زواج الصغيرات في مصر… "جريمة مركّبة" يُشجعها خطاب ديني متشدّد؟

تحقيقات 09-10-2026 | 06:21

زواج الصغيرات في مصر… "جريمة مركّبة" يُشجعها خطاب ديني متشدّد؟

"رغم تراجع الظاهرة في العقود الرسمية، إلا أنها لم تختفِ لأنها انتقلت إلى مسار موازٍ هو الزواج العرفي ثم التصادق بعد بلوغ 18".
زواج الصغيرات في مصر… "جريمة مركّبة" يُشجعها خطاب ديني متشدّد؟
صورة تعبيرية. (تصميم النهار)
Smaller Bigger

تقاوم "ياسمين" دموعها، وهي تعود بذاكرتها إلى عشر سنوات مضت، كي تروي لـ"النهار" كيف انقلبت حياتها رأساً على عقب، وباتت تصارع من أجل النجاة بنفسها وبطفلها الصغير. 

تقول "ياسمين"، وهو اسم مستعار لسيدة مصرية تبلغ من العمر 25 عاماً: "تمت خطبتي وعمري 15 عاماً، وتزوجت حين بلغت 17 عاماً. كنت لا أزال طفلة، غير مكتملة النضج، لا أدرك أعباء الزواج، ولا أقدر على تحمل مسؤوليات بيت كامل بمفردي".

وتضيف: "بعد قرابة شهرين من الزواج، اكتشفت أن زوجي يتعاطى المخدرات، وأدركت أنه شخص سيئ للغاية، كان يعتدي عليّ بالضرب، لدرجة أنه أصابني بجروح خطرة، اضطررت على إثرها لإجراء عمليات جراحية لعلاجها". 

هناك آلاف الفتيات في مصر تزوجن في سن أصغر بسنوات من "ياسمين"، وتحملن عبء بيت كامل، في وقت مبكر.

بحسب أستاذ علم الاجتماع سعيد صادق، فإن "أحدث أرقام المجلس القومي للطفولة والأمومة، تقول أن 5.7% من الفتيات تزوجن عند سن 15، وأكثر من 80% من الحالات في الريف، ونحو 117 ألف طفلة بين 10 و17 سنة متزوجة أو سبق لها الزواج".

ويضيف لـ"النهار": "خط نجدة الطفل سجل ارتفاعاً في البلاغات بنسبة 29% خلال 2025، وأوقف 217 زواجاً قبل إتمامها".

 

 سيف "العار" وسلطان "الشرف"

 

وتواصل "ياسمين" حديثها: "حاولت الانفصال مرراً، لكن أهلي كانوا يصرخون في وجهي ويعيدونني إليه، ويقولون لي: لقد تزوجتِ حديثاً، ماذا سيقول الناس عنا؟".

موقف الأهل ليس استثنائياً، فكثيراً ما يتكرر في الأسر التي تزوج بناتها في الطفولة، وهو أيضاً ليس قسوة خالصة إذا فهم في سياقاته الاجتماعية والاقتصادية، إذ أن وجود امرأة شابة مطلقة في منطقة ريفية أو حي فقير، ليس أمراً هيناً. فبجانب أنه قد يشكل عبئاً مادياً ثقيلاً على ذويها، خصوصاً إذا رزقت بأطفال، فإنه يمثل ضغطاً اجتماعياً هائلاً.

 

في تلك المناطق ينخفض مستوى التعليم والوعي، ويزداد نشاط التيارات الدينية المتشددة وتأثيرها، ما يجعل سيف الوصم مشهراً في وجه الجميع، ويضع سلوك النساء ومظهرهن تحت المراقبة المكثفة طوال الوقت، خصوصاً إذا حدث وطلّقن.

 

هذا الوضع يثير خوف الرجال من "العار" والوصم بـ"الدياثة"، فالمرأة "شرف" و"عرض" وفق هذا المنظور الذي يخلط بين الأعراف الاجتماعية والمفاهيم الدينية، ما يمنح الرجل سلطاناً شبه مطلق على المرأة وعلى سلوكياتها، وقد يصل الأمر إلى حد قتلها إذا مست "شرفه" بسلوكها.

 

(تصميم النهار)
(تصميم النهار)

 

اختلاف بين الأجيال القديمة والجديدة

 

يحظر القانون المصري الزواج قبل بلوغ 18 عاماً، ويفرض عقوبات تتضمن الحبس والغرامة ضد من يشارك في تلك الجريمة، ومع هذا يرى البعض أنه غير كاف. لذلك تبذل مساعٍ لسن تشريع جديد يتضمن عقوبات وإجراءات رادعة وأكثر قوة.

وتبذل الدولة ومؤسسات المجتمع المدني جهوداً للتوعية من مخاطر زواج القاصرات، ورغم التراجع النسبي في عدد الزيجات، بحسب الإحصائيات الرسمية، إلا أن الأعداد لا تزال تقدر بالآلاف كل عام.

حين ننظر الى تجربة سيدة من جيل أسبق، سنلاحظ أن للقانون وجهود التوعية أثراً في الأجيال الجديدة، ومن عاصرها من الأجيال السابقة لها.

تزوجت "صابرين"، وهو اسم مستعار لسيدة في سن الـ17 أيضاً، مثل "ياسمين"، لكن هذه السن كانت قانونية حينذاك، وكان هذا قبل نحو 30 عاماً.

 

ياسمين وصابرين أخفيا وجهيهما
ياسمين وصابرين أخفيا وجهيهما

 

لذلك ربما كان هذا سبباً في أن أمضت مدة أطول مما قضته "ياسمين" في زواجها، وأنجبت 4 أبناء، وعانت وتكبدت الألم في صمت بقدر ما استطاعت، لأن العرف حينذاك كان يعتبر زواجها في هذه السن أمراً تقليدياً.

استمرت هذه الحال إلى أن أدركت أن ما حدث لها هو انتهاك حقيقي، فتعهدت أنها لن تكرره مع أبنائها، بحسب ما أكدت خلال حديثها إلى "النهار".

قبل نحو عشرين عاماً كانت سن الزواج مسموحة لمن بلغت 16 عاماً أو يزيد، وتم تعديلها إلى 18 عاماً في عام 2008. وكانت ثمة محاولات نشطة من تيارات الإسلام السياسي، ولاسيما منها التيار السلفي، لتمرير تشريعات تسمح بالزواج لمن بلغت المحيض، من دون التزام سن محددة، وذلك إثر ثورة 25 كانون الثاني/يناير 2011، وصعود تلك التيارات سياسياً، إلا أن المحاولات قوبلت بهجوم إعلامي كاسح، وأحبط تمرير التشريع.


وتقول "صابرين": "بعد 3 أيام فقط من زواجي، وجدت نفسي أخدم 12 فرداً، فقد تزوجت في بيت عائلة، وحين أبلغت زوجي أن الحمل ثقيل عليّ، قال لي "هؤلاء أبي وأمي وطاعتهم واجبة عليك"، فاضطررت إلى خدمتهم طوال اليوم في صمت. وحين يحلّ ظلام الليل، أصعد الى شقتي، وأبكي من شدة الألم الذي أشعر به في كل جزء من جسدي الضعيف".

وجدت الفتاة نفسها أمّاً، تنجب الطفل وراء الآخر، وعن هذا تقول: "لقد زاد العبء عليّ بعدما أنجبت أطفالي، ولم أستطع الاستمرار فطلبت الطلاق، وانفصلت عن زوجي، قبل سنوات، وبذلت قصارى جهدي لتعليم أبنائي. لم أستطع أن أحرمهم التعليم مثلما حُرمته، كما عاهدت نفسي أنني لن أزوج أحدهم فتاة صغيرة، ولو كانت لديّ ابنة، لما أذقتها من هذه الكأس المرة التي تجرعتها مبكراً". 

 

عوامل مركبة يبررها الخطاب الديني المتشدد

 

يرى صادق أن استمرار زواج القاصرات رغم تجريمه قانونياً، ورغم حملات التوعية، يحدث نتيجة عوامل عدة، بتشجيع من الخطاب الديني المتشدد.

ويقول: "رغم تراجع الظاهرة في العقود الرسمية، إلا أنها لم تختفِ لأنها انتقلت إلى مسارٍ موازٍ هو الزواج العرفي ثم "التصادق" بعد بلوغ 18".

ويشير إلى أن "هذا هو الثقب الذي يجعل القانون يبدو صارماً على الورق وضعيفاً في الريف".

ويلفت عالم الاجتماع إلى البعد الاقتصادي، ويقول إن "العامل الاقتصادي يعمل عبر العرف: الأسرة الفقيرة تستخدم الأداة الثقافية الجاهزة (الزواج المبكر) لأنها رخيصة وسريعة وتحل أكثر من مشكلة دفعة واحدة".

 

ويتطرق إلى دور الخطاب الديني، ويقول: "زواج القاصرات ضرر محض لا مبرر له ولا أصل، وهو ما يؤكده الأزهر ودار الإفتاء الرسمية. ما يظهر في القرى هو تفسير محلي لبعض المشايخ: البلوغ = أهلية شرعية، والقانون وضع بشري".

ويؤكد أن "هذا الخطاب يسهّل التبرير، ولا يخلق الظاهرة من العدم. السلفية ساهمت في تغذية لغة "العفة" و"القرار في البيت" لدى شرائح، لكنها ليست المحرك الوحيد ولا الأقوى إحصائياً مقارنة بالعرف وفجوة التوثيق. ربط كل شيء بالسلفية يختصر واقعاً أعمق وأقدم".

ويعتقد صادق أن "كسر الحلقة يحتاج ثلاثة أمور معاً: تجريم الزواج العرفي للقاصر بوضوح، إبقاء الفتاة في المدرسة بعد المرحلة الإعدادية، وتغيير معيار الشرف من "زوجناها بدري" إلى "علمناها وحميناها حتى صارت قادرة". ومن دون الحلقات الثلاث هذه، ستظل مئات حالات الزواج المبكر تظهر كل عام حتى لو انخفضت النسب الرسمية".

 

 

تفنيد الحجج المبررة للزواج المبكر 

 

 

قد تتباين الآراء في ترتيب الخطاب الديني المتشدد بين العوامل المؤثرة على استمرار زواج القاصرات، رغم تجريمه قانونياً، لكن ثمة اتفاقاً على أنه أحد العوامل المؤثرة في تشجيع هذا الجرم والتبرير له.

ويستند السلفيون إلى تفسيرات تراثية لنصوص قرآنية وأحاديث نبوية، قدمها أئمة يحظون بتقدير واسع في صفوف المسلمين، ما يعزز حجتهم بأن زواج الصغيرات "وفق الشريعة"، لا يشترط سناً، مهما كانت الفتاة صغيرة طالما كانت "سمينة وتطيق الوطأ"، وتبدو حججهم بالنسبة للعوام أقوى ممن يطالبون بالالتزام بالسن القانونية.

ويقول أستاذ الدراسات الإسلامية في جامعة ماربورغ الألمانية الدكتور عاصم حفني لـ"النهار": "في رأيي، نقطة البداية هي التمييز بين قداسة النص الديني وبين تاريخية الفهم البشري للنص. فليس كل حكم استقر في كتب الفقه عبر القرون حكماً منفصلاً عن البيئة الاجتماعية والثقافية التي نشأ فيها. والزواج تحديداً مؤسسة اجتماعية تأثرت عبر التاريخ بالأعراف السائدة وبالتصورات المتعلقة بالأسرة والبلوغ وأدوار النساء والرجال وبنية المجتمع الاقتصادية".

ويضيف: "لذلك ينبغي أن نطرح سؤالاً أساسياً: هل كل التفاصيل التي نظم بها الفقهاء الزواج والأسرة هي تشريع إلهي ثابت لا يتغير، أم أن جانباً منها هو اجتهاد بشري تشكل في ضوء ثقافةٍ وعرف وزمن محددة؟ هذا السؤال لا ينتقص من مكانة النص الديني، بل يميز بين النص من جهة، وبين تفسيره وتنزيله على الواقع من جهة أخرى".

ويرى الأستاذ الذي درس بجامعة الأزهر أن "المشكلة في القراءة الحرفية أنها قد تحول تجربة اجتماعية تاريخية إلى نموذج أبدي. أما الخطاب الديني المعاصر، فيحتاج إلى قراءة أكثر وعياً بالسياق، تسأل عن المقصد والقيمة التي يحملها النص، وعن كيفية تحقيقها في واقع اجتماعي مختلف جذرياً عن الواقع الذي نشأت فيه الأحكام الفقهية القديمة. وبذلك يصبح الدين مصدراً للقيم والعدالة والرحمة، لا وسيلة لتجميد أشكال اجتماعية أنتجها زمن بعينه".

ويشير إلى أن "القضية في رأيي ليست صراعاً بين الدين والعلم، وإنما هي في الأساس مسألة تتعلق بكيفية قراءة النص وتطبيقه. حتى لو وجدت في التراث سوابق أو آراء فقهية أجازت أشكالاً من الزواج في أعمار مبكرة، فإن وجود هذه الآراء تاريخياً لا يعني بالضرورة أنها تصبح ملزمة لكل مجتمع وفي كل زمان. فالفقه نفسه قام على الاجتهاد وعلى مراعاة المصالح والأعراف والظروف المتغيرة".

ويتساءل: "الأهم بالنسبة إليّ ليس: هل وجد من أجاز ذلك قبل ألف عام؟ بل: ما الذي يحقق اليوم مصلحة الفتاة وكرامتها وسلامتها وقدرتها على التعليم والنضج والاختيار الحر؟ وهذه المصلحة لا يملك رجل الدين وحده حق تحديدها. هناك أطباء وعلماء نفس وتربويون ومتخصصون في الطفولة والاجتماع، وهناك مؤسسات تشريعية مسؤولة عن حماية الأفراد وحقوقهم. والمجتمع الحديث يقوم بطبيعته على توزيع المعرفة والاختصاص، وليس من المنطقي أن نطلب من الفقيه أن يحسم وحده مسألة تتداخل فيها الصحة والنمو النفسي والتعليم والقانون وحقوق الطفل".

 

 

"سرقة للطفولة" و"اغتصاب" وجرائم أخرى

 

 

وترى الباحثة في مجال حقوق النساء ندى أمير عبد الله أن ما نسميه زواج القاصرات هو "سرقة للطفولة"، و"اغتصاب"، وليس زواجاً.

وتقول الناشطة التي تعمل في تقديم إعانات للأسر غير المقتدرة لـ"النهار": "للأسف في عام 2026، لا تزال أسر تسمح بسرقة طفولة بناتها، ويحدث هذا بالإغراء بالحصول على حياة أفضل، أو بالإكراه إذا رفضت، والطفلة التي يبلغ عمرها 9 سنوات أو أكثر، لا تعي ذلك، لذا أعتبر هذا اغتصاباً، وجريمة، تحت شعار الزواج".

وبحسب مشاهداتها، تعتقد عبد الله أن "الإحصائيات الرسمية، تختلف عن الواقع، لأن ما يسجل رسمياً، قد يأتي تحت وصف الزواج العرفي، لكن بعض الزيجات لا يتم تسجيلها رسمياً".

وتلفت إلى أن هذه الانتهاكات يترتب عليها الكثير من الإشكاليات، وتقول: "بعض الفتيات لا يتم تطليقهن أو يترملن، قبل بلوغ 18عاماً، ومنهن من لا تستطيع تسجيل أطفالها رسمياً، لأنها لم تبلغ السن القانونية للزواج".

وعن الأسباب التي لاحظتها تقول: "بعض الأسر الفقيرة تنظر إلى بناتها على أنهن عبء مادي ثقيل، لذا أول خطوة تقوم بها هي تسريب الفتاة من التعليم، لتجلس في البيت في انتظار عريس، على اعتبار أن "البنت مصيرها للزواج" بحسب أعرافهم، وتسبق الزواج جريمة أخرى هي الختان، ثم يزوجنها إما لشخص يدفع لهم أموالاً كثيرة، وإما لمن يحمل "العبء" عن كاهلهم".

وتشير أيضاً إلى مفاهيم سلف ذكرها، تدفع الأسر إلى تزويج بناتها مثل "الستر"، وتزويج البنت "قبل أن تجلب العار لنا"، و"زوجها يربيها على يده".

 

عروس قبل الأوان (تصميم النهار).
عروس قبل الأوان (تصميم النهار).

 

"عروس قبل الأوان" - ملف خاص من "النهار"

 

2- من سوريا، مروة البرغش: جسد طفلة ومسؤوليات زوجة: هل تملك القاصرات السوريات حق الاختيار؟

3- من العراق محمد البغدادي: زواج يسرق الطفولة في العراق... كيف يتداخل الفقر مع عوامل أخرى؟

4- من الأردن، محمد الرنتيسي: الأردن يكبح الزواج المبكر والعقود غير الموثقة تحدٍ آخر

5- من تونس، كريمة دغراش: اعترافات "سنيّة" التي أُجبرَت على الزّواج... في تونس أسئلة تتجاوز القانون

6- عبد الرحمن أياس: اقتصاد الزواج المبكر في العالم العربي: لماذا تستمر الظاهرة؟ وما تكلفتها؟

7- سلب الطفولة بدافع "الستر": الآثار النفسية والاجتماعية لزواج القاصرات

 
 
العلامات الدالة

الأكثر قراءة

ثقافة 10/7/2026 10:45:00 PM
تعود مؤرخة الفن ثريا نجيم لقيادة اللوفر أبوظبي بعدما أسهمت في تأسيس رؤيته وتطوير مقتنياته، حاملةً خبرة دولية في الفن الإسلامي وإدارة المجموعات والمعارض.
المشرق-العربي 10/7/2026 10:20:00 AM
نشرت كتائب القسام مشاهد موثّقة وغير منشورة سابقاً ليحيى السنوار، رئيس المكتب السياسي السابق لحركة حماس، الذي قتل في 16 تشرين الأول/ أكتوبر من العام 2024 خلال اشتباكات مع قوة من الجيش الإسرائيلي في جنوب قطاع غزة.
المشرق-العربي 10/8/2026 12:06:00 PM
واشنطن تفتح باب تسليح الجيش السوري، وإسرائيل تفرض خطوطها الحمر. هل تدفع صفقات السلاح دمشق إلى حروب جديدة من لبنان إلى اليمن؟ ومن يملك القرار العسكري؟
النهار تتحقق 10/8/2026 2:51:00 PM
"الزمن يغيّر الملامح لكن لا يغيّر مكانته"، علّق مستخدمون على الصورة.