أول رئيسة للمقاصد لـ"النهار": نُسابق الزمن والجمعية قادرة على النهوض
انتخاب السيدة ديانا طبّارة أول رئيسةٍ لجمعيّة المقاصد الخيريّة الإسلاميّة في بيروت منذ تأسيسها قبل 148 عاماً، كان حدثاً غير مسبوق في تاريخ العاصمة، إذ تعدّ الخطوة رمزاً خاصاً في مجتمع بيروتي لطالما ارتبطت فيه المقاصد بدور الحاضنة التربوية والاجتماعية، والملاذ الآمن لأبناء العاصمة عموماً وأبناء الطائفة السنية خصوصاً.
يأتي هذا التحوّل فيما تواجه الجمعية، كسائر المؤسسات في لبنان، تحديات متراكمة نتيجة الأزمات المتلاحقة، من الانهيار الاقتصادي وصولاً إلى الحرب الحالية التي ألقت بثقلها حتى على القطاع التربوي، ولم تكن مدارس المقاصد في منأى عن الإقفال أو التحوّل إلى مراكز إيواء للنازحين.
في حديث خاص إلى "النهار"، تحرص طبّارة على عدم اختزال انتخابها بكونه "سابقة نسائية" فحسب، مؤكدةً أن "تولّي امرأة منصباً كهذا يشكّل مسؤولية كبيرة، وله رمزية لا يمكن التغاضي عنها، لكن الكفاية والثبات هما المعيار الأساسي للحكم". وترى أن وصولها إلى الرئاسة يعكس تقدّم الجمعية وانفتاحها من دون التخلي عن هويتها، مشدّدةً على أن هذا الانفتاح لا يعني التغيير بقدر ما يعكس تطوّراً طبيعياً يواكب تحوّل المجتمع اللبناني.
في ما يتعلّق بوضع الجمعية، تنفي وجود عجز مالي، مشيرةً إلى أن الإدارة السابقة عملت خلال السنوات الثماني الأخيرة على إعادة تثبيت أسس الجمعية. وتقول: "المقاصد اليوم في وضع جيد، والمرحلة الحالية تشكّل فرصة للبناء، خصوصاً مع دخول جيل جديد من 12 عضوا إلى مجلس الأمناء، بما يعزّز الرهان على ضخّ أفكار جديدة".
غير أن التحديات تبقى كبيرة في ظل واقع بلد غير مستقرّ، حيث يصعب وضع خططٍ طويلة الأمد. ومع ذلك، تؤكد طبّارة أنها تعتمد استراتيجية مزدوجة، قصيرة وطويلة المدى، بهدف إعادة المقاصد إلى عصرها الذهبي، وهو هدفٌ ترى أنه ليس بعيد المنال، مشيرةً إلى الدعم المعنوي الواسع الذي تلقّته من أعضاء الجمعية القدامى وأعضاء الشرف، ما يعكس ثقة داخلية بالمرحلة الجديدة.

"من المهد إلى اللحد"
تضم المقاصد شبكةً واسعة من المرافق، تشمل 6 مدارس في بيروت ونحو 15 مدرسة في القرى، وجامعة المقاصد في منطقة الباشورة ومعهداً مهنياً وتقنياً، إلى مستشفى المقاصد على طريق الجديدة و4 مستوصفات صحية في بيروت ومستوصفٍ في عكار، بالإضافة إلى مرافق اجتماعية وثقافية، منها مركز "ورد" لتطوير المرأة، وجوامع ومدافن. وهو ما تختصره طبّارة بالقول إن المقاصد "تهتم بالإنسان من المهد إلى اللحد".
ميدانيا، تبدو التحديات التربوية الأكثر إلحاحاً. فقد تحوّلت مرافق تابعة للمقاصد إلى مراكز لإيواء النازحين، أبرزها مدرستا أبي بكر الصديق في القنطاري وعلي بن أبي طالب في بشارة الخوري، إضافة إلى جامعة المقاصد في الباشورة. وتشير الأرقام إلى استضافة نحو 700 عائلة في كلية البنات، و350 في مدرسة أبي بكر، وأكثر من 500 في مدرسة علي بن أبي طالب.
هذا الواقع أدّى إلى تعطّل العملية التعليمية جزئياً، سواء للنازحين أو للتلاميذ الأصليين، في ظل اعتماد التعليم عن بُعد ومحاولات استكمال المناهج رغم الصعوبات. في موازاة ذلك، تطرح طبّارة ملامح أولية لخطة عملها، مركّزةً على ثلاثة محاور أساسية: التعليم، الصحة، والعمل الاجتماعي.
النهوض بالمجتمع
في قطاع التعليم، تشدّد ديانا طبّارة على ضرورة مواكبة التطوّر العالمي، لا سيما في مجال الذكاء الاصطناعي، لافتةً إلى أن "الذكاء الاصطناعي بات يسيطر على مختلف القطاعات، بما فيها التعليم، ونحن نسير في هذا الاتجاه. ولكن بطبيعة الحال، لا يُعدّ ذلك أمراً سهلاً في ظل الظروف الراهنة، ونشعر أحياناً كأننا نُسابق الزمن. ومع ذلك، يُواصل الفريق التربوي لدينا العمل الدؤوب والمستمر، لضمان مواكبة التقدّم واستكمال المنهج الدراسي".
أما في القطاع الصحي، فتشير إلى "نقلة نوعية" شهدها مستشفى المقاصد على صعيد البنى التحتية والتجهيزات، إضافة إلى تطوير المراكز الصحية. وعلى الصعيد الاجتماعي، تكشف عن توجّه جديد لتعزيز البعد الثقافي، عبر إنشاء مرافق ثقافية تسعى إلى استقطاب فئات أوسع من المجتمع.
أرض خصبة جاهزة للزرع
وتختم طبّارة بالقول: "تسلّمنا من الإدارة السابقة أرضاً خصبةً جاهزة للزرع. وأودّ تأكيد ما ذكره سماحة المفتي خلال جلسة الانتخابات: تعمل رئاسة الحكومة ودار الفتوى وجمعية المقاصد بتقارب من أجل النهوض بالمجتمع وتعزيز قدرات الإنسان، ولا سيما الفئات ذات الدخل المحدود. وأقول للنساء: واصِلنَ المسير. نحن نمضي جميعاً معاً، ولا يمكننا إلغاء الرجال، بل نسير إلى جانبهم".
نبض