هل يهيّئ بوتين الروس لنهاية الحرب في أوكرانيا؟
تساؤلات حول نوايا بوتين لإنهاء الحرب في أوكرانيا، وسط ضغوط داخلية وميدانية. هل هي مناورة سياسية أم استعداد حقيقي للتفاوض٬ ولماذا الآن؟
أثار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين تساؤلات واسعة بعدما لمّح، خلال احتفالات "يوم النصر" في 9 أيار/مايو، إلى أن الحرب في أوكرانيا قد تكون "تقترب من نهايتها"، في إشارة غير معتادة منذ بدء الغزو عام 2022.
هذا التحول قد لا يبدو عفوياً، بل يعكس ضغوطاً متزايدة على الكرملين. فبعد أربع سنوات من الحرب، لم تحقق روسيا أهدافها الأساسية كاملة، فيما بات التقدم الميداني بطيئاً ومكلفاً بشرياً واقتصادياً. كما أن العقوبات الغربية والضغوط الداخلية بدأت تترك أثراً واضحاً، وسط تململ متزايد حتى داخل النخب الروسية.
في المقابل، تحاول موسكو تسويق سيطرتها على نحو خُمس الأراضي الأوكرانية كإنجاز استراتيجي، يسمح لبوتين بإظهار نفسه منتصراً وقادراً على الانتقال نحو التفاوض من موقع قوة، لا من موقع التراجع.
ويبدو أن الرسالة موجهة أيضاً إلى واشنطن، ولا سيما إلى الرئيس الأميركي دونالد ترامب، لإبقاء باب التسوية مفتوحاً وإظهار روسيا كطرف مستعد للحوار. كما أن اقتراح اسم المستشار الألماني السابق غيرهارد شرودر وسيطاً محتملاً يعكس محاولة روسية لفتح قنوات مباشرة مع أوروبا، مع تقليص دور كييف في أي مفاوضات مقبلة.
لكن رغم هذا الخطاب الجديد، لم يتراجع بوتين علناً عن شروطه الأساسية، فيما يواصل التشكيك بشرعية القيادة الأوكرانية برئاسة فولوديمير زيلينسكي. لذلك، يفتح ذلك باباً من التساؤلات٫ هل مناورة سياسية أكثر منها استعداداً فعلياً لإنهاء الحرب٫ وهل بوتين يهيئ فعلا الروس الي نهاية الحرب٫ ولماذا الآن؟
بوتين يريد فعلا انهاء الحرب؟
يقول أستاذ العلاقات الدولية الدكتور خالد العزي لـ"النهار" إن بوتين "يحاول إظهار نفسه مستعداً للسلام وإنهاء الحرب". ويضيف انه "لا يريد إنهاء الحرب فعلياً، بل يسعى إلى هدنة أو تجميد للصراع تمهيداً لإعادة الاستعداد لاحقاً".
ويشير العزي إلى أن الحروب لا تنتهي بمجرد رغبة طرف واحد بذلك، موضحاً أن خطاب بوتين خلال العرض العسكري حمل رسالة مفادها أن موسكو "تمد يدها للسلام"، وأن على الغرب إقناع أوكرانيا بالاستجابة. ويرى أن ثلاثة عوامل باتت واضحة أمام الكرملين: "أولاً، وجود نوع من توازن القوة بين روسيا وأوكرانيا"، وهو ما ظهر٬ بحسب العزي ٬ في اضطرار موسكو إلى الحصول على ضمانات أمنية غير مباشرة خلال العرض العسكري. ثانياً، أن بوتين لم يتمكن، رغم مرور سنوات على الحرب، من تحقيق أهداف "العملية العسكرية الخاصة"، كما أن محاولات التقارب مع ترامب لإيجاد مخرج ديبلوماسي لم تؤدِّ إلى حل.

ويضيف أن الحرب قد تستمر سنوات إضافية ما لم تُطرح آلية واضحة للخروج من هذا "المستنقع"، لافتاً إلى أن النقطة الثالثة هي "الموقف الأوروبي الذي بات قائماً على قناعة بعدم إمكانية انتصار روسيا الكامل، كما بعدم قدرة أوكرانيا على هزيمة روسيا بالكامل". وبحسب العزي، بدأت هذه الوقائع تنعكس داخل المجتمع الروسي عبر تزايد التململ الشعبي الناتج من العقوبات والضغوط الاقتصادية والعزلة السياسية، خاصة مع تراجع نفوذ حلفاء موسكو، من سوريا إلى فنزويلا وإيران.
ويتابع أن روسيا تبدو اليوم أكثر عزلة، حتى إن الصين لم تمنحها غطاءً كاملاً للاستمرار في المواجهة، لأن بكين تفضّل منطق الاقتصاد والاستقرار على الحروب المفتوحة. لذلك، يحاول بوتين الدفع نحو مسار تفاوضي جديد.
عوامل عدة وراء هذا التصريح
بدوره٬ يقول الأكاديمي والباحث السياسي الدكتور أسعد العويوي لـ"النهار" إنه رغم احتفاظ موسكو بأفضلية ميدانية في بعض الجبهات، فإن "التقدم الروسي لا يزال بطيئاً جداً، فيما تتزايد الخسائر البشرية والاقتصادية بشكل كبير". ويشير إلى أن تقارير غربية عدة تتحدث عن وصول معدلات الخسائر إلى مستويات يصعب تعويضها من دون اللجوء إلى تعبئة جديدة، وهو خيار حساس داخلياً بالنسبة إلى بوتين.
ويضيف أن روسيا تسيطر فعلياً على نحو خُمس الأراضي الأوكرانية، وهو ما يمكن للكرملين تسويقه داخلياً باعتباره "إنجازاً تاريخياً"، سواء عبر "منع انضمام أوكرانيا الكامل إلى الناتو، أو عبر تثبيت الممر البري نحو شبه جزيرة القرم، إضافة إلى إضعاف الجيش الأوكراني". وبرأيه، قد يكون بوتين يعتبر أنه حقق "الحد الأدنى المقبول" الذي يسمح له بتهدئة الحرب أو تجميدها من دون أن يبدو في موقع المهزوم.
أما بشأن توقيت هذا الخطاب الآن، فيرى العويوي أن هناك أربعة عوامل رئيسية تقف خلفه: أولاً٬ تصاعد الضغوط الاقتصادية على روسيا، ثانياً٬ تباطؤ التقدم الميداني الروسي، إذ إن المكاسب الحالية تتحقق ببطء وبكلفة مرتفعة٬ ثالثاً وجود نافذة ديبلوماسية مع واشنطن، بعد محاولات هدنة ووساطات أميركية في المرحلة الأخيرة. رابعاً٬ حرص الكرملين على الحفاظ على صورة "الانتصار"، وتجنب ترسيخ صورة "الحرب المفتوحة بلا نهاية" داخل الرأي العام الروسي.
نبض