عودة إسرائيل إلى "الحزام الأمني"... ماذا عن نقاط القوة ومكامن الضعف؟
عشية جلسة التفاوض المباشر بين لبنان وإسرائيل في واشنطن، وغداة دخول القوات الإسرائيلية عمق بنت جبيل، خرج رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ليعلن رسمياً للمرة الأولى أن تل أبيب بدأت عملانياً إقامة "حزام أمني" على طول الحدود مع لبنان يقدّر بما بين 8 و10 كيلومترات، كاشفاً أن القصد من وراء هذا الفعل "منع تهديدات الصواريخ المضادة للدروع والحيلولة دون التسلل البري (إلى العمق الإسرائيلي)".
مصطلح "الحزام الأمني" ليس جديداً على القاموس السياسي والعسكري الإسرائيلي، ويعود إلى سبعينيات القرن الماضي، وقد بدأت إسرائيل باعتماده بعد سنوات قليلة من دخول العمل الفلسطيني المنطقة الحدودية في نهاية الستينيات، وشروعه في عمليات اقتحام متنوعة للأراضي المحتلة عبر طرق متنوعة أو من خلال القصف بالصواريخ والمدفعية لاحقاً.

قبل أن تستولد إسرائيل تعبير الحزام الأمني وتبدأ بتنفيذه، كانت تكتفي بتوغلات محدودة إلى بعض القرى الحدودية، وخصوصا في كفرشوبا في العرقوب وكفركلا في القطاع الأوسط، وقد دمّرت الأولى كلياً عام 1974 وارتكبت في الثانية مجزرة ذهب ضحيتها عدد من أبناء البلدة.
ووفق الباحث في الشؤون الإسرائيلية صقر أبو فخر فإن إسرائيل سعت منذ عام 1969 حتى النصف الثاني من السبعينيات إلى ترهيب أهالي البلدات الحدودية عبر إلحاق الأذى بهم وبأرزاقهم ومصادر عيشهم، في رسالة فحواها أنه في مقابل كل عملية تنفذها المقاومة الفلسطينية عبر الحدود، ثمة رد فعل موجع من جانبها.
هي إذا بحسب أبو فخر، المقدمات التي لم تجد لها الصدى المطلوب عند أبناء الجنوب، فلجأت إسرائيل بعدها إلى اعتماد نظرية "الحزام الأمني" الذي لم يكن أساساً في القاموس الأمني الإسرائيلي.
المرة الأولى توغلت الدبابات الإسرائيلية في العمق اللبناني كانت صيف عام 1972، وكان وفق أبو فخر أول عمل ينطبق عليه مواصفات الاجتياح البري الذي سيتكرر لاحقا ويتسع في اجتياح عام 1978، وقد كان نقطة التحول في المسار الأمني على الحدود، إذ وصلت إسرائيل يومها إلى مشارف مدينة صور ثم تراجعت، لكنها كرست منذ ذلك الحين "الحزام الأمني" عبر احتلالها شريطاً ضيقاً كان من ضمنه بنت جبيل والخيام التي دمرت كلياً بعد مجزرة ارتكبت بحق المتبقين فيها.
ومن البديهي أن الحزام الأمني اتخذ بعد اجتياح 1982 شكلا آخر ووظيفة مختلفة لا تستهدف إبعاد الخطر على الأمن الإسرائيلي، لكنها اتسعت وتعمقت لاحقا ولا سيما بعدما شملت ليس الجنوب وحده بل الجولان وجنوب سوريا وغزة وقطاعها، وصارت جزءاً من استراتيجية إسرائيلية مختلفة يراد منها ضمان حماية دائمة لإسرائيل عبر إبعاد الأخطار عند حدودها ونقل الاضطراب إلى المناطق المحيطة بها.
ويقول الخبير الإستراتيجي العميد المتقاعد بسام ياسين إن الحزام الأمني في العقيدة العسكرية الإسرائيلية "وسيلة دفاع هجومية تهدف إلى ضمان الحماية لها عبر نقل خط الدفاع عنها إلى خارج حدودها، وهي نجحت جزئياً على المدى القصير لكنها أخفقت في تجربة لبنان على المدى الطويل، وتحول الأمر اليوم إلى مفهوم أكثر مرونة يعتمد التكنولوجيا بدل الاحتلال المباشر".
ويضيف: "الهدف الأساسي لهذا الحزام إبعاد التهديد عن الداخل الإسرائيلي قدر الإمكان، وهو يرتكز على عقيدة عسكرية تتقصد نقل المعركة إلى أرض الخصم والحرب الاستباقية وتعويض صغر المساحة، لذا ظهر الحزام الأمني حلاً عملياً يقوم على إيجاد عمق دفاعي داخل أرض العدو بدل انتظاره على الحدود".
ويستطرد ياسين: "إسرائيل اعتمدت الحزام الأمني في شكل أساسي وثابت في الفترة الممتدة بين عامي 1985 و2000، وحقق لها مكاسب، لكنه تحول إلى ساحة استنزاف طويلة لها فاضطرت إلى الانسحاب عام 2000".
وهل ما زال لهذا المصطلح قيمته عند الإسرائيلي بعد التجربة الطويلة والمكلفة؟ يجيب ياسين: "نعم، ولكن بأشكال مختلفة عبر مناطق عازلة في غزة والجنوب والجولان وحزام أمني ناري بدلا من احتلال الأرض، إضافة إلى الجدران الذكية والعمق الدفاعي التكنولوجي، ولهذا الأسلوب نقاط قوة للإسرائيلي، إذ يبعد الخطر عن الداخل ويمنح وقت إنذار مبكر، أما نقاط الضعف فتتأتى من أنه مكلف بشرياً ويؤدي إلى مقاومة محلية، مما يفضي إلى تحوله عبئاً استراتيجياً".
نبض