كورنيش صور أكبر مركز إيواء في جنوب لبنان... عائلات حملت تاريخها وحاضرها في حقائب
مدينة تشبه القرية. عشرات السيارات فقط تقف وتتجوّل في طرقها الرئيسية المطلة بمعظمها على البحر، فيما يفتح عدد قليل من المحال أبوابه في الأسواق. إنها مدينة صور بعد سبعة أيام على اندلاع الحرب. وكما في الحرب الماضية التي استمرت 66 يوماً، لم تتوقف دورة الحياة في صور بالكامل، بل استمرت، ولكن بوتيرة مختلفة عن المعتاد.
الأحاديث في المقاهي القليلة المفتوحة تدور غالباً حول الأخبار والتطورات السياسية والعسكرية، ولا يمكن أن تعبر شارعا في الحارة القديمة (حارة الجلاجيق) التي لم تخلُ من الناس، دون أن تسمع تنبؤا ما أو تكهنا بمصير الحرب، تتوقف أو تطول...
على كورنيش صور، عائلات افترشت المقاعد أو جلست على الحافة المطلة على البحر. بعضها من أبناء المدينة الذين اختاروا البقاء، وبعضها الآخر نازحون وصلوا من قرى الجنوب القريبة. يحملون في حقائب صغيرة تاريخهم وحاضرهم مع ما تيسر من حاجاتهم، ويقضون ساعات طويلة في الهواء الطلق هرباً من ضيق مراكز الإيواء وانتظاراً لما ستؤول إليه الأيام المقبلة من فرج يرجونه.
"نزحنا من صور إلى صور، من مطرح خطر في صور، إلى مطرح لازم يكون أمان هو البحر، معقول إسرائيل تقصف البحر؟ بس حتى لو قصفت البحر مستحيل يؤذينا". هذا ما يقوله النازح الثلاثيني حسن درويش إلى منطقة الخراب المتاخمة لحارات صور القديمة والواقعة على كتف البحر. مشهد النازحين على هذا الكورنيش، يشبه إلى حد بعيد ما يشهده كورنيش بيروت البحري، وكأن البحر في كل لبنان مكان يلوذ به الناس في نزوحهم أيام الحرب أكثر من أيام السلم.
وإلى جانب البحر، أُنشئت مراكز إيواء داخل مدينة صور لمن لا يرغب في مغادرتها. تستقبل هذه المراكز عشرات العائلات النازحة، ويديرها في الكثير من الأحيان النازحون أنفسهم، سعيا إلى تحقيق قدر من الاكتفاء الذاتي في تأمين الطعام، فيطبخون ويغسلون الثياب ويتقاسمون معظم الحاجات اليومية جماعيا.
هذه الكثافة السكانية (بالنسبة إلى حالة حرب بلا قيود كالتي تشنها إسرائيل) تلفت إلى أن ضربة إسرائيلية مفاجئة للمدينة ستخلف مجزرة في حق المدنيين العازمين على البقاء، على الرغم من إدراكهم خطورة الوضع.
أحمد حمدان صاحب أحد الدكاكين في الحارة القديمة يقول في حديثه إلى "النهار" التي عاينت صور ميدانياً يوم أمس الأحد: "أمان؟ ما في أمان بكل لبنان. قصفوا الروشة حد بحر بيروت، ما بدهم يقصفوا الحارة حد بحر الجنوب؟" ويضيف: "أنا مش فاتح لأقبر الفقر، أنا فاتح لحاول بيّن إنه في حد أدنى من الحياة بصور، عالقليلة لازم يضل في صيدلية ودكانة وملحمة وفرن فاتحين".
ورغم هذا القلق الدائم، تبدو صور مدينة تحاول أن تتمسك بإيقاع يومي تريده ثابتا قدر الإمكان. المدينة كلها تعيش حالة انتظار ثقيلة تحت مسيّرات لا تفارق سماءها. انتظار لما ستأتي به الأيام المقبلة: تصعيد وقصف، أو ربما في أحسن الحالات استمرار لـ"ستاتيكو" عاشته في أول أسبوع: غارات محدودة مقارنة ببقية القرى.
نبض