القليعة بين القصف الإسرائيلي والتهجير… الجيش اللبناني ضمانة البقاء
بين القصف الإسرائيلي الذي يطرق أبواب البلدات الحدودية في جنوب لبنان وشبح التهجير الذي يهدد بتفريغها من أهلها، يتمسك أهالي بلدة القليعة بأرضهم كخيار وجودي لا مجرد موقف عابر. فالبلدة الجنوبية التي عاشت على تماس دائم مع الحروب تجد نفسها اليوم أمام اختبار جديد: الصمود في وجه الخوف ومنع النزوح من التحول إلى واقع دائم.
وفي قلب هذا المشهد، يبرز حضور الجيش اللبناني كضمانة أساسية لبقاء الأهالي في أرضهم، ليس فقط كقوة أمنية، بل كرمز لحضور الدولة وعامل طمأنينة يمنع سقوط البلدة في فراغ قد يدفع المزيد من سكانها إلى الرحيل.
لم تكن بلدة القليعة في قضاء مرجعيون بعيدة يوماً عن تداعيات الحروب التي تضرب جنوب لبنان، إلا أن التطورات الأخيرة وضعتها مجدداً في قلب القلق الأمني. فالقصف الإسرائيلي المتكرر على البلدات الحدودية دفع عدداً قليلاً من العائلات إلى مغادرة منازلها قسراً.
الطرقات التي كانت تعجّ بالحياة اليومية بدت أكثر هدوءاً، وأقفلت بعض المؤسسات والمحلات أبوابها. ومع ذلك، يؤكد أبناء البلدة أن النزوح الخفيف يبقى إجراءً اضطرارياً فرضته الظروف الأمنية، وأن القليعة لن تتحول إلى بلدة مهجورة مهما اشتدت الضغوط.
صدمة استشهاد الكاهن
زاد من وقع الأزمة استشهاد كاهن رعية مار جرجس – القليعة الخوري بيار ميلاد الراعي نتيجة اعتداء إسرائيلي على البلدة، في حادثة هزّت المجتمع المحلي وأثارت موجة حزن واسعة بين الأهالي. فالخوري الراعي لم يكن مجرد رجل دين، بل شخصية جامعة لعبت دوراً روحياً واجتماعياً في حياة البلدة، وكان حضوره جزءاً أساسياً من يوميات أبنائها.
وفي سياق مواكبة هذه المأساة، زار قائد الجيش العماد رودولف هيكل بلدة القليعة – مرجعيون، حيث قدّم التعازي باستشهاد الكاهن، في خطوة حملت دلالات تضامن مع أبناء البلدة في هذه المرحلة الحساسة.
وفي موازاة ذلك، تفقد السفير البابوي في لبنان المونسنيور باولو بورجيا البلدات المسيحية في الجنوب، وكانت محطته الأولى في بلدة القليعة، رافقه رئيس رابطة "كاريتاس لبنان" الأب سمير غاوي، في زيارة هدفت إلى دعم الأهالي والاطلاع على حاجاتهم في ظل الأوضاع الصعبة التي تعيشها المنطقة.
وقال بورجيا من القليعة إن وجوده في الجنوب يشكّل "علامة دعم وتضامن مع سكان هذه البلدة"، داعياً إلى التعاون والوحدة بين أبناء المنطقة لمواجهة التحديات الراهنة. كما أكد أنه سيعمل على متابعة تأمين المساعدات اللازمة والمساهمة في الحفاظ على الاستقرار في المنطقة.

الجيش… ضمانة البقاء
في خضم هذا المشهد، يبرز دور الجيش اللبناني كعنصر أساسي في تثبيت الاستقرار داخل البلدة. فوجود الجيش لا يقتصر على البعد الأمني، بل يشكّل بالنسبة إلى الأهالي رسالة طمأنة بأن الدولة ما زالت حاضرة إلى جانبهم في لحظة شديدة الحساسية.
ويؤكد أبناء القليعة أن بقاء الجيش في البلدة ضرورة ملحّة في هذه المرحلة، ليس فقط لضبط الأمن، بل أيضاً لمنع أي فراغ قد يدفع مزيداً من السكان إلى المغادرة. فوجود المؤسسة العسكرية يساهم في الحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار ويعزز شعور الأهالي بأن بلداتهم لن تُترك لمصيرها.
معركة الصمود في الجنوب
بالنسبة إلى كثيرين من أبناء القليعة، لا تُقاس المعركة اليوم فقط بميزان النار على الحدود، بل أيضاً بقدرة البلدات الجنوبية على الصمود وعدم التفريغ السكاني. فالحفاظ على وجود الأهالي في أرضهم يشكّل بحد ذاته رسالة تمسك بالحياة في منطقة لطالما كانت على تماس مباشر مع التوترات الإقليمية.
وفي هذا السياق، يرى أبناء البلدة أن استمرار انتشار الجيش اللبناني في القليعة ومحيطها يشكّل عاملاً حاسماً في دعم هذا الصمود، وفي إبقاء الأمل قائماً بأن تعود الحياة الطبيعية إلى البلدة.
نبض