الكواشرة... قلعة التركمان في شمال لبنان
من إحدى البيوت المتداخلة والمتواضعة التي تخرق أزقة شمال عكار الضيقة، يخرج صوت العمّ علي محمد حسن، التسعيني، وهو يغني موالاً تركياً.
هناك، على الأريكة التي تُشبه في أسلوبها الطابع التركي، وبين الجدران التي ترسم معالم استثنائية تعكس معالم تركيا، يحمل العمّ علي عصاه ويجلس بعباءته البنية، مستذكراً عمراً قضاه في هذه القرية المنسية، التي تحمل ثقافتين، اللبنانية والتركية، وتعيش على ذكريات الأجداد وحكاياتهم منذ عهد السلطان سليم الأول.
رسمت السنين ملامحها على وجه العمّ علي، وسرقت منه سمعه إلى حدّ كبير، لكنها لم تسرق حنينه إلى ذلك الزمن الجميل، عندما كانوا يعملون في الأرض ويحصدون القمح بالمناجل، ويحملون قوتهم اليومي لمسافات طويلة، لتعذّر امتلاك سيارة في القرية.
يتذكّر كيف كانت الأغاني والرقص في ليالي الحنّة والأعراس تستمر حتى ساعات الفجر. يروي: "عندما تكون هناك خطبة في القرية، كان الطبل يرافقنا حتى طلوع الضو". تلك عاداتنا التي نتمسّك بها، حتى لو تغيّر بعضها اليوم. ويعترف بأننا "في الماضي لم نكن نعطي بناتنا للغرباء، الكل يتزوّج من بعضه لأننا تركمان".
كانت الحياة في الكواشرة مختلفة عمّا هي عليه اليوم. كان أهلها يعملون في الأرض ويعدّون المونة من السمن والجبنة والقريشة والشنكليش، أما اليوم، فأصبح كل شيء يُشترى من السوق.

الأرض في الكواشرة
يضحك عندما يتذكّر قصة أو مشهداً عابراً باتا اليوم في ذاكرته فقط وذاكرة الجيل القديم الذي يسعى بأمانة إلى ترسيخها لدى الجيل الجديد، رغم مرور أكثر من 440 عاماً على وجود هذه القرية.
إنها قرية الكواشرة التي تعني باللغة التركية "غوتشير Göçer" أي الُرحّل، والمقصود بها فرقة عثمانية من الجيش العثماني كانت مكلّفة حماية القوافل التجارية المتوجّهة إلى فلسطين ومصر.
إلى جانب العمّ علي، تجلس ابنته أمينة حسن على الحصيرة التي حاكتها بنفسها، تحمل الإبرة والخيط وتحوك الحلفا، وهي عشبة تقطفها النساء قرب النهر ، مع الخيوط الملونة، لتصنع منها سلال القش بمختلف أحجامها.
وبينما تنشغل بإنهاء سلة القش، تروي لنا كيف ورثت هذا العمل اليدوي من جدتها ووالدتها. تقول: "كانت جدتي وكل نساء الكواشرة يذهبن إلى النهر لجلب الحلفا، كنّ يحملنها طول الطريق حتى تصلن إلى القرية حيث تذهب كل واحدة إلى منزلها لتشميسها لمدة 10 أيام حتى تتمكن من العمل بها. لا يغرنّك منظر السلة الجاهزة فهي تستغرق وقتاً وجهداً".

كانت نسوة الكواشرة يعملن في حياكة القش والقصب للاستخدام المنزلي، أما اليوم، وكما تقول أمينة، "فباتت بغرض بيعها وتأمين لقمة العيش". هذه الحرفة ورثتها أمينة عن والدتها وجدتها، وهي عادة تصرّ نساء القرية على الحفاظ عليها، لما تحمله من تقليد جميل يشبه رائحة العادات التركية.
وبين أغراض المنزل وطابعه الخاص، تشعر كأنك عبرت إلى تركيا فيما أنت ما زلت في لبنان. كل شيء له حكاية، وبعض الذكريات بقيت معلّقة على الجدران، لتؤكد أنها كانت هنا.
تحمل أمينة محرمتين بيضاوين مرصّعتين بحجارة حمراء، ترفعهما وتعيد إحياء رقصة ليلة الحنّة. تخجل من غناء الأغنية التي تقول إنها لا تحفظها عن ظهر قلب، لكن والدتها وجدتها كانتا تتقنان غناءها وفق الأصول.
وبينما تحمل المحرمتين، تخبرني كيف يحتفل أهل الكواشرة بزواج أحد أبنائهم: "تدخل النسوة ومعهنّ الشموع، وتكون الصبية – العروس بلباسها الأحمر ومغطاة الرأس. يرقصن بها قبل أن نضع لها الحنّة في ليلة من ليالي العمر... ويبقى صوت الطبل حتى الفجر".

السياق التاريخي للكواشرة
تعود جذور أهالي الكواشرة إلى التركمان، وهم مجموعات تركية استقرت في بلاد الشام على مراحل، قبل أن يتعزز وجودها خلال الحقبة العثمانية.
وتشير دراسات تاريخية إلى أن الدولة العثمانية اعتمدت على العشائر التركمانية في عدد من المناطق الحدودية والزراعية، وأسكنت بعضها في سهل عكار وشمال لبنان لأغراض عسكرية وإدارية، ولتعزيز نفوذها في تلك المنطقة. كانت البداية بقدوم التركمان إلى لبنان عام 1516، في عهد السلطان سليم الأول (1512-1520).
ويُرجّح باحثون أن استقرار التركمان في الكواشرة يعود إلى القرنين السادس عشر أو السابع عشر، حين استقرت عائلات تركمانية في البلدة وحافظت على لغتها وعاداتها الاجتماعية، رغم اندماجها الكامل في المجتمع اللبناني.

ومع مرور الزمن، أصبحت الكواشرة أبرز تجمع تركماني في لبنان، إلى جانب بلدات أخرى مثل عيدمون وبعض القرى في البقاع التي شهدت وجوداً تركمانياً بدرجات متفاوتة.
وبعد انتهاء الحكم العثماني عام 1918 وقيام دولة لبنان الكبير، بقي أهالي الكواشرة مواطنين لبنانيين، لكنهم واصلوا التحدث بالتركية داخل منازلهم، وحافظوا على كثير من تقاليدهم، من حياكة السجاد والقصب، إلى ليلة الحناء، والأعراس التي ما زالت تحتفظ بإيقاعها التركي، إلى الطبخ التركي والأهم اللغة التي كما يؤكد سكانها "كل ما تبقى لهم اليوم".
يُشكّل تركمان لبنان نسبة 1% من سكانه، إذ تراوح أعدادهم بين 30 إلى 40 ألف شخص، وتضم عكار تحديداً العدد الأكبر منهم.
لم تكتشف تركيا وجود التركمان في لبنان إلا منذ مدة قصيرة نسبياً، وهي تعود بحسب سكان القرى التركمانية في شمال لبنان إلى ما بين عامي 1988 و1989 عبر حادثة عرضية.
هذه الحادثة يتناقلها سكان القرية وتقول إن أحد أبنائها كان يخدم في الجيش اللبناني بمنطقة الرابية في المتن الشمالي ويتكلم التركية، فقام الضابط المسؤول عنه بتعريفه على سفير تركيا حينها إبراهيم ديشليلي، فبات هذا الاكتشاف محط اهتمام تركي، وقرية الكواشرة وجارتها عيدمون أصبحتا مقصداً دورياً للسفراء الأتراك المتتالين.

في عام 2010 زار الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الكواشرة حيث أقيم له حفل شعبي حاشد بحضور رئيس الوزراء السابق سعد الحريري. بعدها بدأت تركيا ترسل مساعدات الى بعض القرى اللبنانية التركمانية، ولا سيما منها عيدمون والكواشرة، ومن أبرز تلك المساعدات: المنح الجامعية لطلابها للتعلم في تركيا، كما أن السفارة التركية في بيروت والهلال التركي بنيا مدرسة ثانوية في القرية، كذلك قدم الجيش التركي العامل ضمن "اليونيفيل" مولداً كهربائياً بالإضافة إلى تجهيز مبنى وتقديم مستلزماته لتعليم الكمبيوتر في القرية.
التراث... من جيل إلى جيل
في هذه البلدة العكارية، يُحفظ الإرث في البيوت. ينتقل من الجدة إلى الأم، ومن الأم إلى الابنة، ومن الأب إلى الابن، كما تنتقل وصفات الطعام وحكايات الأجداد والمفردات التي لاتزال تتردد في المجالس. حتى بعض البيوت القديمة بقيت شاهدة على هذا الامتداد، هنا، الهوية لبنانية واللغة تركية.
تسترجع نجاح عبدو طفولتها وكيف كانت والدتها تتحدث معها بالتركية، تعترف قائلة: "لم أكن أجيد اللغة العربية كثيراً، كنا نتحدث مع بعضنا بالتركية قبل أن ننفتح على الجوار ونشهد على زيجات مختلطة أدت إلى إتقان العربية إلى جانب التركية".

ما يحزنها أن في أيامهن "لم يكن التعليم سوى للصبيان". تعلّمت سنة واحدة فقط، وكانت تجيد تهجئة الأسماء، قبل أن تنقطع عن المدرسة. كل شيء تغيّر، وفق نجاح: "ع إيامنا كانت الحياة أصعب من اليوم، كانت الفتيات تعملن والصبيان يذهبون إلى المدرسة، كانوا الصبيان مدللين".
ومع ذلك، كان أهل الكواشرة سعداء في حياتهم، كما تؤكد نجاح: "كانت القرية فقيرة، وكنا نعمل في زراعة القمح والذرة والأرض، ولكننا كنا مرتاحين وسعداء". تتذكّر جيداً كيف "وضعني والدي على الجمل، وجاءت الصحافة تصوّر قريتنا مع قدوم أول سفير تركي إليها". تتنهّد وتضحك: "مرّ وقت طويل على تلك الأيام".
أقليات في بلد متعدد
ويقول رئيس بلدية الكواشرة محمد عبدالله لـ"النهار" إن أبناء البلدة كانوا في الماضي يُعدّون بين الأقليات التركمانية في لبنان، فيما لا تزال الكواشرة، بحسب قوله، البلدة الوحيدة التي حافظت على اللغة التركمانية وعاداتها، وحرصت على نقلها من جيل إلى جيل.
ويختصر ه مسارها بالقول: "تاريخها مثل حاضرها، لم يتغيّر شيء سوى أننا واكبنا التطور من دون التخلي عن جوهرنا وعاداتنا".

ولا يرى في هذا الاختلاف فاصلاً عن المحيط، بل مصدر قوة. فلبنان، برأيه، يقوم على تعدد طوائفه وأعراقه، وهو ما يمنحه خصوصيته. أما في الكواشرة، فقد اجتمعت أصول تركمانية بهوية لبنانية، لتتشكل هوية مزدوجة تجمع ثقافتين في مساحة واحدة.
هذا الارتباط بتركيا لا يبقى في حدود اللغة والعادات. قبالة النصب التذكاري لشهداء 15 تموز، تصطف أكثر من 140 شجرة زيتون تحمل أسماء الذين سقطوا خلال محاولة الانقلاب في تركيا عام 2016. ويقول عبدالله إن أبناء البلدة يحاولون تجسيد كل حدث مفصلي تشهده تركيا داخل الكواشرة، تعبيراً عن التعاطف و"الشعور بتركيا على أرضنا".
ومع اكتشاف تركيا وجود الكواشرة وأبنائها، بدأت علاقة البلدة بالسفارة التركية تتخذ طابعاً أكثر قرباً، قبل أن تتوطد مع مرور السنوات. ويصف عبدالله هذه العلاقة بأنها "أخوية، يجمعنا عِرق واحد، فهم لم يتخلوا عنا يوماً منذ أن عرفوا بوجودنا".
يقدَّر عدد أبناء الكواشرة من ذوي الأصول التركمانية بنحو 4 آلاف شخص، إلى جانب نحو ألفي شخص من أصول سورية ولبنانيين قدموا من مناطق مختلفة. وكحال الكثير من قرى عكار، يواجه الشباب محدودية فرص العمل، ما يدفع عدداً منهم إلى الانخراط في السلك العسكري، فيما يعمل آخرون في المقاهي والمطاعم، وخصوصاً في بيروت، وفق رئيس البلدية.
لكن الانتماء إلى الجذور التركمانية لا يبدو بالنسبة إلى أبناء الكواشرة نقيضاً للهوية اللبنانية. ويختصر عبدالله هذه المعادلة بالقول: "نحن أتراك الأصول، لكن لبنانيون في الهوية. لم نطالب يوماً بالجنسية التركية أو بالهجرة إلى تركيا. لبنان دولتنا، والشعب الكوشري من أكثر الشعوب انتماءً إلى دولته".
ويضيف: "نتخب في لبنان، وهذه أرضنا التي وُلدنا فيها ونموت فيها. حبنا للبنان يعادل حبنا لتركيا".
ومع تغير الحياة ودخول مظاهر التطور والانفتاح إلى الكواشرة، بقي التمسك بالتقاليد حاضراً في تفاصيلها اليومية. فحب الأصول، كما يصفه عبدالله، أقوى من تبدلات الزمن، ولذلك يحرص الأهالي على إحياء المناسبات والاحتفالات التركية داخل البلدة، وإن بصورة مصغّرة، لتبقى تلك الطقوس شاهدة على هوية لم تنقطع خيوطها رغم مرور السنوات.

بداية القصة... عسكري تركماني
في منطقة "الرامي"، كما يسميها أبناء الكواشرة، وهي منطقة لتجميع المياه، تقف القرية القديمة قبالة البلدة الحالية، شاهدةً على تاريخ يسبق وصول الأجداد التركمان إلى المنطقة. تنتشر في المكان أحجار متناثرة وبقايا أبنية يرجّح أنها تعود إلى ما بين أربعة وخمسة قرون، فيما قدّر فريق من وزارة الثقافة، بعد زيارة للموقع قبل فترة، عمر القرية القديمة بنحو 500 إلى 600 عام.
ومع وصول التركمان إلى الكواشرة، نشأت القرية الجديدة التي حافظت على وجودها منذ العهد العثماني، لتصبح مع مرور الزمن موطناً لجماعة حملت معها لغتها وعاداتها وذاكرتها.
هذه القرية النائية، التي تبعد نحو 131 كيلومتراً عن بيروت، بقيت لسنوات بعيدة من دائرة الاهتمام التركي الرسمي، إلى أن قادت المصادفة الطريق إليها من بوابة عسكرية. كان أحد أبنائها، العسكري في فوج الهندسة المتخصص في تفكيك المتفجرات، حلقة الوصل التي أعادت اسم الكواشرة إلى السفارة التركية التي لم تكن على علم بوجودها.

يجلس العسكري المتقاعد خالد الأسعد مستعيداً تلك اللحظة التي تحولت معها مصادفة شخصية إلى بداية قصة جديدة بين الكواشرة والسفارة التركية، وأعادت التعريف ببلدة ظل أبناؤها يحملون في لغتهم وذاكرتهم آثاراً من أصولهم التركمانية، فيما بقي انتماؤهم إلى لبنان راسخاً في الأرض التي عاشوا فيها.
بين العلمين التركي واللبناني، يستعيد الأسعد اللحظة التي فتحت الباب أمام تعرّف السفارة التركية إلى الكواشرة وأبنائها. ففي عام 1987، طلب منه الضابط مارون خوري، من ضمن مهماته في فوج الهندسة، الكشف على سفارات سقطت بالقرب منها قذائف غير منفجرة، وكانت السفارة التركية إحدى وجهاته.
هناك، يروي خالد، قال الضابط لأمن السفارة: "لدي ضابط تركي". وما إن سأله أحد عناصر الأمن بالتركية إن كان هو تركياً، حتى أجابه بـ"نعم". عندها، كما يستعيد خالد، احتضنه الرجل وبدأ بالبكاء. كانت لحظة اكتشاف متبادل: السفارة تكتشف للمرة الأولى وجود ضابط من أصول تركمانية في لبنان، ومن خلفه قرية بأكملها تحمل اللغة والذاكرة نفسيهما.
من تلك المصادفة، بدأ فصل جديد في العلاقة بين السفارة التركية وأبناء الكواشرة. يقول خالد: "الحمدلله ساعدونا في تعليم أولادنا، وتصليح المياه، وتقديم المساعدات وإنشاء المستوصفات. صار في ثقة بيناتنا".
ومع اتساع دائرة التواصل مع المحيط وتبدل أنماط الحياة، برز هاجس الحفاظ على اللغة التي تشكل أحد أهم خيوط الذاكرة التركمانية في البلدة. وفي عام 2008، أرسلت السفارة التركية مدرسين أتراك إلى الكواشرة للمساعدة في تعليم اللغة والحفاظ عليها، في وقت يعيش فيه تركمان في مناطق لبنانية أخرى، بينها صيدا وبعلبك وطرابلس.
بالنسبة إلى خالد، لا تنفصل اللغة عن الهوية الثقافية: "عندما نحافظ على اللغة، نحافظ على تراثنا".
أصرّ خالد على اختيار أسماء تركية لأولاده، على غرار عدد من أبناء الكواشرة الذين تمسكوا بهذه التفاصيل الصغيرة بوصفها جزءاً من تقاليدهم وذاكرتهم، وكأنها هوية اجتماعية أخرى تعبّر عن وفائهم لجذورهم وارتباطهم بتركيا.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
لا شك أن ثمة تغيراً وتطوراً حصل في سوريا بعد إسقاط النظام البائد، لكن يبقى السؤال هل الصورة وردية كما طرحها الشيباني في كلمته؟
نبض