جسد طفلة ومسؤوليات زوجة: هل تملك القاصرات السوريات حق الاختيار؟

تحقيقات 09-10-2026 | 06:17

جسد طفلة ومسؤوليات زوجة: هل تملك القاصرات السوريات حق الاختيار؟

الأسباب "مزيج متداخل يجمع بين العامل الاقتصادي المتردي، والنزوح والهجرة والوضع الأمني، إضافة للعادات والتقاليد الموروثة".
جسد طفلة ومسؤوليات زوجة: هل تملك القاصرات السوريات حق الاختيار؟
صورة تعبيرية. (تصميم النهار)
Smaller Bigger

دمشق - مروة البرغش


في الرابعة عشرة، كانت ريم تعرف عن الزواج ما تسمح لها طفولتها بأن تعرف. كانت تعرف الفستان الأبيض، وتعرف أن الفتيات في محيطها يتزوجن،

 

 

وتحمل في ذهنها الصور التي رسمتها العادات والتقاليد عن الزواج. لكنها لم تكن تعرف ماذا يعني أن تصبح زوجة!

 

لم تكن تعرف معنى المسؤولية الزوجية، ولا الأمومة، ولا كيف يمكن لطفلة أن تنتقل فجأة من عالم الطفولة إلى حياة الكبار.

 

دخلت ريم الزواج وهي في الرابعة عشرة. ثم أصبحت أمّاً، فيما كانت هي نفسها، بحسب وصفها، لا تزال طفلة تحاول أن تكبر إلى جانب أطفالها.
تقول إن الفتاة التي تتزوج وهي طفلة تظل تبحث عن طفولتها التي لم تعشها.

 

ومع مرور السنوات، وجدت نفسها أمام مسؤوليات الزوج والأطفال، من دون أن تمتلك الوقت الكافي لتكوين شخصيتها وفهم احتياجاتها وأحلامها. ثم توفي زوجها وهي شابة، فأصبحت مسؤولة عن أطفالها. لكنّ حلماً قديماً بقي معها: الإعلام.

 

أحيته، وبدأت تعمل في المجال الإعلامي، محاولة أن تحقق جزءاً من الحلم الذي رافقها منذ طفولتها. تقول إن الوصول إلى هذا الحلم كان فرحاً ممزوجاً بغصّة؛ فهي كانت تتمنى لو استطاعت تحقيقه من دون أن تحمل في سن صغيرة أعباء الزواج والأمومة والمسؤولية.

 

بالنسبة إلى ريم، لم يكن الزواج المبكر حدثاً انتهى يوم الزفاف، بل كان بداية سلسلة طويلة من المسؤوليات التي سبقت نضجها. ولهذا تحذّر الأسر من تزويج بناتها وهن أطفال، معتبرة أن الضرر لا يقع على الفتاة وحدها، بل يمكن أن يمتد إلى الأطفال الذين ستربيهم وإلى الجيل التالي.

 

 

ريم خلال حديثها الى النهار (مروة البرغش)
ريم خلال حديثها الى النهار (مروة البرغش)

 

 

قصة ريم تفتح ملف الزواج المبكر في سوريا: لماذا يحدث؟ ماذا يقول القانون؟ وماذا يبقى للفتاة عندما ينتهي الزواج؟

 

الظاهرة بالأرقام: ماذا نعرف فعلاً؟

يصعب اختزال زواج الأطفال برقم واحد، خصوصاً في سياق الحرب والنزوح، بحيث تختلف البيانات بحسب البلد والمنطقة والعينة وطريقة تسجيل الزواج.

 

وتشير بيانات أوردتها اليونيسف عن الزيجات المسجلة بين السوريات في الأردن إلى ارتفاع نسبة الزيجات التي كانت العروس فيها دون الثامنة عشرة من نحو 12% عام 2011 إلى 18.4% عام 2012، و25% عام 2013، و31.7% في الربع الأول من عام 2014. وهذه الأرقام لا تمثل معدل زواج القاصرات داخل سوريا، بل تتعلق بالسوريات اللاجئات في الأردن والزيجات المسجلة هناك.

 

وتكمن أهمية هذه البيانات في أنها توثق تغيراً في نمط الزواج بين اللاجئات السوريات في بلد اللجوء خلال السنوات الأولى من الحرب، لكنها لا تسمح وحدها بتقدير حجم الظاهرة على مستوى جميع السوريات داخل سوريا.

 

وفي لبنان، قدمت دراسة مسحية أجراها صندوق الأمم المتحدة للسكان والجامعة الأميركية في بيروت وجمعية Sawa for Development and Aid صورةً أخرى عن الظاهرة. شملت الدراسة نحو 2,400 فتاة وامرأة لاجئة سورية في ثلاث مناطق من البقاع الغربي، هي بر الياس والمرج وقب الياس، خلال آب/أغسطس وأيلول/سبتمبر 2016.

 

(تصميم النهار)
(تصميم النهار)


ووجدت الدراسة أن نحو 24% من الفتيات بين 15 و17 عاماً كن متزوجات، بينما تزوجت قرابة 35% من النساء اللواتي راوحت أعمارهن بين 20 و24 عاماً قبل بلوغهن الثامنة عشرة.

 

كما أظهرت الدراسة انخفاضاً حاداً في الالتحاق بالتعليم مع تقدم الفتيات في العمر؛ إذ تجاوزت نسبة الملتحقات بالمدرسة 70% بين الفتيات في سن التاسعة، لكنها انخفضت إلى أقل من 17% عند سن السادسة عشرة من ضمن العينة المدروسة.

 

لكن هذه الأرقام، شأنها شأن بيانات الأردن، تخص لاجئات سوريات في دول اللجوء وعينات محددة، ولا يمكن تعميمها على جميع الفتيات السوريات داخل سوريا.

 

وهنا تكمن أهمية قراءة الأرقام بحذر: من شملتهم؟ أين كانوا؟ متى جُمعت البيانات؟ وهل نتحدث عن زواج مسجل أم عن زواج غير موثق؟

 

فالزواج غير المسجل قد لا يظهر أصلاً في السجلات الرسمية، ما يعني أن بعض الحالات يمكن أن تبقى خارج الأرقام.

 

لماذا تُزوَّج الفتاة مبكراً؟

 

الحرب والفقر والنزوح... أسباب تتداخل

ترى المحامية السورية الدكتورة زينب صلاح الدين الدرويش أن الزواج المبكر لا يمكن تفسيره بسبب واحد. وتصف أسبابه بأنه "مزيج متداخل يجمع بين العامل الاقتصادي المتردي، والنزوح والهجرة والوضع الأمني، إضافة للعادات والتقاليد الموروثة".

 

في بعض الأسر، قد يُنظر إلى تزويج الفتاة باعتباره تخفيفاً للأعباء الاقتصادية اليومية، بما فيها الطعام والتعليم وغيرها من النفقات. وفي بيئات النزوح والمخيمات، تقول الدرويش إن بعض الأسر قد تعتقد أن زواج الفتاة من شخص ميسور يمكن أن يوفر لها حياة أكثر استقراراً، أو نوعاً من الحماية الجسدية والاجتماعية، أو ما يُنظر إليه باعتباره "سترة".

 

وتشير كذلك إلى الخوف من تأخر زواج الفتاة، وضغط العادات والتقاليد، وتعطل التعليم وغياب البدائل.

 

 

المحامية السورية الدكتورة زينب صلاح الدين الدرويش
المحامية السورية الدكتورة زينب صلاح الدين الدرويش

 

 

وبذلك، لا يظهر قرار الزواج منفصلاً عن البيئة التي يُتخذ فيها. فالفتاة قد تكون في الرابعة عشرة أو الخامسة عشرة، لكن القرار المتعلق بمستقبلها قد يكون محكوماً بظروف اقتصادية وأمنية واجتماعية أكبر منها.

 

"المشكلة ليست في العمر وحده"

بالنسبة إلى هزار الصواف، رئيسة جمعية التوفيق والإصلاح الأسري والاستشارية الاجتماعية الأسرية، فإن وصف الظاهرة بالزواج المبكر لا يشرح المشكلة كاملة.

 

وتفضل الصواف استخدام تعبير "الزواج غير الواعي"، لأن المشكلة، في رأيها، لا ترتبط بالعمر وحده، بل بمدى إدراك الشخص معنى الزواج ومسؤولياته وقدرته على بناء أسرة.

 

من هنا تطرح سؤالاً تراه أساسياً قبل الزواج: "قبل ما أسأل: كيف بختار شخص مناسب للزواج؟ لازم أسأل: كيف بكون أنا مناسبة للزواج؟".

 

وترى أن الحرب والظروف الاقتصادية والنزوح والعادات والتقاليد والخوف على الفتيات ساهمت في دفع بعض الأسر إلى الزواج المبكر. وتنتقد التربية القائمة على الخوف بدل الحوار والثقة، معتبرة أن الفتاة التي لا تتعلم التعبير عن نفسها واتخاذ القرار قد تدخل الحياة الزوجية من دون أدوات تساعدها على التعامل مع تبعاتها.

 

وتشير إلى أن الزواج المبكر ازداد، وفق ملاحظتها، في بعض المناطق الريفية، وترى أن الفتاة تحتاج إلى استعداد نفسي واجتماعي ومهارات عملية قبل الانتقال إلى الحياة الزوجية.

 

 

أرقام وفرتها جمعية التوفيق
أرقام وفرتها جمعية التوفيق

 

 

ولهذا تقدم جمعيتها دورات توعية واستشارات مجانية للمقبلين على الزواج، تتناول فهم الشخصيات والتحديات والمهارات التي يحتاجها الزوجان.

 

كما تدعو إلى جعل دورات التأهيل قبل الزواج جزءاً من إجراءات تسجيل الزواج، معتبرة أن الدخول إلى مؤسسة الزواج يحتاج إلى استعداد وتأهيل.

 

وتروي حالة فتاة تزوجت في سن مبكرة، ثم فقدت زوجها خلال الحرب، قبل أن تعود إلى الدراسة وتتابع تعليمها وتتخرج وتصبح أكثر استقلالاً.

 

وتوجه رسالتها إلى الفتيات اللواتي مررن بتجارب مشابهة: "استمري، الحياة أمامك، وكوني قوية لأن الإنسان القوي يجذب الناس الأقوياء".

 

(تصميم النهار)
(تصميم النهار)

 

اختيار أم محاولة للهروب؟

من زاوية نفسية وشخصية، ترى سهى محمود، وهي مدربة حياة، أن الزواج المبكر ليس المشكلة في ذاته في كل الحالات، لكن المشكلة قد تكون في دخول الفتاة هذه المرحلة قبل أن تحصل على الوقت الكافي لمعرفة نفسها وفهم ما تريده فعلاً. فالزواج قد يبدو بداية جميلة، لكنه قد يبدو لبعض الفتيات أيضاً وسيلة للخروج من واقع صعب.

 

وترى أن الصورة الرومانسية عن الزواج قد تصطدم سريعاً بتفاصيل الحياة اليومية ومسؤولياتها. ومن هنا تربط النضج العاطفي بالقدرة على فهم المشاعر، والتعبير عن الاحتياجات، ووضع الحدود.

 

وتدعو الفتاة إلى أن تسأل نفسها قبل الزواج: هل أختار الزواج لأنني أريده فعلاً؟ أم لأنني أبحث عن مخرج من واقع صعب؟ وهل أستطيع أن أحافظ على شخصيتي وأحلامي داخل العلاقة؟

 

 

مدربة الحياة سهى محمود
مدربة الحياة سهى محمود

 

 

كذلك ترى أن بعض النساء قد ينغمسن، بعد الزواج والإنجاب، في مسؤوليات البيت والأطفال إلى درجة يبتعدن معها عن ذواتهن وأحلامهن.

 

لكنها تؤكد أن استعادة الذات ممكنة، حتى بعد سنوات من الابتعاد عنها، من خلال خطوة صغيرة: التعلم، العمل، اكتساب مهارة، أو تخصيص مساحة شخصية للنفس. فالزواج والأمومة، في رؤيتها، لا يعنيان نهاية رحلة المرأة، بل يمكن أن يكونا جزءاً منها، شرط ألا تنسى أنها موجودة أيضاً، وأن لها حقاً في الحلم والنمو وصناعة مستقبلها.

 

أخطار الزواج من دون ضوابط 

تختلف الدرويش في تعريفها للزواج المبكر عن اختزاله بسن الفتاة. وتقول: "في الواقع إني أرى أن الزواج المبكر لا يقتصر على الزواج في سن صغيرة فقط، وإنما يعتبر الزواج مبكراً لمن لا يدرك معنى الزواج ومسؤوليته وأنه ميثاق غليظ ومودة ورحمة بين الزوجين".

 

من هذا المنطلق، تفضل تسميته "الزواج المبكر المنضبط" أو أنه "ذو ضوابط"، وترى أن الزواج من دون شروط وضوابط قد تكون له آثار خطيرة على الأسرة والقاصر والأطفال مستقبلاً.

 

وتحدد ثلاثة شروط أساسية: البلوغ والقدرة الجسدية، موافقة الولي، والقدرة العقلية والنفسية، من خلال خضوع الخاطبين لدورات تأهيلية قبل الزواج.

 

ولا تتوقف الوقاية، وفق رؤيتها، عند القانون، بل تشمل التوعية بحقوق الإنسان داخل المدرسة، واستمرار التوعية عبر الأسرة والإعلام والمنظمات المحلية والدولية.

 

القانون السوري: 18 عاماً كقاعدة... مع استثناء قضائي

تُظهر النصوص القانونية السورية صورة أكثر تعقيداً من اختزال المسألة برقمٍ واحد.

 

فبعد تعديل قانون الأحوال الشخصية بموجب القانون الرقم 4 لعام 2019، تنص المادة 16 على أن سن الزواج يكتمل بتمام الثامنة عشرة للفتى والفتاة. وفي الوقت نفسه، تنص المادة 18 على إمكان أن يأذن القاضي بالزواج لمن أتم الخامسة عشرة، في ظروف وشروط محددة وبعد التحقق من أمور تتعلق بالبلوغ والقدرة الجسدية ومعرفة الحقوق الزوجية.

 

وبذلك، فإن القول إن القانون السوري يجعل الثامنة عشرة سن الزواج الأساسية صحيح، لكن القول إنه يمنع بصورة مطلقة أي زواج قبل الثامنة عشرة لا يعكس وجود الاستثناء القضائي الوارد في المادة 18.

 

وتوضح مصادر قانونية دولية أن الاستثناء يمنح القاضي صلاحية الإذن بزواج من تراوح أعمارهم بين 15 و18 عاماً، وفق الشروط المنصوص عليها في القانون.

 

هذه التفصيلة مهمة في أي نقاش بشأن زواج القاصرات في سوريا، لأن الفارق بين سن الزواج المقرر قانوناً وبين إمكان الاستثناء القضائي يؤثر مباشرة في كيفية قراءة القانون وتطبيقه.

 

من هنا يأتي اعتراض الدرويش على اختزال الأهلية بالبلوغ الجسدي، فهي ترى أن القدرة البيولوجية على الإنجاب لا تعني تلقائياً اكتمال النضج العقلي والنفسي والعاطفي اللازم للحياة الزوجية وتربية الأطفال.


إضافة إلى ذلك، لا تتعلق آثار الحمل في سن المراهقة بالجانب الاجتماعي وحده.

 

توضح منظمة الصحة العالمية أن الأمهات بين 10 و19 عاماً يواجهن مخاطر أعلى للإصابة بتسمم الحمل والتهابات ما بعد الولادة والعدوى الجهازية، مقارنة بالنساء بين 20 و24 عاماً.

 

كما يواجه أطفال الأمهات المراهقات مخاطر أعلى لانخفاض وزن الولادة والولادة المبكرة وبعض الحالات الشديدة لدى حديثي الولادة.

 

وتشير المنظمة كذلك إلى أن الحمل المبكر يمكن أن تكون له آثار نفسية واجتماعية واقتصادية، وأن الزواج المبكر يزيد تعرض الفتيات للحمل بسبب محدودية قدرتهن على اتخاذ القرارات المتعلقة بتأخير الإنجاب واستخدام وسائل منع الحمل.

 

أما في ما يتعلق بالاكتئاب والقلق والعنف داخل العلاقة، فتشير منظمة الصحة العالمية إلى مخاطر نفسية واجتماعية مرتبطة بالحمل في سن المراهقة، كما تشير إلى ارتفاع احتمالات التعرض للعنف داخل الزواج أو العلاقة لدى الفتيات اللواتي يحملن قبل سن 18 عاماً.

 

"المصلحة"... من يعرّفها؟

من النقاط التي تثيرها الدرويش، مفهوم "المصلحة" في القضايا المرتبطة بزواج القاصر. وترى أن مرونة المصطلح قد تسمح بتفسيراتٍ اجتماعية وثقافية مختلفة، خصوصاً في البيئات التي قد تعتبر الزواج وسيلة للحماية أو "الستر" أو تخفيف العبء عن الأسرة.

 

لكن هذا يطرح سؤالاً أساسياً: كيف تُعرَّف مصلحة طفلة قد لا تكون قادرة أصلاً على تقدير النتائج البعيدة المدى لقرار الزواج؟

 

بالنسبة إلى الدرويش، لا تكفي القدرة الجسدية للحكم على الأهلية. وتدعو إلى أن تتضمن النصوص القانونية ضمانات تتجاوز البلوغ الجسدي، وأن تراعي استعداد الفتاة للحياة الزوجية ومسؤولياتها.

 

 

لافتة معلقة في مركز جمعية التوفيق
لافتة معلقة في مركز جمعية التوفيق

 

وتضيف: "تثبيت زواج القاصر يواجه صعوبات كثيرة ولكنه غير مستحيل". وترفض القول إن القانون لا يتيح للقاضي التعامل مع زواج القاصر، موضحة أن هناك حالات وإجراءات يمكن من خلالها تثبيت الزواج وفق ما تقرره المحكمة. لكنها في الوقت نفسه تؤكد أن الوصول إلى التثبيت القضائي ليس طريقاً سهلاً.

 

في الزواج العرفي غير المسجل، قد تحتاج الفتاة إلى إثبات العلاقة، خصوصاً إذا أنكر الزوج الزواج. وفي حال وجود حمل أو أطفال، يمكن أن تصبح القضية أكثر تعقيداً بسبب الحاجة إلى معالجة مسائل الزواج والنسب والتسجيل. وقد يحتاج الأمر إلى شهود وإجراءات قضائية قد تطول.

 

وتقول إن الطريق متاح أمام القضاء، لكن هناك إجراءات قد لا تستطيع القاصر القيام بها من دون مساعدة. وهنا تضع يدها على المشكلة الأساسية: "إذا لجأت إلى القضاء فسينصفها، وهنا المشكلة الحقيقية: هل تملك القاصر القدرة والقوة لذلك أم لا؟"، فوجود حق قانوني لا يعني بالضرورة أن طفلة في الخامسة عشرة تملك وحدها القدرة على الوصول إليه.


وإذا انتهى الزواج بالهجر أو الطلاق، فقد تبدأ للفتاة معركة قانونية جديدة.

 

وتتحدث الدرويش عن النفقة والمؤخر، وعن حالة "الزوجة المعلقة"، وعن حقوق الأطفال من النفقة والمسكن والتسجيل المدني وإثبات النسب.

 

وفي الزواج غير المسجل، قد يكون إثبات الزواج هو الخطوة الأولى قبل المطالبة بهذه الحقوق.

 

وتزداد الصعوبة عندما تكون الفتاة قد فقدت دعم أسرتها أو لا تعرف الإجراءات القانونية أو لا تستطيع تحمل تكاليفها. وهنا يتحول السؤال من: لماذا تزوجت؟ إلى سؤال آخر: ماذا يحدث لها عندما ينتهي الزواج؟

 

 

طلب تدخل للمصالحة لدى جمعية التوفيق
طلب تدخل للمصالحة لدى جمعية التوفيق

 

 

تشرح الدرويش أن "الإحصاءات  التقديرية الميدانية" تشير إلى أن أكثر من 50% إلى 60% من زيجات القاصرات تنتهي بالانفصال والطلاق خلال السنوات الثلاث الأولى.

 

لكن لا يتوافر في المصادر التي جرى التحقق منها ما يكفي لتقديم هذه النسبة باعتبارها إحصاءً وطنياً سورياً موثقاً.

 

لذلك، تظل النسبة في هذا التحقيق منسوبة إلى الدرويش وحدها، ولا تُستخدم بوصفها رقماً وطنياً مثبتاً.

 

وهذا التفريق ضروري، لأن الرقم الصحافي لا يصبح حقيقة إحصائية بمجرد وروده في مقابلة، خصوصاً عندما يتعلق بظاهرة واسعة ومعقدة مثل زواج القاصرات.

 

التعليم: الخسارة التي تمتد إلى الجيل التالي

وتبقى إحدى الحلقات الأساسية في هذه الظاهرة أنه لا يمكن فصل الزواج المبكر عن التعليم.

 

فالدراسة التي أجراها صندوق الأمم المتحدة للسكان والجامعة الأميركية في بيروت وجمعية Sawa في البقاع الغربي أظهرت انخفاض الالتحاق المدرسي بين الفتيات مع التقدم في العمر، إذ تجاوزت نسبة الالتحاق 70% في سن التاسعة، ثم انخفضت إلى أقل من 17% عند سن السادسة عشرة ضمن العينة.

 

كما خلصت الدراسة إلى أن الفتيات الأقل تعليماً أكثر عرضة لأن يصبحن زوجات طفلات، مع التأكيد أن العلاقة بين التعليم والزواج المبكر لا تعني بالضرورة أن أحدهما يفسر الآخر في كل حالة.

 

ولا يعني ذلك أن كل فتاة تترك المدرسة تتزوج، أو أن كل زواج مبكر سببه التسرب المدرسي. لكن تراجع التعليم قد يضيّق الخيارات المتاحة أمام الفتاة، ويؤثر في فرصها المستقبلية.

 

ولهذا أوصت الدراسة بتحسين التحاق الفتيات بالمدرسة، خصوصاً عند الانتقال إلى المرحلة الثانوية، إلى جانب تعزيز السياسات التي تحدّ من زواج الأطفال.

 

وترى الدرويش أن التعليم أحد أهم أدوات الوقاية. فبالنسبة إليها، إخراج الفتاة من المدرسة لا يعني خسارة التعليم فقط، وإنما قد يعني أيضاً خسارة فرصة الاستقلال الاقتصادي والوعي القانوني والقدرة على اتخاذ القرار.

 

ما الذي يمكن فعله قبل أن تصل الفتاة إلى المحكمة؟
ترى الدرويش أن دور المنظمات الحقوقية والإنسانية يجب ألا يبدأ بعد وقوع الضرر. وتقترح أربعة مسارات:

أولًا: توفير تمثيل قانوني مجاني للفتيات.

ثانيًا: إنشاء عيادات قانونية تساعد في قضايا تثبيت الزواج والنسب والتسجيل المدني.

ثالثًا: توفير دعم نفسي واجتماعي للفتيات والأمهات الشابات.

رابعًا: العمل على تعديل التشريعات والثغرات القانونية التي تسمح باستمرار زواج القاصرات.

 

من جهتها، تدعو الصواف إلى توسيع التوعية والتأهيل قبل الزواج.

 

بدورها، تركز سهى محمود على ضرورة أن تمتلك الفتاة فرصة لمعرفة نفسها وأحلامها، وأن يكون الزواج قراراً واعياً لا مجرد وسيلة للخروج من واقع صعب.

 

لكن ريم لا تتحدث عن هذه القضية من موقع تنظيري، بل من داخل التجربة. وعندما تنظر إلى تجربتها اليوم، لا تختزلها في الزواج وحده.

 

تتحدث عن طفولة انقطعت، وعن أمومة جاءت مبكراً، وعن مسؤوليات اضطرتها إلى أن تكبر بسرعة، وعن حلم بقي مؤجلاً حتى وجدت طريقاً إليه بعد وفاة زوجها.

تحقق جزء من حلمها في الإعلام. لكنها لا تنظر إلى ذلك باعتباره تعويضاً كاملاً.

فما حدث في الرابعة عشرة لا يمكن محوه في الثلاثين أو الأربعين. ولهذا، حين تتحدث إلى الأسر، لا تقول فقط إن الزواج المبكر صعب، بل تحذر من أثره على شخصية الفتاة، وعلى علاقتها بأطفالها، وعلى قدرتها على التعلم والعمل وتحقيق أحلامها.

 

الخلاصة: الفستان الأبيض ليس نهاية القصة.  والزواج المبكر في سوريا ليس قصة فقر أو حرب أو عادات وتقاليد فقط.

 

إنه تقاطع بين الفقر والنزوح والتعليم والأسرة والوعي والقانون والوصول إلى العدالة.

 

والأهم أنه يتعلق بطفلة قد تجد نفسها أمام قرار من أكثر القرارات تأثيراً في حياتها، قبل أن تمتلك الأدوات التي تساعدها على فهمه أو تقدير تبعاته.

 

وحماية الفتيات تبدأ في المدرسة والأسرة، والوعي القانوني بقدرة الفتاة على أن تعرف معنى القرار الذي يُطلب منها اتخاذه، وأن يكون لها صوت حقيقي فيه.

 

فالزواج ليس فستاناً أبيض وصورة. إنه مسؤولية وحقوق وحياة كاملة.

 

وعندما تُدفع طفلة إلى هذه الحياة قبل أن تكون مستعدة لها، فإن السؤال لا يجب أن يكون فقط: "متى تزوجت؟" بل: "هل كانت تعرف ماذا تختار؟ وهل كان لديها خيار أصلاً؟".

 

الفستان الأبيض قد يُرتدى لساعات. أما تبعات القرار، فقد تمتد عمراً كاملاً. والطفولة التي تُختصر قبل أوانها، لا تعود بمجرد أن تكبر الفتاة.


عروس قبل الأوان (تصميم النهار).
عروس قبل الأوان (تصميم النهار).

 

 

"عروس قبل الأوان" - ملف خاص من "النهار"

2- من العراق محمد البغدادي: زواج يسرق الطفولة في العراق... كيف يتداخل الفقر مع عوامل أخرى؟

3- من الأردن، محمد الرنتيسي: الأردن يكبح الزواج المبكر والعقود غير الموثقة تحدٍ آخر

4- من مصر، ياسر خليل: زواج الصغيرات في مصر… "جريمة مركبة" يشجعها خطاب ديني متشدد؟

5- من تونس، كريمة دغراش: اعترافات "سنيّة" التي أُجبرَت على الزّواج... في تونس أسئلة تتجاوز القانون

6- عبد الرحمن أياس: اقتصاد الزواج المبكر في العالم العربي: لماذا تستمر الظاهرة؟ وما تكلفتها؟

7- سلب الطفولة بدافع "الستر": الآثار النفسية والاجتماعية لزواج القاصرات

 
 

الأكثر قراءة

ثقافة 10/7/2026 10:45:00 PM
تعود مؤرخة الفن ثريا نجيم لقيادة اللوفر أبوظبي بعدما أسهمت في تأسيس رؤيته وتطوير مقتنياته، حاملةً خبرة دولية في الفن الإسلامي وإدارة المجموعات والمعارض.
المشرق-العربي 10/7/2026 10:20:00 AM
نشرت كتائب القسام مشاهد موثّقة وغير منشورة سابقاً ليحيى السنوار، رئيس المكتب السياسي السابق لحركة حماس، الذي قتل في 16 تشرين الأول/ أكتوبر من العام 2024 خلال اشتباكات مع قوة من الجيش الإسرائيلي في جنوب قطاع غزة.
المشرق-العربي 10/8/2026 12:06:00 PM
واشنطن تفتح باب تسليح الجيش السوري، وإسرائيل تفرض خطوطها الحمر. هل تدفع صفقات السلاح دمشق إلى حروب جديدة من لبنان إلى اليمن؟ ومن يملك القرار العسكري؟
النهار تتحقق 10/8/2026 2:51:00 PM
"الزمن يغيّر الملامح لكن لا يغيّر مكانته"، علّق مستخدمون على الصورة.