رحلة نسك على خطى مار شربل... الحبيس داريو إسكوبار: أنا والواوي نتقاسم الطعام

تحقيقات 19-05-2026 | 17:53

رحلة نسك على خطى مار شربل... الحبيس داريو إسكوبار: أنا والواوي نتقاسم الطعام

في الأشهر الأربعة الأخيرة من عمره، قطع الحبيس كل صلة بالعالم الخارجي والناس، لا كرهاً بهم، بل، كما كان يردد، "إيماناً بالمسيح ووصيته".
رحلة نسك على خطى مار شربل... الحبيس داريو إسكوبار: أنا والواوي نتقاسم الطعام
الراهب الحبيس داريو اسكوبار (الصورة من الرهبانية اللبنانية المارونية).
Smaller Bigger

"من أراد أن يتبعني، فلينكر نفسهُ ويَحمِل صليبهُ كلَّ يومِ ويتبعني" (لوقا 23:9)

 

بهذه الآية آمن الراهب الحبيس داريو إسكوبار، ونذر حياته للمسيح بعد اختبار روحي عميق لمس فيه، كما كان يردد، نعمة الله في حياته.
ترك داريو حياة المال والرفاه في كولومبيا، وجاء إلى لبنان، أرض القداسة، باحثاً عن طريق يشبه حياة القديس مار شربل الذي تأثر بسيرته إلى حدّ كبير.

 

هناك، اختار حياة التقشف والصمت والفقر، ليصبح الراهب الذي كرّس وجوده للصلاة والعزلة والتأمل.

 

وكانت للصدف أثراً مفصلياً في حياته، ويروي الأب أسيا صافي راهب لبناني ماروني الذي عايش الحبيس إسكوبار أن "الحبيس كان أمين سر آخر جلسة في المجمع الفاتيكاني الثاني، والتي أُعلن في ختامها تطويب القديس مار شربل". 

 

ومنذ تلك اللحظة، بدأت رحلة التحوّل الكبرى في حياته. فقد طلب الإذن من روما للانتقال إلى الرهبانية المارونية في لبنان، لتبدأ قصة راهب كولومبي اختار أن يترك العالم خلفه، ويعيش حياة التواضع والزهد بإيمان عميق. هو الابن السابع بين إخوته، قبل أن يتحول، مع السنوات، إلى مثال للتقوى والنسك والقداسة.

 

وصية المسيح في حياة داريو إسكوبار

من كولومبيا إلى الولايات المتحدة، وصولاً إلى محطته الأخيرة في لبنان، لم يشأ الحبيس داريو إسكوبار (مواليد 7 تموز 1934) أن يعيش اختباره الروحي بصورة تقليدية.

 

سار منذ بداياته على خطى وصية يسوع المسيح كما وردت في إنجيل متى ( متى 10: 37-38) "مَنْ أحبَّ أباهُ أو أمَّهُ أكثرَ ممَّا يُحِبُّني، فلا يَسْتحِقُّني. ومَنْ أحبَّ اَبنَهُ أو بِنتَهُ أكثرَ ممَّا يُحبُّني، فلا يَسْتحِقُّني. ومَنْ لا يَحمِلُ صليبَهُ ويَتْبعُني، فلا يَسْتحِقُّني".

 

حمل إسكوبار صليبه ومضى في طريقٍ اختاره بإرادته الكاملة، باحثاً عن النور الأبدي وحياة التواضع والسلام الداخلي. قادته رحلته في بداياتها من أميركا اللاتينية إلى الولايات المتحدة، قبل أن تنتهي في لبنان، حيث وجد في منحدرات وادي قنوبين ما لم يجده في أي مكان آخر في العالم.

 

في محبسة حوقا، عاش الحبيس إسكوبار حياة نسك قاسية تشبه إلى حدّ بعيد حياة القديس مار شربل التي تأثر بها عميقاً. كان ينام على حجر، كما فعل مار شربل، ويعمل يومياً في الأرض، مقتاتاً من خيراتها القليلة، مكتفياً بما تمنحه له الطبيعة. ويروي الأب أسيا صافي، أن الحبيس كان يقول مازحاً: "أنا والواوي نتقاسم الطعام". 

 

وفي مذكراته التي خطّها بيده، دوّن الحبيس محطات أساسية من رحلته الروحية، ولا سيما ما يتعلق بنذوره الرهبانية.

 

الاب داريو اسكوبار جالسا في فناء محبسته في دير سيدة حوقا في وادي قاديشا في 8 تشرين الثاني 2008 (أ ف ب).
الاب داريو اسكوبار جالسا في فناء محبسته في دير سيدة حوقا في وادي قاديشا في 8 تشرين الثاني 2008 (أ ف ب).

 

أراد عيش خبرة التأمل كما عاشها مار شربل 

لم يكن الحبيس إسكوبار بعيداً عن الحياة الرهبانية، كما يوضح الأب أسيا صافي. فقد كان كاهناً في رهبانية يسوع ومريم، وتلقى تعليمه في علم النفس السريري في كولومبيا، قبل أن ينتقل إلى الولايات المتحدة حيث عمل في هذا المجال بين عامَي 1974 و1990.

 

لكنه ظلّ يشعر بنداء داخلي يدفعه نحو حياة مختلفة. وفي 22 تشرين الثاني 1992، بدأت محطته الرهبانية الجديدة بدخوله مرحلة الابتداء في الرهبانية المارونية. وبعد عام، وتحديداً في 14 كانون الأول 1993، نذر نذوره الأولى، قبل أن يعلن نذوره الأبدية في 17 كانون الثاني 1997 في دير سيدة طاميش، فيما كان يختبر رسالته الروحية في دير كفيفان.

 

في داخله، كانت هناك حياة أراد أن يقتدي بها بكل تفاصيلها. فقد شكّلت سيرة القديس مار شربل شعلة روحية تغذّيه من الداخل، وتدفعه أكثر نحو النسك والصلاة والعزلة. لذلك، قرر الانضمام إلى دير مار مارون عنايا ليعيش خبرة التأمل كما عاشها مار شربل.

 

ستة أشهر فقط، امتدت من 4 كانون الثاني حتى 22 تموز 1999، كانت كفيلة بأن تعمّق اختباره الروحي، وتزيده اقتناعاً وإيماناً بالطريق الذي اختاره لنفسه: التكرس الكليّ لله.

 

الحبيس داريو اسكوبار (أرشيفية).
الحبيس داريو اسكوبار (أرشيفية).

 

ومن دير مار مارون عنايا، انتقل الحبيس إلى دير جنين حيث أمضى سنة كاملة، قبل أن ينتقل بعدها إلى دير مار أنطونيوس قزحيا. وفي 15 آب 2000، بدأت مرحلته الأعمق في حياة النسك، حين توجّه إلى محبسة سيدة حوقا في الوادي المقدس، حيث عاش حياة العزلة والصلاة حتى 19 أيلول 2021.

 

في تلك المحبسة، كرّس سنواته للصمت والتأمل بعيداً عن العالم، مكتفياً بالصلاة والإيمان وحياة التقشف التي اختارها لنفسه منذ سنوات طويلة.

 

لكن السنوات الأخيرة لم تمرّ من دون اختبار قاسٍ. فقد تعرّض لجلطة صحية فرضت عليه مغادرة محبسة حوقا والانتقال إلى محبسة مار بولا، حيث أمضى ما تبقى من حياته حتى صباح 19 أيار 2026، يوم وفاته.

 

ويروي الأب أسيا صافي أنه "عندما وصلنا إلى المحبسة، كان قد أنهى الذبيحة الإلهية"، مشيراً إلى أن هذا المشهد أعاد إلى الأذهان الطريقة التي عاش ورحل فيها القديس مار شربل.

 

اللقاء الأول بالحبيس

أبقى الحبيس إسكوبار اختباراته الروحية لنفسه، ولم يُفصح عنها حتى في مذكراته التي دوّنها بخط يده. ويسترجع الأب أسيا لقاءه الأول بالحبيس، قائلاً: "في 17 كانون الثاني 2006، كان لقائي الأول به، وبعد سنتين، كنتُ في بداية مسيرتي الرهبانية في الإكليريكية الصغرى. يومها، وبين مجموعة من الشباب والشابات، سألني: هل ستكون راهباً أم كاهناً؟ فأجبته: سأكون راهباً. واليوم فقط أفصح عن هذا الحوار الذي دار بيني وبينه".

 

لم ينسَ الأب آسيا ذلك اللقاء الأول، ولا الكلمات التي قالها له الحبيس يومها، حين كان لا يزال في الخامسة عشرة من عمره: "الالتزام بالوقت هو نوع من القداسة". عبارة رافقته طوال حياته، لأن الحبيس نفسه كان يعيشها بكل تفاصيلها؛ فقد اعتاد الاستيقاظ للصلاة عند الرابعة فجراً، وبقي متمسكاً بالذبيحة الإلهية حتى آخر نفس من حياته.

 

في الأشهر الأربعة الأخيرة من عمره، اتخذ الحبيس قراراً ألّا يرى أحداً نهائياً، وقطع كل صلة بالعالم الخارجي والناس، لا كرهاً بهم، بل، كما كان يردد، "إيماناً بالمسيح ووصيته".

 

اليوم، تتجه الأنظار إلى ما ستحمله الأيام المقبلة، وإلى الأمنية التي يحتفظ بها في قلبه كل من عرف الحبيس: أن تُعلَن قداسته يوماً للعالم.

 

وعلى مرتفعات وادي قاديشا، بين الصخور والمحابس التي شهدت على حياة رهبان اضطُهدوا باسم المسيحية، يبقى الأمل بأن يظل هذا الجبل يبعث رائحة البخور والصلاة. 

الأكثر قراءة

لبنان 5/18/2026 12:00:00 AM
تحدثت معلومات ديبلوماسية عن أنّ لبنان تبلّغ عبر سفارته في واشنطن طرحاً يرتبط بمساعٍٍ لتحقيق وقف تام وشامل لإطلاق النار خلال 24 إلى 48 ساعة من منتصف ليل السبت - الأحد بين "حزب الله" وإسرائيل...
لبنان 5/19/2026 2:15:00 PM
اعتماد أحكام القانون الرقم 194 الصادر عام 2011 بالنسبة إلى المبعدين، واعتبار أحكامه نافذة
مجتمع 5/18/2026 8:51:00 AM
حضرت القوى الأمنية والأدلة الجنائية إلى المكان للتحقيق
مجتمع 5/18/2026 10:32:00 AM
البطريرك المزعوم جان عبود هو كاهن روم كاثوليك سابق تابع لأبرشية طرابلس، كان قد تم توقيفه من الخدمة الكهنوتية وفُرضت عليه العقوبات الكنسية.