المسعفون في الميدان... كيف عاشوا "الأربعاء الأسود" في لبنان؟

تحقيقات 10-04-2026 | 09:05

المسعفون في الميدان... كيف عاشوا "الأربعاء الأسود" في لبنان؟

تعمل فرق الإنقاذ في ظروف بالغة الصعوبة، وسط ركام كثيف، وممرات ضيقة، وحرائق لا تزال مشتعلة في بعض النقاط.
المسعفون في الميدان... كيف عاشوا "الأربعاء الأسود" في لبنان؟
مستشفى في بيروت يستقبل ضحايا المجازر الإسرائيلية الأربعاء (أ ف ب).
Smaller Bigger

لم تهدأ أصوات سيارات الصليب الأحمر والدفاع المدني الأربعاء، وهي تشقّ طرقات بيروت وضواحيها على وقع الدمار. نحو مئة سيارة إسعاف تابعة للصليب الأحمر اللبناني اندفعت بين الركام والأبنية المدمّرة، في سباق مع الوقت لإخلاء الجرحى وانتشال الضحايا، عقب موجة عنيفة من الغارات الإسرائيلية بلغت نحو 100 غارة خلال عشر دقائق فقط وأدت وفق وزارة الصحة إلى سقوط 203 شهداء وأكثر من 1000 جريح.  وحتى اللحظة، لا تزال فرق الدفاع المدني تواصل عمليات البحث تحت الأنقاض، في محاولة للوصول إلى عالقين لم يُعرف مصيرهم بعد.

 

عشر دقائق كانت كفيلة بإعادة مشهد الدمار إلى الذاكرة الجماعية، مستحضرةً لحظة انفجار مرفأ بيروت في الرابع من آب، وما رافقها من فوضى ودمار، أو حتى مشاهد تفجيرات" البيجر" التي حوّلت المستشفيات والطرقات في لحظات إلى ساحات مكتظة بالإصابات الحرجة.

 

سباقٌ مع الوقت تخوضه فرق الاستجابة الأولية بين الميدان والمستشفيات، في محاولة لانتشال العالقين من تحت الركام والوصول إلى المناطق المستهدفة، بالتوازي مع إدارة تدفّق الإصابات وفق خطط الطوارئ، وتأمين وحدات الدم اللازمة لإنقاذ المصابين.

 

لم يكن المشهد عادياً في الميدان. نحو ألفي عنصر من الدفاع المدني تركوا خلفهم كل شيء، ونزلوا إلى الأرض حيث الخطر والركام، بحثاً عن حياة عالقة تحت الأنقاض. من جونيه والبترون وأنطلياس وجبيل، توجهوا مسرعين نحو بيروت والضاحية، فيما امتدت الأيدي الأخرى إلى زحلة والهرمل وشمسطار، وصولاً إلى النبطية وصيدا… كأن الوطن كلّه تحرّك دفعة واحدة ليحاول إنقاذ نفسه.

 

 

 

 

في تلك اللحظات، لم تكن سيارات الإسعاف مجرد آليات، بل نبض يتحرّك في الشوارع المدمّرة. أكثر من 100 سيارة إسعاف للدفاع المدني شقّت طريقها بين الركام، في سباقٍ مع الوقت لإنقاذ الجرحى، في عمليات نقل لم تهدأ منذ اللحظة الأولى.

 

ومعها، انتشرت أكثر من 200 آلية في بيروت وضواحيها، تلبّي نداء الطوارئ وسط مشهد يختلط فيه الغبار بالدم، والصراخ بالأمل.

 

أما الصليب الأحمر، فكان حاضراً على امتداد الوطن، بما يقارب 250 سيارة إسعاف توزعت بين بيروت وضواحيها (125 سيارة) وصيدا والهرمل والبقاع (125 سيارة أخرى). كانت الطرقات تعجّ بصوت صفاراتها… صوتٌ واحد يختصر كل شيء: محاولة إنقاذ ما تبقّى من حياة.

 

 

مسعفون على ركام المبنى المدمر الذي استهدفته الطائرات الإسرائيلية في تلة الخياط مساء أمس. (نبيل اسماعيل)
مسعفون على ركام المبنى المدمر الذي استهدفته الطائرات الإسرائيلية في تلة الخياط مساء أمس. (نبيل اسماعيل)

 

 

في حيّ السلم، إحدى أكثر المناطق تضرراً، لا يزال العميد عماد خريش في الميدان منذ ساعات طويلة، حيث استهدفت ثلاث غارات مواقع مختلفة تفصل بينهما دقائق معدودة. ومن قلب الموقع، يؤكد في حديثه لـ"النهار" أن فرق الدفاع المدني "تعمل منذ الأربعاء من دون توقف لانتشال العالقين والضحايا من تحت الركام، عدد الإصابات كبير بسبب الكثافة السكانية في هذه المناطق".

 

وفي مشهد يزيد من قسوة الواقع، يلفت خريش إلى أن "عدداً من الجثث لا يزال تحت الأنقاض، ولم نتمكن بعد من الوصول إليها"، موضحاً أن فرق الإنقاذ تعمل في ظروف بالغة الصعوبة، وسط ركام كثيف، وممرات ضيقة، وحرائق لا تزال مشتعلة في بعض النقاط.

 

إصابات بليغة غالبيتها في الرأس

في مستشفى رفيق الحريري الحكومي، القريب من بئر حسن، تكدّست الإصابات الخطيرة تباعاً، فارضةً واقعاً إسعافياً قاسياً بعد الغارات الإسرائيلية العنيفة التي استهدفت أحياء سكنية في بيروت.

 

تروي صفا بليق، الممرضة المجازة ضمن فريق منظمة أطباء بلا حدود في المستشفى، اللحظات الأولى قائلة "عند الساعة الثانية وخمس دقائق، شاهدنا سحابة بيضاء قبل أن نسمع دوي انفجار قوي، لتبدأ بعدها سيارات الصليب الأحمر بالتوافد إلى قسم الطوارئ. كانت الإصابات بالغة الخطورة، وخسرنا أربعة أشخاص بين أيدينا رغم كل المحاولات لإنقاذهم".

لم تكن الإصابات اعتيادية، بل وُصفت بمعظمها بالحرجة، تركزت في الرأس والأطراف. وتوضح بليق "استقبلنا مريضاً فقد ساقيه بالكامل، إضافة إلى إصابته بشظايا في مختلف أنحاء جسده. معظم الحالات كانت تعاني من جروح عميقة وخطرة".

 

وخلال ساعات قليلة، بين الثانية بعد الظهر والخامسة، استقبل قسم الطوارئ أكثر من 40 مصاباً، نحو 85 في المئة منهم حالاتهم خطرة. وتشبّه بليق ما واجهته الفرق الطبية بما حدث في انفجار 4 آب، "الإصابات شديدة القسوة، وما يزيد الأمر صعوبة وجود نحو 95 شخصاً في المستشفى مجهولي الهوية، لم يتم التعرف إليهم بعد".

 

ولا يزال المستشفى حتى الآن يستقبل حالات جديدة، بعضها لجرحى تم انتشالهم من تحت الركام، وأخرى لضحايا. وتشير بليق إلى أن "الأهالي يحملون صور أحبائهم على هواتفهم، يسألوننا عنهم، لكننا لا نملك أسماء أو معلومات. بعض الوجوه محروقة أو متضررة بشدة، ما يجعل التعرف إليهم صعباً… إنها لحظات قاسية علينا كما على عائلاتهم".

 

وتبقى بعض الصور عالقة في الذاكرة. تعترف بليق "لن أنسى المريض الذي فقد ساقيه وكان جسده مليئاً بالشظايا وإصابته في الرأس بالغة الخطورة، ولا ذاك الرجل الذي غطّى الدم وجهه بالكامل. لكن الأكثر إيلاماً كان طفلاً وصل بمفرده بعد نقل والدته إلى مستشفى آخر… كان صامتاً، تائهاً، لا يعرف أين هو ولا ماذا حدث. ذلك المشهد كسرني".

 

من مكان الاستهداف في تلّة الخياط - بيروت (تصوير: نبيل اسماعيل)
من مكان الاستهداف في تلّة الخياط - بيروت (تصوير: نبيل اسماعيل)

 

مستشفيات تغص بالمصابين

ما شهده لبنان الأربعاء لم يكن حدثاً عادياً، بل لحظة قاسية بكل تفاصيلها: غارات متزامنة استهدفت عدداً كبيراً من المناطق خلال دقائق، حوّلت البلاد إلى مشهد دموي مفتوح. عشر دقائق فقط كانت كفيلة بتحويل لبنان إلى ساحة مجازر متفرقة.

 

"لم يكن سهلاً أبداً ما شاهدناه الأربعاء"، بهذه العبارة يختصر رئيس الصليب الأحمر اللبناني الدكتور أنطوان الزغبي المشهد. وصفٌ يبدو الأقرب إلى واقعٍ طبعه العنف، في يومٍ تزامن مع وقف إطلاق النار في الحرب مع إيران، لكنه حمل في طيّاته واحدة من أعنف موجات الاستهداف بعد تفجيرات "البيجر".

 

في مستشفيات بيروت، كان المشهد أكثر قسوة. يوضح الزغبي أن "المستشفيات وصلت إلى قدرتها الاستيعابية القصوى. عشر دقائق كانت كفيلة بإحداث هذا الحجم من الدمار والقتل والإصابات المتنوعة".

 

على الأرض، واجهت فرق الصليب الأحمر تحدياً مضاعفاً. فوسط الركام والطرقات المدمّرة، شقّت سيارات الإسعاف طريقها بصعوبة للوصول إلى المصابين. ويقول الزغبي "كانت الاستجابة معقّدة، لكننا تمكّنا من نقل الجرحى وإجلاء آخرين، في عملية استمرت حتى ساعات الليل المتأخرة".


ويصف الزغبي ما جرى بأنه حالة "استنزاف طبي"، أعادت إلى الأذهان مشاهد انفجار مرفأ بيروت في الرابع من آب. إلا أن الفارق هذه المرة، بحسب قوله، تمثّل في جهوزية المستشفيات التي استطاعت مواصلة عملها رغم الضغط الهائل، خلافاً لما حدث في 2020 حين تضررت عدة مستشفيات بشكل مباشر.

 

 

 

 

طوال الساعات، عملت أقسام الطوارئ بلا توقف. استنفرت الطواقم الطبية كامل طاقتها، وسخّرت خبراتها لمعالجة أكبر عدد ممكن من الجرحى. كان سباقاً مفتوحاً مع الوقت، خاضته فرق الإنقاذ بين الركام في الميدان، وتابعته الفرق الطبية داخل أروقة الطوارئ وغرف العمليات، في مواجهة مشهد لا يزال مفتوحاً على مزيد من التحديات.

 

رجال الإنقاذ يبحثون بين الأنقاض. (أحمد منتش)
رجال الإنقاذ يبحثون بين الأنقاض. (أحمد منتش)

 

نزيف حاد وتمزق في الأعضاء

لا يُنكر رئيس الصليب الأحمر اللبناني أن "التعامل مع ضربات بهذا الحجم والعنف ليس بالأمر السهل. صحيح أن الاستجابة الأولية غالباً ما تكون مربكة لكن سرعان ما يُعاد تنظيمها، كما حدث في الساعات الأولى بعد الغارات".

 

لكن حجم التحديات بقي كبيراً. يوضح الزغبي أن طبيعة الإصابات كانت بالغة الخطورة، إذ تسبّبت بمعظمها بنزيف حاد نتيجة اختراق أجسام غريبة للجسم، ما يؤدي إلى تمزّق العضلات أو الشرايين أو الأنسجة الحساسة، إضافة إلى جروح عميقة ناجمة عن الزجاج المتناثر أو الشظايا المعدنية. 

 

ويؤكد أن "ما استهلكته المستشفيات خلال ليلة واحدة من مستلزمات ومواد طبية يعادل ما يُستهلك عادة خلال شهرين".

 

على الأرض، لم تكن المهمة أقل صعوبة. أكثر من مئة سيارة إسعاف حاولت شقّ طريقها وسط الركام والدمار، في مشهد يعكس حجم التحديات التي تفرضها مثل هذه الضربات. ويقول الزغبي "ضيق الشوارع وتعقيد الوصول إلى المناطق المستهدفة يزيدان من صعوبة المهمة، قبل أن يتحوّل التحدي الأكبر إلى تقييم نوعية الإصابات ونقلها بسرعة".

 

داخل غرف العمليات، بدا المشهد أشبه بخلية نحل لا تهدأ تحت أضواء الجراحات والتخدير. أطباء وجراحون يعملون بلا توقف لإجراء عمليات معقّدة، في محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من حالات وصلت في ظروف حرجة.

 

في الخارج، كانت سيارات الصليب الأحمر تواصل نقل الإصابات الخطيرة بين مواقع الاستهداف والمستشفيات، أو من مستشفى إلى آخر وفق الحاجة الطبية. ويقرّ الزغبي بأن "نقل الحالات الحرجة ليس بالأمر السهل، إذ يمكن أن تتدهور حالة المريض في أي لحظة، وبالفعل نقلنا نحو 50 حالة طبية بين المستشفيات خلال ساعات قليلة".


ويشدّد على أن الحاجة الأكثر إلحاحاً في مثل هذه الأزمات تبقى تأمين الدم بشكل سريع وفعّال، كونه عاملاً حاسماً في إنقاذ المصابين. ويكشف أن "نحو 100 وحدة دم وُزعت على مستشفيات بيروت خلال يوم واحد"، في مؤشر واضح إلى حجم النزيف البشري الذي واجهته الفرق الطبية.

الأكثر قراءة

اقتصاد وأعمال 4/7/2026 9:18:00 AM
انخفاض بسعر البنزين... ماذا عن المازوت؟
اسرائيليات 4/9/2026 10:47:00 AM
الجيش الإسرائيلي: لعب دورًا مركزيًا في إدارة مكتبه وتأمينه
لبنان 4/8/2026 9:02:00 PM
غارة عين سعادة تكشف هدفا غير معلن… ومسؤول في حزب الله نجا من الضربة.
لبنان 4/9/2026 10:48:00 AM
مسؤول إسرائيلي للقناة 14: قتلنا 220 عنصراً من حزب الله بينهم قادة في هجمات أمس