لبنان يدخل إلى المفاوضات من بوابة الشرعية

لبنان 17-04-2026 | 19:16

لبنان يدخل إلى المفاوضات من بوابة الشرعية

الملفات العالقة كثيرة ومعقّدة، من الحدود إلى الأمن إلى الذاكرة الثقيلة للصراع، إلا أن الأهمّ أن الباب قد فُتح
لبنان يدخل إلى المفاوضات من بوابة الشرعية
الجيش اللبناني في محيط السراي الحكومي
Smaller Bigger

بعد سنوات طويلة من الحروب المفتوحة التي خيضت من أرض لبنان وعلى أرضه وما تلاها من اتفاقات وقرارات وترتيبات موقتة، كانت تؤجّل الصراع ولا تعالج أسبابه، جاءت مذكرة تفاهم وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل لتشكّل أكثر من مجرّد ترتيب عابر. فالنص، بما يتضمنه من مفردات ومبادئ والتزامات، يوحي بوضوح بأن مرحلة جديدة قد بدأت، وأن لبنان دخل للمرّة الأولى منذ عقود، من خلال "الشرعية" ومؤسساته الرسمية، مسارا تفاوضيا هدفه النهائي سلام دائم لا مجرّد إدارة صراع.

 

المذكرة لا تتحدث فقط عن وقف الأعمال العدائية، بل تنطلق من هدف أوسع بكثير، هو تهيئة الظروف المؤاتية لسلام دائم بين لبنان وإسرائيل، والاعتراف الكامل بسيادة كل من البلدين وسلامتهما الإقليمية، وإرساء أمن حقيقي. هذه العبارة وحدها كافية لتؤكد أن ما يجري يتجاوز منطق الجولات العسكرية المتكرّرة، نحو محاولة بناء إطار سياسي جديد للعلاقة بين الطرفين.

 

في نص الاتفاق الحالي، أُعيد تثبيت مبدأ أن الدولة اللبنانية هي المرجعية الوحيدة في لبنان، وأن أي مسار مستقبلي يمرّ عبر المؤسسات الشرعية لا عبر القوى الموازية أو التنظيمات غير الشرعية. فأحد البنود يقرّ بأن لبنان يواجه تحدّيات كبيرة من الجماعات المسلّحة غير التابعة للدولة، والتي تقوّض سيادته وتهدد استقراره. وهذا إقرار سياسي ودولي بأن أزمة لبنان العميقة سببها واقع السلاح غير الشرعي الذي صادر القرار الوطني لعقود من الزمن.  

 

والأهمّ أن النص يحدد مرّة جديدة، كما أتى في مقدمة اتفاق وقف الأعمال العدائية بين لبنان وإسرائيل الذي وُقّع في تشرين الثاني ٢٠٢٤، أن القوى الوحيدة المولجة حمل السلاح في لبنان هي القوّات المسلّحة اللبنانية. فقيام دولة طبيعية يبدأ عندما تصبح هذه القوى وحدها مسؤولة عن الأمن والدفاع، بإنهاء تعدد مراكز القرار العسكريّ، أي إنهاء "حزب الله" الأمني والعسكري بعدما حظرت الحكومة نشاطه على هذا المستوى.

 

وفي بند بالغ الدلالة، تؤكد المذكرة أن لبنان وإسرائيل يلتزمان دخول مفاوضات مباشرة وحسنة النيّة للتوصل إلى اتفاق شامل يكفل الأمن والاستقرار والسلام الدائمين. هذه الصياغة تعني أن لبنان انتقل إلى مرحلة التفاوض السياسي المباشر، وأن هدف التفاوض ليس إجراءً تقنياً محدوداً، بل تسوية شاملة لإنهاء الحروب المستمرة.

 

هذا التطوّر يضع لبنان أمام فرصة تاريخية. فمنذ الاستقلال، دفع اللبنانيون أثمان صراعات أكبر من بلدهم، وتحوّل الجنوب مراراً إلى ساحة حرب إقليمية. أما اليوم، فثمة مجال ليصبح لبنان دولة صاحبة قرار، تفاوض باسم مصالحها الوطنية العليا لحماية الأرض، وتثبيت الحدود، وضمان الأمن، واستعادة الاستقرار، وفتح الباب أمام نهوض اقتصادي طال انتظاره.

 

كذلك، فإن التأكيد أن القوّات المسلّحة اللبنانية هي صاحبة المسؤولية الحصرية عن سيادة لبنان والدفاع الوطني، ولا يحق لأي دولة أخرى أو جماعة أخرى أو تنظيم آخر الادعاء بأنها الضامن لسيادة لبنان، ينسف عملياً كل النظريات التي برّرت السلاح غير الشرعي الذي سقط اليوم سقوطا مدويا. فالسيادة لا تُستورد ولا تُفوّض، بل تُمارَس عبر الدولة ومؤسساتها الشرعية وحدها.

 

صحيح أن الطريق أمام الدولة اللبنانية لن يكون سهلاً، وأن الملفات العالقة كثيرة ومعقّدة، من الحدود إلى الأمن إلى الذاكرة الثقيلة للصراع، إلا أن الأهمّ أن الباب قد فُتح. والانطلاقة دائماً هي الأصعب، مع اعتراف بأن الدولة هي المرجعية، والانتقال مطلوب من الحرب إلى التفاوض، فلبنان اليوم أمام فرصة جدّية لكي يستبدل منطق الجبهات بمنطق الدولة. من هنا أمام الدولة اللبنانية مسؤوليات تنفيذية كبيرة تواكب مسار المفاوضات، تبدأ باستكمال سحب السلاح غير الشرعي ولا تنتهي بضبط الأمن داخل العاصمة بيروت وكل لبنان.

 

مذكرة وقف النار هذه ليست نهاية الطريق، بل بدايته. إنها إعلان دخول لبنان، عبر الشرعية، إلى زمن جديد. زمن التفاوض والمؤسسات بدل الميليشيا والفوضى، والسلام بدل الحرب الدائمة.



العلامات الدالة

الأكثر قراءة

اقتصاد وأعمال 4/15/2026 2:20:00 PM
تمثّل الاستراتيجية الجديدة "تحوّلًا من مرحلة النمو والتوسع إلى مرحلة تعظيم الأثر الاقتصادي ورفع كفاءة الاستثمارات".
الخليج العربي 4/15/2026 10:00:00 PM
شددت على ضرورة "التزام حكومة جمهورية العراق بوقف ومنع كل الأعمال العدائية الصادرة من أراضيها"...
المشرق-العربي 4/16/2026 10:53:00 AM
تم خلال العملية ضبط ومصادرة أسلحة حربية وذخائر وجعب عسكرية كانت بحوزة أفراد الخلية
شمال إفريقيا 4/16/2026 10:47:00 AM
تصاعد الدور المصري في مفاوضات إيران يطرح احتمال تحوّل القاهرة من وسيط تقليدي إلى شريك فعلي في صياغة التسوية.