عندما يتحوّل حقّ التعليم إلى همّ يومي... 147 ألف تلميذ يتعلمون عن بعد في لبنان
ما من أمرٍ أقسى من أن يتحوّل "حقّك" إلى "حلم" تتمنّى نيله. هناك، في المدارس التي كانت صفوفها غرفاً تعليمية تقود الأطفال نحو مستقبل واعد، لا تعلّم التلاميذ اليوم إلا درساً واحداً: كيف تتأقلم مع النزوح في لبنان؟
وبينما تحوّلت صناديق الكتب إلى خزائن ملابس، والسبّورات إلى جدران صامتة، لم يقتصر دمار الحرب على الحجر فقط، بل دمّر معه الأحلام أيضاً، بعدما بات بعض الأهالي يفكّرون جدياً بسحب أطفالهم من المدارس.
في مراكز الإيواء، تلامذة شبه معزولين عن الإنترنت، التي تشكّل خيط الأمل الوحيد لمتابعة تعليمهم. لا يملكون سوى شاشات صغيرة، معظمها مكسور، وكأنها تعكس صورة أحلامهم المتصدّعة.
تروي إحدى الأمهات عن ابنتها التي تحلم بأن تصبح مهندسة، وعن ابنها الذي يطمح ليكون ضابطاً في الجيش اللبناني، لكن الحرب سرقت منهما التركيز وأثقلت صحتهما النفسية.
الفجوة تتسع
في المقابل، لا يزال عدد من التلاميذ يتلقّى تعليمه حضورياً، ما يعمّق الفجوة بين أطفال لبنان. ووسط هذا الواقع، يوضّح مسؤول برنامج التعليم في "اليونيسف" في لبنان، عاطف رفيق، أن البلاد تعيش منذ سنوات سلسلة أزمات بدأت مع جائحة كورونا، مروراً بالأزمة الاقتصادية، وصولاً إلى الحرب، ما جعل التعليم الحضوري أكثر أهمية.
ويشير إلى أن نحو ألف مدرسة لا تزال تعمل، سواء حضورياً أو عبر الإنترنت، مع نحو 180 ألف تلميذ يتابعون تعليمهم حضورياً أو بنظام مدمج، مقابل نحو 147 ألف طفل يتعلّمون عن بُعد، بعدما تحوّلت مدارسهم إلى مراكز إيواء أو أُغلقت.
ولتأمين استمرارية التعليم، يشرح رفيق أن وزارة التربية "اعتمدت ثلاث استراتيجيات تدعمها اليونيسيف وهي: التعليم الإلكتروني عبر منصّتي "مايكروسوفت تيمز" و"مدرستي"، إضافة إلى اعتماد حلول منخفضة التقنية مثل خط "اتصل وتعلّم" بالشراكة مع Teach for Lebanon، إلى جلانب توزيع مواد مطبوعة في المناطق الأكثر تضرراً. كما تمكّن نحو 40 ألف معلّم من استخدام "مايكروسوفت تيمز"، مع تزويد الطلاب بحسابات خاصة، ما أتاح تفاعلاً تعليمياً عن بُعد".
ماذا عن الطلاب الآخرين؟
إلا أن القلق الأكبر يبقى على الأطفال الذين لا يستطيعون الوصول إلى الإنترنت أو إلى معلّم، خصوصاً في مراكز الإيواء. من هنا، يقول رفيق إنه "يجري التركيز على الدعم النفسي والأنشطة الترفيهية، تمهيداً لإدماج هؤلاء التلامذة تدريجياً في التعليم، مع خطط لتخصيص مساحات تعليمية داخل مراكز الإيواء".
ومع اقتراب نهاية العام الدراسي، يلفت إلى أن وزارة التربية "تسعى إلى تأمين الحد الأدنى من التعليم، خصوصاً لتلامذة الشهادات الرسمية. لكن التحدي الأبرز هو الفاقد التعليمي، إذ تشير التقديرات إلى أن نحو نصف الطلاب دون المستوى المطلوب، خاصة في مهارات القراءة والحساب، ما يستدعي خطة وطنية لتعويض هذا التراجع، في وقت تتزايد فيه مخاطر التسرّب المدرسي وعمالة الأطفال والزواج المبكر".
وبين الشاشات الصغيرة في مراكز الإيواء، والدرس المتقطّع، لم يعد التعليم حقاً بديهياً، بل همّاً يومياً يعيشه جيل كامل تحت وطأة ظرف كارثي. فإلى متى سيستمرّ الأطفال في دفع الأثمان؟
نبض