هل يدخل لبنان نادي المحكمة الجنائية؟ وماذا عن الكلفة؟
لم تعد الدعوات إلى مساءلة الانتهاكات الإسرائيلية في لبنان مجرّد صرخة حقوقية معزولة، بل تحوّلت في الأسابيع الأخيرة إلى ضغط منظّم تقوده عشرات المنظمات، في محاولة لدفع الدولة نحو خطوة غير مسبوقة: الاعتراف باختصاص المحكمة الجنائية الدولية في شأن الجرائم المرتكبة على الأراضي اللبنانية منذ 8 تشرين الأول 2023. خطوة تبدو في ظاهرها دفاعاً عن الضحايا، لكنها في العمق قرار سيادي بالغ الحساسية، يفتح الباب على مسار قضائي لا يمكن ضبط اتجاهاته بسهولة.
لطالما بقي هذا الخيار مؤجّلاً في لبنان، لا بسبب غياب الانتهاكات أو ضعف الحجج القانونية، بل نتيجة توازنات داخلية دقيقة. فلبنان لم ينضم إلى نظام روما المؤسس للمحكمة، ما يعني أن أي اختصاص لها يتطلب انضماماً رسمياً أو إعلاناً استثنائياً بقبول ولايتها. في محطات سابقة، سقط هذا الطرح سريعاً، وسط رفض واضح من "حزب الله" الذي نظر إلى المحكمة بعين الريبة، انطلاقاً من تجربة لبنانية لا تزال حاضرة في الذاكرة السياسية مع المحكمة الخاصة بلبنان، التي أنشئت عقب اغتيال الرئيس رفيق الحريري وما رافقه من انقسام داخلي حاد واتهامات بالتسييس.
بحسب الخبير القانوني يوسف بو توما فإن الخلفية الأساسية لهذا الرفض لم تكن قانونية بقدر ما كانت سياسية - أمنية. فالمحكمة الجنائية الدولية لا تعمل بمنطق "اتهام طرف واحد"، بل تفتح تحقيقاتها على كل الجهات المعنية بالنزاع. وفي الحالة اللبنانية، لا يقتصر الأمر على الانتهاكات الإسرائيلية، بل قد يمتد إلى أفعال أطراف غير دول، في حال ثبوت مخالفات لقوانين الحرب، من إطلاق صواريخ عشوائية إلى استخدام مناطق مدنية لأغراض عسكرية. هذا الاحتمال تحديدا، شكّل لسنوات عامل ردع داخلي حال دون السير بخيار لاهاي".
ويلاحظ أن "المشهد اليوم يبدو مختلفاً. فالحرب الدائرة منذ خريف 2023 تجاوزت قواعد الاشتباك التقليدية، واتسعت رقعة الاستهداف لتطال عمق الأراضي اللبنانية، واستهداف الصحافيين والعاملين في الشأن الإسعافي والصحي، ما أعاد طرح مسألة "الجرائم العابرة للحدود" بجدية أكبر.
في موازاة ذلك، يشهد النظام الدولي تحوّلاً نسبياً في مقاربة المساءلة، مع تصاعد دور المحكمة الجنائية الدولية في ملفات حساسة، الأمر الذي شجّع منظمات المجتمع المدني على محاولة إدخال لبنان في هذا المسار، مستفيدة من لحظة دولية أكثر تقبّلاً لفكرة المحاسبة".
ويتابع: "لا يمكن فصل هذا الضغط عن واقع لبناني مأزوم، حيث تتراجع فاعلية الأدوات التقليدية للدولة، سواء على المستوى العسكري أو الديبلوماسي. في ظل هذا العجز، يبدو اللجوء إلى القضاء الدولي أحد الخيارات القليلة المتاحة، ليس بالضرورة لتحقيق العدالة الكاملة، بل على الأقل لتثبيت رواية قانونية رسمية، وتوثيق الانتهاكات ضمن إطار معترف به دولياً".
ويختم: "المكاسب المحتملة لا تلغي حجم المخاطر. ففتح باب الاختصاص أمام المحكمة يعني عملياً إدخال لبنان في مسار قضائي قد يطال مختلف الأطراف، من دون القدرة على التحكم في نطاق التحقيق أو اتجاهاته. كما أن التجارب السابقة أظهرت أن العدالة الدولية لا تنفصل عن توازنات القوى، ما يثير مخاوف من استخدام هذا المسار ورقة ضغط سياسية، أكثر منه أداة إنصاف متكاملة".
في المحصلة، لا يبدو أن السؤال المطروح اليوم قانوني بحت، بل سياسي بامتياز: هل يملك لبنان القدرة على تحمّل تبعات تدويل ملفه القضائي؟ بين الحاجة إلى العدالة وخشية تسييسها، يقف القرار عند تقاطع حساس، وقد تتحوّل خطوة نحو المساءلة إلى فتح "صندوق أسود" من الاتهامات يصعب إقفاله لاحقاً.
نبض