مكتبات أحرقتها حرب إسرائيل على الذاكرة: لبنانيون يَرْثُون نسخاً نادرة من ثقافتهم
بأسى، يُحصي محمد الكتب التي خسرها بين هذه الحرب والحرب السابقة. نحو خمسة آلاف كتاب كانت تملأ رفوف المكتبة، تحوّلت اليوم إلى أوراق محترقة وركام مدفون تحت أنقاض المنزل المدمّر.
مكتبة فيلوسوفيا التي تضررت جراء القصف الإسرائيليفي حارة حريك في 14 آذار 2026 (النهار)
على مدى 18 عاماً، خاض عباس فقيه، صاحب مكتبة "فيلوسوفيا"، رحلة طويلة في اقتناء الكتب وتجميعها وبيعها. هو الذي درس الهندسة الكهربائية، وجد نفسه بالصدفة في عالمٍ لم يتوقع يوماً أن يستحوذ عليه إلى هذا الحد، حتى بات مستعداً للتخلي عن كل شيء من أجل الكتب.
الكتب التي جمعها على مرّ السنوات لم تكن عادية. بعضها طبعات أولى نادرة، وأخرى مخطوطات مكتوبة بخط اليد. يستذكر بأسى كتاب "خواطر" الذي جمع بين موسى الصدر وكمال جنبلاط وغسان تويني، ويقول إن تعويضه مستحيل. ويتحدث عن مخطوطات بخط يد محمود درويش وسميح القاسم وأمل دنقل، وهي مقتنيات نادرة كانت من الأسباب التي دفعته إلى شراء كامل لـ"دار العودة"، حفاظاً على هذا الإرث الثقافي.
لكنّ هذا الكنز الذي كان عباس يفتخر بجمعه، احترق بالكامل داخل المستودع في مبنى استهدفته غارة إسرائيلية في حارة حريك ببيروت. ويؤكد أن المكتبة احترقت جزئياً، لكنّ "الخسارة الأكبر كانت في المستودع… احترقت كل الكتب، ولم أستطع إنقاذ أي منها"، رغم مجازفته بالوصول إلى المكان بعد الغارة بقليل.
خسر عباس أكثر من 20 ألف كتاب، في انتكاسة يصفها بأنها موجعة ولم يكن يتخيّل أن يعيشها يوماً بهذا الشكل. ولم يكن وحده من تكبّد هذا الفقد الثقافي، إذ امتدت الخسارة إلى شركائه في المستودع، بينهم "مركز الحضارة"، إلى جانب احتراق مستودع آخر لـ"مؤمنون بلا حدود".
مكتبة فيلوسوفيا في حارة حريك قبل تضررها (النهار)
تدمير 13 مكتبة عامة في لبنان
وُصفت هذه الحرب بأنها حرب على الذاكرة والثقافة. فبرغم الحماية التي يوفّرها القانون الدولي للمكتبات ومحتوياتها خلال النزاعات المسلحة، ولا سيما بموجب اتفاقية لاهاي لعام 1954 التي تُعدّ المرجعية القانونية الأساسية لحماية الممتلكات الثقافية، والتي تحظر أي أعمال عدائية تستهدف المكتبات والأرشيفات ومراكز التوثيق، بما في ذلك المخطوطات والوثائق النادرة، فإن الواقع يعكس مستوى قاسياً من التدمير طال هذا الإرث الثقافي.
وأكدت وزارة الثقافة اللبنانية لـ"النهار" أن "الحرب أدت إلى تدمير 13 مكتبة عامة في لبنان، بينها 5 دُمّرت بالكامل، فيما تعرضت 8 مكتبات أخرى لأضرار جزئية أو أُقفلت وهُجرت بسبب النزوح".
يرى وزير الثقافة غسان سلامة، في حديثه لـ"النهار"، أن المنشآت الثقافية لم تكن استثناءً من حملة التدمير الممنهجة التي يشهدها الجنوب، والتي طالت المدارس والجامعات والمساجد والكنائس. ويقول إن "المكتبات أيضاً كانت ضحية هذا التدمير".
ويشير سلامة إلى أن خمس مكتبات تعرضت لتدمير كامل في مركبا ومجدل سلم وعيترون والطيبة وبنت جبيل، معرباً عن حزنه العميق لهذه الخسائر، ولا سيما في الطيبة وبنت جبيل. ويوضح أن مكتبة بنت جبيل كانت تقع في موقع أثري يُعرف بـ"السراي الكبير"، وقد نُقلت إليه بعد حرب 2006 التي دمّرت المكتبة السابقة، "وكنت من المساهمين في إنشائها"، على حدّ قوله. أما مكتبة الطيبة، فكانت خسارتها مؤلمة بشكل خاص، بعدما كانت أعمال ترميمها قد انتهت، وكان يُفترض افتتاحها قبل اندلاع الحرب الحالية.
وزير الثقافة غسان سلامة
ويلفت الوزير أيضاً إلى تضرر مكتبات أخرى جزئياً في الهرمل وجباع وكفررمان ومعركة والنبطية والنبي شيت وغيرها. وبرغم هذا الوجع، يؤكد تمسكه بإعادة بناء هذه المكتبات وحمايتها، كما حصل بعد الحروب السابقة، مشيراً إلى أن المهمة ستكون شاقة، بدءاً من رفع الركام وصولاً إلى إعادة الترميم والبناء.
ويختم بالتأكيد أن هذه المناطق، التي شهدت تدمير بيوتها ومكتباتها، "لن تقبل أن تبقى من دون مكتبات ومراكز ثقافية تعيد إليها الحياة بعد عودة سكانها".
"كنتُ اتمنى إنقاذ هذا الكتاب"
بدأت حكاية الكتب مع عباس عندما عمل خلال عطلة الصيف في إحدى دور النشر. منذ اللحظة الأولى، شعر كما يقول، بأن "هناك كيمياء خاصة بيني وبين الكتاب. وجدتُ في المكتبة ما كنت أفتقده". هكذا بدأت علاقته بعالم الكتب قبل أكثر من 22 عاماً، إذ أغواه بيع الكتب وشراؤها، حتى بات يحب أن يُعرّف عن نفسه بلقب "بائع الكتب".
يستعيد عباس بداياته مع القراءة، متذكراً أول كتاب قرأه لمالكوم أكس من مكتبة بيسان، والذي جذبه إلى عالم الفكر الغربي. ويحتفظ حتى اليوم بنسخة من كتاب "زوربا اليوناني"، فهذا الكتاب على حد قوله "أثّر فيّ كثيراً، وما زلت أعود إليه بين الحين والآخر".
ويكشف أن أكثر ما كان يتمنى إنقاذه هو نسخة أولى من رواية "البؤساء" لفيكتور هوغو، تعود إلى أكثر من 110 سنوات ومؤلفة من خمسة أجزاء.
دمار جزئي لمكتبة فيلوسوفيا بعد تعرضها للقصف الاسرائيلي في حارة حريك (النهار)
ولا يختصر عباس خسارته في البعد المادي، التي تُقدّر بين 200 و250 ألف دولار، بل يصرّ على أنها أولاً "خسارة ثقافية وفكرية"، أشبه ما تكون على حد تعبيره بـ"إبادة جزء من الذاكرة والتاريخ". ويصف شعوره "كأنني خسرت صديقاً عزيزاً. عندما رأيت الكتب تحترق، شعرت كأنني أشاهد أحد أولادي يُفقد أمامي… فهي جزء مني".
النملية التي أصبحت جزءاً من العائلة
من عباس إلى الشاعر محمد ناصر الدين، تمتدّ رحلة من الخسارات الصغيرة والكبيرة مع الكتب، تفاصيلها مثقلة بوجعٍ لا يمكن تعويضه. حكايات مختلفة تجمعها ذاكرة الورق، وما تركته الحرب من فراغٍ في أرواح أصحابها قبل رفوف مكتباتهم.
ترعرع ناصر الدين في بيتٍ جنوبيّ أحبّ الكتب والمطالعة، حيث كبرت علاقته بالقراءة على رائحة الورق وشغف اقتناء الكتب، في تقليد ورثه عن والده الذي كان مولعاً بهذا العالم.
عندما غادر والده قريته الجنوبية إلى المدينة، عمل في وظيفة صغيرة خلال الصيف لمساعدة عائلته، وهناك بدأت حكايته مع الكتب. يروي محمد: "بدأ والدي ببيع الكتب في العازارية مع صديقه خليل عواد، صاحب المكتبة العلمية اليوم". ومنذ ذلك الوقت، أخذ شغفه يكبر مع كل كتاب كان يشتريه من مصروفه القليل، إلى أن بدأ جدّ محمد يحتفظ بهذه الكتب داخل "النملية"، التي تحوّلت مع السنوات إلى ذاكرة متنقلة ترافق العائلة من منزل إلى آخر.
لم تعد "النملية" مجرد خزانة خشبية، بل صارت جزءاً من تاريخ العائلة، قبل أن يحقق الوالد حلمه بإنشاء مكتبته الخاصة، التي ضمّت كتباً نادرة وطبعات أولى وإصدارات استثنائية. ومن بين مقتنياتها مكتبة فرنسية كاملة تضم نحو خمسة آلاف كتاب، تعود إلى موريس توبي، أحد آخر اليهود الذين سكنوا وادي أبو جميل. اشتراها والد محمد في الثمانينيات، بعدما كانت مهددة بالضياع والاحتراق، رغم أن ثمنها كان يعادل يومها سعر شقة في الحمرا. لكن بالنسبة إليه، لم يكن يشتري كتباً فقط، بل كان يحاول إنقاذ ذاكرة كاملة من الزوال.
المكتبة الخاصة بالشاعر محمد ناصر الدين
هذه المكتبة، التي عُرفت داخل المنزل باسم "غرفة اليهودي"، لم تنجُ من الحرب. ففي القصف الإسرائيلي على بئر العبد، احترق جزء كبير منها، بما فيه كتب فرنسية نادرة وأعمال لألبير كامو وجان بول سارتر، إلى جانب مؤلفات توثق للفكر والثقافة الفرنسية منذ عشرينيات القرن الماضي.
ولإنقاذ ما تبقى، نقل محمد ناصر الدين، الكتب والمجلات الثقافية اللبنانية، مثل "شعر" و"مواقف" و"الطريق" و"الآداب"، إلى منزل العائلة في بلدة سجد بقضاء جزين. لكن الملاذ الأخير لم ينجُ بدوره. وفق محمد "هذا الحلم الجزئي الذي احتفظنا به في منزل الضيعة، تحوّل اليوم إلى ركام بعدما قصفته إسرائيل".
كل كتاب له قصّة
كان محمد يتابع عبر هاتفه صور الدمار الذي حوّل منزله إلى ركام. وبين صورة وأخرى، كانت ذاكرته تعود إلى الكتب التي خسرها، تلك الطبعات القديمة والنادرة التي أمضى سنوات في جمعها. يستذكر بأسف أعمال الكاتب يوسف إدريس، ويقول: "كل جزء من هذه الثلاثية اشتريته من بلد مختلف. أما كتاب الشاعرة أليخاندرا بيثارنيك، فسافرت حتى حدود إسبانيا لأشتريه". كانت مكتبته رحلة عمره بكل فصولها وتجاربها.
لم يبق سوى الركام من منزل الشاعر محمد ناصر الدين ومكتبته
بالنسبة إليه، هذه الحرب تبدو كأنها قائمة على محو هذه القصص. والدليل الأكبر هو الاستهداف المتكرر للمكتبات، ودور النشر، ومنازل الجنوبيين كافة الذين لا علاقة لهم بالقتال.
بأسى، يُحصي محمد الكتب التي خسرها بين هذه الحرب والحرب السابقة. نحو خمسة آلاف كتاب كانت تملأ رفوف المكتبة، تحوّلت اليوم إلى أوراق محترقة وركام مدفون تحت أنقاض المنزل المدمّر. يعترف أن "هذه الخسارة لا يمكن تعويضها، شعرتُ بأن هذه الكتب عاجزة عن الدفاع عن بيتي أو عني".
كتب الشاعر محمد ناصر الدين تحت الأنقاض (النهار)
مسح لذاكرة... مقتلة
بدأت قصة الشاعر ناظم السيد مع الكتب في الحرب ويظنها ستنتهي في الحرب. يروي قائلاً: "ولدتُ مع اندلاع الحرب الأهلية في لبنان، كان لنا بيت صغير في بنت جبيل مؤلف من غرفة واحدة ومطبخ وحمام. عام 1978 سقطت قذيفة على سقف البيت واخترقته. كان عمري وقتها ثلاث سنوات".
في عام 2006، دُمّر البيت نفسه لتُعيد العائلة بناءه أسوة ببقية أهالي بنت جبيل. وفي هذه الحرب استهدفت إسرائيل البيت الذي بناه ناظم لكن هذه المرة كما يقول "كان يحوي مكتبتي المنزلية التي تضم نحو ثمانية آلاف كتاب باللغة العربية متنوّعة ما بين الأدبين العربي والعالمي والمسرح والنقد والدين والتاريخ والسياسة والرسم والعمارة وغير ذلك مما تحويه مكتبة جُمعت على مدى أكثر من خمس وثلاثين سنة".
"أباد جيش الاحتلال الإسرائيلي مدينتي بنت جبيل وأباد معها مكتبتي التي بدأتُ بجمعها منذ كنت في الثانية عشرة من عمري. لم تكن مكتبة ورثتها عن أبي وأمي الأميّين. كانت مكتبة جمعتها كتاباً كتاباً".
كتب جمعها الشاعر ناظم السيد في منزله (النهار)
يسترجع ناظم طفولته ولقاءه الأول بالكتاب، "كنتُ صغيراً حين تهجرت عائلتي واضطررنا للعيش تحت محطة للبنزين في منطقة الزهراني جنوب لبنان. المحطة، هذا المكان المؤقت بالنسبة إلى الآخرين، كانت بيتي. هنا في هذا البيت المؤلف من غرفتين صغيرتين بأبوابه المخلعة وزجاج نوافذه المكسورة وجدرانه الرطبة بسبب موقعه تحت الأرض عشت طفولتي ومراهقتي. كان عليَّ كل مرة أن أصعد درجات بيتنا للوصول إلى كوكب الأرض. كنا نعيش في الأسفل حيث الأشياء الميتة إلى أن وجدت شيئاً يتحرّك هناك، شيئاً حياً في عائلة الأمّيين، عائلتي. كان هذا الشيء هو الكتاب نفسه".
ذات يوم، عثر ناظم على كتاب ممزق، حمله إلى البيت واكتشف أنه رواية مفقودة صفحاتها الأولى والأخيرة. كانت رواية عن الثورة الفرنسية. يعترف أن "تلك الرواية تركت لديّ انطباعاً ثابتاً بأن كل كتاب لا يبدأ من مكان ولن ينتهي إلى مكان. كل كتاب ناقص. على القارئ دائماً أن يكمل تأليف الكتاب".
في مكتبة الشاعر ناظم السيد كتب نادرة، وبعضها طبعة أولى من دور نشر لم تعد موجودة
هكذا أصبح الكتاب بيته، كان يجمع "خرجية" المدرسة ويمشي مسافة خمسة كيلومترات حيث أقرب مكتبة ليشتري كتباً. بدأ بدواوين الشعر الجاهلي والمعلقات قبل أن ينتهي إلى عناوين كتب مختلفة. لاحقاً كما يؤكد ناظم "بدأت أغزو المكتبات من جنوب لبنان إلى شماله جامعاً كتباً ثمينة، حتى أصبح عندي مئات الكتب النادرة من نوعية الطبعة الأولى والصادرة عن دور نشر لم تعد موجودة اليوم مثل دار المكشوف ودار مجلة شعر".
أكثر من خمس وثلاثين سنة أمضاها الشاعر في جمع الكتب حتى أصبح عنده مكتبة (بدل البندقية) كان ينقلها من بيت إلى بيت، إلى أن استقر في بيت أهله في بنت جبيل بسبب سفره إلى الولايات المتحدة حيث عمل في الإعلام ودرس في ثلاث جامعات من بينها جونز هوبكنز وهارفرد.
كيف أصبحت فجأة "مقصوف العمر"؟
يعترف ناظم قائلاً "أدرك أن صوتي لا يزال بين تلك الكتب التي أبيدت. تدمير مكتبة منزلية ليس أقل من إبادة شخصية، مجزرة في حق شخص واحد بأصوات أمم وألسنة شعوب. أن تباد مكتبة شخصية ليس فعل مسح لذاكرة فرد فحسب، بل مقتلة".
ويقرّ بأن الجيش الإسرائيلي أباد "كتبي بالطريقة نفسها التي أباد بها عائلات بأكملها وأطفالاً ونساءً ومسنّين ومواطنين أبرياء لم يكن في مقدورهم الدفاع عن أنفسهم، أو حتى الاعتراض على قتلهم، تماماً مثل كتبي التي اغتيلت صامتة حيث اختنقت كل الأصوات التي فيها تحت هذا الردم البارد مثل مقابر ديسمبر".
في منزل الشاع ناظم السيد في بنت جبيل، كتب محفوظة داخل علب كرتون أصبحت اليوم رماداً (النهار)
ليس في مكتبته التي اغتيلت كتبٌ فقط. كل القصائد التي كتبها في مراهقته ومطلع شبابه موجودة في تلك المكتبة. يشير إلى أن فيها "نحو مئة قصيدة كتبتها وفق عروض الفراهيدي ومخطوطة ديوان يحوي قصائد تفعيلة".
في تلك المكتبة أيضاً "كل أرشيفي الصحافي، مئات المقالات التي كتبتها لم يعد في مقدوري الحصول عليها. ضاعت كما ضاعت قصائد المراهقة والحب الأول. لقد دفنت تلك القصائد والمقالات ودفنت معها عمراً لن يعود. أنا الآن حرفياً "مقصوف العمر". أنا يتيم سنوات ميتة".