كيف تمكّنت باكستان من كسب ود ترامب واستضافة المفاوضات التاريخية؟
إلى جانب الأسئلة المحورية التي تطرح حول أفق المفاوضات الأميركية – الإيرانية التي تستضيفها باكستان، وقدرتها على التوصّل إلى اتفاق نهائي وشامل بين الطرفين بعدما حقّقت وقفاً لإطلاق النار بين الطرفين، ثمّة سؤال جانبي يطرح: كيف تمكّنت باكستان من كسب ثقة الرئيس الأميركي دونالد ترامب والتحوّل إلى وسيط موثوق بين الطرفين، بعدما كانت العلاقة متوترة بين واشنطن وإسلام أباد؟
لم تكن إسلام أباد طرحاً محتملاً كوسيط بين واشنطن وطهران، وكان الاعتقاد السائد بأن عاصمة أوروبية ستستضيف المفاوضات المفترضة، كفيينا أو جينيف التي سبق لها أن أدّت هذا الدور. إلّا أن العاصمة الباكستانية تمكّنت من استضافة هذه المحادثات التاريخية، رغم العلاقة التي كانت متوترة مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، والذي قال يوماً إن باكستان لم تقدم "إلا الأكاذيب والخداع".
قراءة ترامب
عرفت باكستان كيفية "قراءة" واستقطاب ترامب، وفق تقرير لصحيفة "واشنطن بوست" الأميركية. ركّزت على ما يغري الرئيس الأميركي لجهة عالم المال والأعمال والأضواء، وأطلقت "حملة مركزة" لكسب "ودّه" قد آتت ثمارها. فعلى مدى أشهر، استمال القادة الباكستانيون إدارة ترامب بعروض مغرية وإشادات علنية جعلت المسافة السياسية بين إسلام أباد وواشنطن أقرب رغم بعد الجغرافيا.
يقول مشاهد حسين سيد، الرئيس السابق للجنة الدفاع في مجلس الشيوخ الباكستاني لـ"واشنطن بوست": "لقد أحسنا قراءة توجهاته"، معتبراً أن باكستان أدركت مبكراً نهج ترامب "النفعي" في الدبلوماسية. ويشير سيد إلى ما قدمته باكستان لإدارة ترامب، ويعدّد ثلاثة عناصر أساسية: العملات الرقمية، والمعادن الحيوية، ومكافحة الإرهاب".
صفقات أمنية واقتصادية
في بداية ولاية ترامب الثانية، تعقّبت باكستان أحد المسؤولين عن الهجوم الدامي على جنود أميركيين في كابل أثناء انسحاب القوات الأميركية من أفغانستان عام 2021. وبعد أشهر، وقّعت الحكومة الباكستانية اتفاقيةً مهمةً لتوريد المعادن مع الولايات المتحدة. وخلال هذا العام، وقّعت وزارة المالية اتفاقيةً مع شركة مرتبطة بشركة العملات الرقمية التابعة لعائلة ترامب، حسب "واشنطن بوست".
وتشمل المبادرات الباكستانية الأخرى للتواصل مع إدارة ترامب توجيه الشكر العلني المتكرر له على تأمين وقف النار مع الهند بعد نزاعٍ دام أربعة أيام في أيار (مايو) الماضي، وترشيح رئيس الوزراء الباكستاني لترامب لجائزة نوبل للسلام، وقرار باكستان الانضمام إلى مجلس ترامب للسلام. وبحلول شهر تشرين الأول (أكتوبر)، كان ترامب يصف الجنرال عاصم منير بأنه "قائده الميداني المفضل".
الصين عامل أساسي
إلى ذلك، تريد الولايات المتحدة وسيطاً يمتلك قدرة التواصل مع إيران والضغط عليها. الدول الأوروبية ليست محايدة، ولا قدرة تأثيرية لها. بالمقابل، تتمتع باكستان بعلاقات متقدّمة مع الصين، الحليف الأكبر لإيران والطرف الذي يمكنه الضغط عليها. وتتحدّث بعض التقارير عن دعم صيني لباكستان حتى تحرز تقدماً، خصوصاً وأن الصين لها مصلحة بإنهاء الحرب وعودة استقرار أسواق الطاقة.
في المحصّلة، فإن باكستان عرفت كيف تستقطب الرئيس الأميركي وتستميله رغم موقفه الأول منها، وعرفت أن الصفقات باب وطريق سريع نحو الإدارة الأميركية وعقل ترامب. وتمكّنت باكستان من انتزاع مكانة ديبلوماسية متقدّمة، وإذا نجحت مهمتها في التوصّل لاتفاق تاريخي بين الولايات المتحدة وغيران، فإن مكاسبها السياسية والاقتصادية ستكون مضاعفة في المرحلة المقبلة.

نبض