اليوم الأسود في تلة الخياط: شهادات من تحت الأنقاض
عُثر على خاتون وزوجها محمد كريشت في اليوم التالي للغارة. رحلا كما لو أن الحياة انطفأت فجأة، تماماً كما كتبت في ديوانها "آخر نزلاء القمر"، إذ انتهت حكايتهما في لحظة لم يتوقعها أحد. وكانت كلمات الشاعرة والرسامة سوزان عليوان أشبه برثاءٍ مفتوح حين كتبت: "بالأمس قُتلت حبيبتي وصديقتي الشاعرة خاتون سلمى في الغارة الإسرائيلية على بناية تلة الخياط في بيروت. انهار المبنى بها وعليها بعد ساعات قليلة من محادثتنا الأخيرة. آخر ما تركته لي كان إيموجي قلب أحمر على طرف رسالتي. رحلت خاتون كالريشة… مع الغيمة، مع الغروب".
رحلت خاتون وزوجها، ومعهما كثيرون، وبقي الركام على أطراف المبنى شاهداً على بشاعة المجزرة التي استهدفت تلة الخياط عند السادسة والنصف مساءً، في توقيت مختلف عن الغارات التي ضربت بيروت ابتداءً من الثانية والربع بعد الظهر، وكأن النهار نفسه انقسم إلى فصول متلاحقة من الفقد.

وفق روايات سكان المنطقة، سقطت أربعة صواريخ على مبنى شهاب في تلة الخياط، انفجرت ثلاثة منها فيما لم ينفجر الرابع. خلال لحظات، انهار جزء كبير من المبنى الذي يزيد عمره عن سبعين عاماً، كأنّه ورقة خفيفة، وأسقط معه أجساداً كانت تجلس في منازلها بهدوء. المبنى المؤلف من تسعة طوابق، يضم في كل طابق شقتين، انشطر إلى نصفين: جزء سُوّي بالأرض، فيما بقي الجزء الآخر معلّقاً، كوجعٍ صامت لا يتحرّك.
ما ميّز مجزرة تلة الخياط، التي أسفرت عن 19 قتيلاً و22 جريحاً، لم يكن حجم الخسائر فحسب، بل توقيتها أيضاً. فالاستهداف لم يندرج ضمن موجة الغارات المئة التي نُفّذت عند الثانية والربع بعد الظهر، بل جاء لاحقاً، عند السادسة والنصف مساءً، بعد أن ظنّ كثيرون أن الكابوس انتهى.
إسرائيل أعلنت أن الغارة استهدفت شخصية قيادية في "حزب الله"، فيما أشارت تقارير إلى شقة تعود الى شقيقة الأمين العام للحزب الشيخ نعيم قاسم في هذا المبنى. غير أن هذه الرواية اصطدمت بشهادات السكان، الذين أكدوا أن المبنى كان مأهولاً بعائلات تقطنه منذ عقود. ويقول أحدهم: "حتى لو صحّ هذا الادعاء، فإن ما جرى لا يمكن تبريره… قُتل أبرياء، وسقط مبنى كامل بطوابقه التسعة على من فيه".
عُثر على جمثانها بعد 4 أيام
تتوالى الشهادات عن سكان المبنى، الذين تحوّلت حياتهم في لحظة إلى أسماء على أوراق النعي، وصور معلّقة تؤكد أنهم كانوا هنا يوماً. حكايات يومية عادية انتهت فجأة، من دون إنذار.
أربعة أيام متواصلة من البحث قبل أن يُعثر على عاملة بنغالية كانت مفقودة تحت الأنقاض. كانت الجثة الأخيرة التي انتُشلت من المبنى، بعد أن اضطرت البلدية إلى إعادة فرش الركام والتنقيب مجدداً للوصول إليها. في المقابل، لم ينجُ صاحب مبنى شهاب، فيما كُتبت النجاة لزوجته. ثوانٍ معدودة كانت كفيلة رسم مصائرٍ متباينة، بين من نجا ومن رحل بلا عودة.
وفي سياق الخسائر، نعى الإعلامي جمال فياض ابنة خالته عفاف الصيداوي وإبنها حسن الصبّاغ، وكتب: "ابنة خالتي عفاف الصيداوي، وابنها رفيق الطفولة والصبا والأيام الحلوة حسن الصبّاغ… قتلتهما الصواريخ الإسرائيلية أمس في تلة الخياط، من دون مبرر ولا سبب".

"اشلاء عزيزة عليك"
يعمل خضر حمود منذ نحو 40 عاماً في شركة مقاولات وهندسة تقع في مبنى شهاب في تلة الخياط، وهو المبنى الذي استُهدف في الغارة الأخيرة. في ذلك اليوم، كانت الساعة تقترب من الرابعة والنصف بعد الظهر عندما غادر نحو 40 موظفاً مقر الشركة، فيما بقي صاحبها وابنه وخضر، إضافة إلى عامل بنغالي.
عند الساعة السادسة إلا عشر دقائق، غادر الجميع، ولم تمضِ عشرون دقيقة حتى دوّى انفجار كبير هزّ المنطقة. يقول خضر في حديث الى "النهار": "لو حصلت الضربة في توقيت الغارات الأولى عند الظهر، لكنا شهدنا مجزرة حقيقية".
حين وقع الانفجار قرابة السادسة والنصف، كان خضر في منطقة برج أبي حيدر. وما إن علم بموقع الاستهداف حتى عاد مسرعاً، ليكتشف أن المبنى المستهدف هو مكان عمله: "لا يمكن وصف ما رأيته… كانت فاجعة بكل ما للكلمة من معنى".
لا يغيب عن ذاكرته شيء من التفاصيل. يعترف: "من الصعب أن ترى أشلاء تعود الى أشخاص أعزاء عليك، والنار التي اندلعت قبل وصول الدفاع المدني، وأصوات سيارات الإسعاف… كل هذه المشاهد تبقى محفورة في الذاكرة".

كانت هذه المرة الأولى التي تُستهدف فيها المنطقة، ما أحدث صدمةً وحالة ذعر واسعة بين السكان، إذ لم يكن أحد يتوقع الضربة. ويوضح خضر: "لم نكن قادرين على التعرّف إلى بعض الجثث بسبب قوة الانفجار… كنا أمام مشاهد قاسية جداً".
بالنسبة إلى خضر، لم تكن تلة الخياط مجرد مكان عمل، بل مساحة حياة يومية امتدت لأكثر من أربعين عاماً. يُعبر قائلاً: "أنا ربيت وكبرت وعشت هون… أكثر من 40 سنة وأنا أعمل في هذه الشركة". كان يحفظ عن ظهر قلب تفاصيل الشارع، والغبرة، ووجوه الناس، وكل زاوية من الحي، قبل أن تُمحى هذه الذاكرة بأربعة صواريخ حوّلت جزءاً كبيراً من مبنى شهاب إلى ركام متناثر، مع كل ما كان يحمله من ذكريات وسكان.
تاريخ تلة الخياط
هذه المنطقة التي كانت في الأصل شبه ريفية كما يؤكد الباحث الدكتور زكريا الغول، الحائز على دكتوراه في التاريخ السياسي، كانت تقع خارج بيروت القديمة. تميزت بارتفاعها ما جعلها موقعاً استراتيجياً من الناحية البيئية والعمرانية. في أواخر العهد العثماني، بدأت العائلات البيروتية الميسورة تتجه للسكن فيها.
ومع دخول مفاهيم التنظيم العمراني الحديث، استُخدمت التلة في مشاريع البنية التحتية، ولا سيما منها خزانات المياه. لكن في حقبة الانتداب الفرنسي، بدأت تتحول إلى حي سكني أكثر انتظاماً، قبل أن تشهد بعد الاستقلال توسعاً عمرانياً كبيراً مع انتشار الأبنية الحديثة، ما أدّى إلى تبدّل تدريجي في بنيتها الاجتماعية.

هذه المنطقة، التي لطالما عُرفت برقيّها وهدوئها، كانت على موعد في 8 نيسان مع مشهد مختلف تماماً، حين سقط جزء كبير من مبنى شهاب على الأرض، على مقربة من بقعة قريبة من التراب الأحمر الذي كان يميّز التلة قبل أن تُشق الطرق ويُعاد صوغ ملامحها العمرانية في السنوات الأخيرة. في تلك البقعة الجغرافية، وبين الأبنية الراقبة كتبت تلة الخياط قصة موجعة بأسماء سكانها.
"للحظة ظننا أن النهاية قد حلّت"
على مقربة من موقع الانفجار، يروي ناطور أحد المباني "صوت عصف الصاروخ كان مرعباً… لم نستوعب ما حدث. انبطحنا أرضاً بعد سقوط الصاروخ الأول، ولم تمضِ دقائق حتى غطّى الدخان الأسود الحيّ بالكامل".
بعد انقشاع حالة الهلع الأولية واستيعاب ما جرى، خرج الناطور من المبنى ليكتشف حجم الدمار الذي خلّفته الغارة. يقول: "ركضت أولاً نحو امرأة كانت على الأرض ومعها طفلها الصغير، ساعدتها ثم تابعت طريقي إلى مكان الانفجار. لم نقترب كثيراً لأن فرق الإنقاذ كانت في الطريق، لكننا بقينا نراقب بخوف وصدمة كل ما يحدث".
وكما يُجمع عدد من السكان، فإن أحداً لم يكن يتوقع أن تطاول الغارات هذه المنطقة تحديداً. وقد انعكست هذه الصدمة عملياً بعد مغادرة بعض الأهالي منازلهم، إذ بات شعور الأمان غائباً في أي مكان.

عاد الناطور إلى مبناه ليبدأ بكنس الزجاج المتناثر، في محاولة لترميم ما يمكن ترميمه. ورغم أن الأضرار في المبنى الذي يسكنه كانت محدودة مقارنة بالمباني المجاورة للموقع المستهدف، إلا أنه يعترف: "عشنا رعباً حقيقياً… للحظة ظننا أن النهاية قد حلّت".
وبينما نتابع السير بين المباني المجاورة، في محاولة لسماع الشهادات وتتبع قصص الضحايا وسط الركام، يروي أحد العاملين في المنطقة لحظات فاصلة بين الحياة والموت. يقول: "كنت موجوداً قبالة المبنى المستهدف. كنت أعمل في الحي، قبل أن أغادر بسبب أن الوضع في بيروت لم يكن مطمئناً بعد الغارات التي استهدفت مناطق عدة في لبنان".

"إجرام مقصود"
عشر دقائق فقط كانت كفيلة تغيير كل شيء. عند لحظة الانفجار، كان يبعد نحو 200 متر عن الموقع، ولم يستوعب الصدمة. كان هناك قبل لحظات قليلة فقط، ولا تزال سياراته المتضررة حتى اليوم واقفة قبالة المبنى المستهدف.
يصف الشارع الذي شهد الإعتداء بأنه "راقٍ وهادئ جداً"، مضيفاً: "أن يسقط صاروخ في مكان كهذا هو صدمة في ذاتها". واليوم، بات الشاب يعيش حالة خوف ممتد، لا تقتصر على هذه المنطقة فحسب، بل تمتد إلى كل لبنان. يعترف: "إذا كانت هذه المنطقة قُصفت، فما الذي يمنع أن تُقصف مناطق أخرى نعتبرها أيضاً آمنة؟".
هذه الأرض التي وُلد فيها، وترعرع بين أحيائها، ويعيش فيها حتى اليوم، تحوّلت إلى شاهد على مجزرة قاسية. بالنسبة إليه، هذه هي المرة الأولى التي يرى فيها دماراً بهذا الشكل وخسارة أرواح بهذه الكثافة "إجرام مقصود".
ويختصر الشاب ذلك اليوم في تلة الخياط بتشبيه أقرب إلى المشهد الأليم: "ما نراه في الأفلام عن الكوارث، امرأة ملفوفة ببطانية، صراخ نساء، بكاء أطفال، دماء، وصفارات إسعاف، رأيناه اليوم بأعيننا، على أرض الواقع".
نبض