليك والتجاذبات المحلية.
واللافت أن هذا النموذج ليس في الفاكهة وحدها، بل هو سابقة وطنية مجربة في قرى حدودية مجاورة وفي الهرمل.
فبعد دراسة معمقة، اختار المجلس البلدي عقارين كبيرين "ليس لتقديم مركز للجيش"، بل لاستقطاب "إنماء كبير للضيعة، صديق للبيئة، بعيد عن الضرر، يستفيد منه الجميع"، مؤكداً أن العقارين "يقعان في الجرد على الحدود تماماً بيننا وبين عرسال"، وأن الفاكهة هي في الحقيقة "أربع قرى: الفاكهة، والزيتون، والمعلقة، والجديدة".
وفي سياق مشابه، يُعرَف أن دولة عربية شقيقة تستعد لإقامة محطة طاقة شمسية ضخمة تبلغ تكلفتها نحو 200 مليون دولار على دفعتين: "100 مليون لمنطقة أخرى و100 مليون لنا. الـ 100 مليون تنفذ مشروعاً نادراً في لبنان"، وفق عون، "ومن المؤكد أن الجيش هو من استطاع جلبه، لأن مثل هذه الأمور لا تأتي إلا لمؤسسة موثوق بها ومنزهة عن الفساد، ومن المستحيل أن يتم مشروع كهذا بين دولة خارجية وبلدية صغيرة مثل بلديتنا".
تفاصيل إنمائية وبيئية
المحطة التي ستقع على بعد أكثر من 2500 متر عن نبع البلدة، تصنّف مشروعاً صديقاً للبيئة. لن تؤثر على الحوض المائي، بل تحميه. ولن تكون مجرد لوحات شمسية على تلال صخرية، بل بوابة فرص عمل للأهالي، وتشكل دخلاً مستداماً للبلدية، ونقلة إنمائية لمنطقة بأكملها. المردود لن يقتصر على الفاكهة وحدها، بل سيمتد إلى جارتها عرسال، وكل بلديات وقرى القضاء في رسالة تضامن وتكامل بين ضيع تشاركت الحدود والمصير.

ما يضفي على المشروع بعداً رمزياً إضافياً، هو طبيعة البلدة الفريدة. فالفاكهة - الجديدة، بحسب الأرقام، هي البلدية الوحيدة في لبنان التي يتقاسم المسيحيون والمسلمون مقاعدها "نصفاً بنصف"، في انسجام نادر بات نموذجاً للعيش المشترك. ويلفت عون إلى هذا المعنى بوضوح: "هذا ما يقوي الضيعة المختلطة، ويرفعها أمام العالم، لأنه يعكس حقيقة المجتمع اللبناني، ويجسد التكامل والتضامن".
ويشدد على تفصيل جوهري يغيب عن كثيرين: "اتساع المساحة لا يغيّر في الأمر شيئاً، لأن المساحة التي ستستهلك ستذهب للمشروع فقط، وأما بقية المساحات غير المطلوبة فتبقى ملكاً لبلدية الفاكهة - الجديدة". والعقاران، رغم ضخامتهما، تحيط بهما عقارات لعائلات من كل المذاهب، ولوقف رعية مار جرجس، في مشهد يؤكد أن الأرض هنا ملك مشترك.
العقار 2174 و"القلوب الملآنة"
في سياق الحديث عن العقارات البلدية والدفاع عنها، يلفت أهالي البلدة إلى عقار الثانوية الرسمية الذي يحمل الرقم 2174. فبينما تُثار الضجة حول أرض صخرية مهجورة عند الحدود، يبقى هذا العقار الحيوي الواقع في قلب البلدة، عرضة لتعديات بالبناء لم يُحسم أمر إزالتها بعد. ويرى فاعلون بلديون أن هذا الصمت يكشف وجهاً آخر للمعركة: "لماذا يستيقظ الحرص فجأة على أرض لا يصلها أحد، ويغفو عن عقار يقع في وسط البلدة؟"
وفي قراءة أعمق، يبدو أن الضجة المفاجئة حول قرار اتخذه المجلس عام 2025 تجد أصولها في نتائج الانتخابات البلدية الأخيرة أكثر مما تجدها في الهواجس العقارية المجردة. فتاريخ البلدية يحمل تجربة استقالات سابقة نتيجة خلافات داخلية حادة.
ويرى عون أن ما يجري "ليس قصة رمانة" تتعلق بأرقام العقارات، بل هو "قلوب ملآنة" نتيجة الانتخابات الأخيرة ومحاولات محاصرة البلدية الحالية.
وفي هذا الصدد، يؤكد أن "أبواب البلدية مفتوحة بكل رحابة صدر لكل نقد بناء وإيجابي يصب في المصلحة العامة، بعيداً من التصريحات الموتورة والعنيفة التي ترسم صورة مناقضة للواقع. فالمطلوب حماية العيش المشترك الحقيقي القائم في البلدة، والذي يمثل صورة مصغرة وجميلة عن لبنان الواحد، لا الانجرار خلف لغة الانقسام".
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
الأمن العام اللبناني ينفي... ما علاقة "حزب الله" والحرس الثوري الإيراني؟
نبض