خبير في قطاع الطيران لـ"النهار": الطيارون المدنيون غير مجهزين للتعامل مع التهديدات الصاروخية
يواجه قطاع الطيران المدني في العالم تحدياتٍ متزايدةٍ في ظل النزاع العسكري المتصاعد في إيران، والتي تترك أثراً كبيراً في سلامة الأجواء الدولية. فالمجال الجوي لم يعد ممراً للطائرات المدنية والتجارية وحدها، إنما صار في بعض المناطق ساحةً تتقاطع فيها المصالح الأمنية والعسكرية مع حركة النقل الجوي العالمية.
في مثل هذه الظروف، تبرز أهمية الأنظمة الدولية وآليات التنسيق بين الدول والمنظمات المختصة لضمان استمرار حركة الطيران بأكبر قدر ممكن من الأمان.
فكيف يُتخذ قرار تغيير المسارات الجوية، وكيف تُحدَّد بدائلها؟ وما دور غرف العمليات والجهات الدولية في تقييم المخاطر؟ يقول مازن السمّاك، الخبير في شؤون الطيران ورئيس جمعية الطيّارين الخاصّين في لبنان لـ"النهار"، إن هذا القرار لا يُتخذ بشكلٍ أحادي، إنما تشارك فيه أطراف وسلطات عدة، "فهناك غرف عمليات تكون على اتصالٍ بالسفارات ووزارات الداخلية والدفاع، أي تتواصل مع جهاتٍ تمتلك معلوماتٍ موثوقةٍ يمكن الاعتماد عليها لاتخاذ القرار بشأن تنفيذ الرحلات الجوية. كما تشارك منظمات الطيران الدولية، مثل المنظمة الدولية للطيران المدني والاتحاد الدولي للنقل الجوي، في تقييم المخاطر الأمنية في الطيران، وبناءً على هذه التقييمات تُصدر تنبيهات"NOTAM" لإبلاغ الطيارين الإجراءات والمسارات الآمنة".

بالتالي، بعد تقييم الرحلة ومنح الإذن بالإقلاع، تقوم سلطات الطيران أو أبراج المراقبة بإعطاء الموافقة النهائية. يضيف السمّاك: "إذا حدث طارئ في أثناء الرحلة، أو عند اقتراب الطائرة من الهبوط، قد يُطلب من الطيار تنفيذ ما يُعرف بالتحويلة الجوية (Diversion) والتوجه إلى مطارٍ آخرٍ قريبٍ وآمن. فعلى سبيل المثال، عند إغلاق المجالين الجويين فوق إيران ودول الخليج، اعتمدت الطائرات بين آسيا وأوروبا مسارين بديلين: مسار شمالي عبر تركيا والقوقاز، ومسار جنوبي عبر السعودية والبحر الأحمر ثم مصر".
ماذا لو؟
لكن السؤال الذي يطرحه كثيرون هو: ماذا لو وقع أمر مفاجئٍ في أثناء تحليق الطائرات المدنية، في ظل تطاير الصواريخ الباليستية والمسيرات، وعمليات الاعتراض الجوي؟ وأيٌ من هذه التهديدات أشدّ خطراً من غيره على سلامة الطيران المدني؟ يجيب السمّاك: "نعيش اليوم مرحلةً انتقلت فيها الحروب من شكلها التقليدي المعروف، كاستخدام المدافع وتحركات الجنود والمتاريس، إلى حروبٍ تعتمد على الصواريخ والطائرات المسيّرة، والطيارون المدنيون ليسوا مجهزين للتعامل مع التهديدات الصاروخية، لذلك يتم تجنّب هذه المخاطر بالتخطيط المسبق لمساراتٍ جويةٍ أكثر آمناً".

شهد العالم حوادث عدة في هذا السياق، بينها إسقاط طائرات أو اقتراف أخطاء في التنسيق الجوي. ويلفت السمّاك إلى أن الطائرات الحربية المتطورة هي أيضاً قد تقترف الأخطاء، مثل طائرات F‑15 Eagle التي قد تسقط أو تتعرض لحوادث رغم امتلاكها أنظمةً متقدمة، ومنها نظام IFF (التعرّف إلى العدو)، وهو نظام يمكّن الطائرة من التمييز بين الطائرات الصديقة والمعادية في الجو، "وهنا تكمن خطورة غياب التنسيق الكامل في المجال الجوي".
وبحسبه، تسير حركة الطيران في لبنان بشكلٍ طبيعي، ويُعدّ مشهد تسيير الرحلات في ظل الظروف الحالية لافتاً، موضحاً: "الحسابات في هذا المجال دقيقة جداً، إذ تقوم غرفة العمليات بتقييم كل رحلة على حدة، مع منع أي مخاطرةٍ تتعلق بالطيار أو الركاب أو الطائرة، وإذا وُجد خطر حتى 1%، فإن الرحلة تُلغى أو يُعدَّل مسارها فوراً. ورغم وجود التطمينات، توجد ضمانات مطلقة، غير أن المطار يقع تحت سيطرة الدولة، والدولة نفسها بمنأى عن الحرب وخارج معادلتها، ما يضيف قدراً من الطمأنينة".
ويذكّر بأنه في ظروف الحرب يطبّق ما يُعرف بتأمين الحرب بدلاً من التأمين العادي، وتكون تكلفته مضاعفة عن التأمين التقليدي، "وتترتب عنه مصاريف إضافية نتيجة تغيير المسارات الجوية: زيادة استهلاك الوقود، وأكلاف الطاقم وقائد الطائرة في حال اضطروا الى الانتظار في بلد آخر إلى حين استئناف الرحلة، وارتفاع أكلاف الترانزيت عند تحويل الرحلات من مطار إلى آخر".
في هذا السياق، يتساءل كثيرون عن الطريقة المثلى لتعامل الطيارين والمراقبين الجويين مع عنصر المفاجأة في ظل وجود مخاطر محتملة، ومع من يتم التواصل عند حدوث طارئ في أثناء التحليق فوق مناطق تشهد عمليات عسكرية أو إطلاق صواريخ؟ ويوضح في هذا الشأن أن "مبدأ السلامة الاستباقية يُعتمد في قطاع الطيران، فلا تنتظر وقوع الخطر حتى تتعامل معه، بل تعمل مسبقاً على تجنّبه. فالطيارون المدنيون ليسوا معنيين بمواجهة الصواريخ أو المخاطر العسكرية بشكلٍ مباشر، بل يعتمدون على منظومة تنسيقٍ وتقييم مخاطر دقيقة تضمن تجنّب هذه الأخطار قدر الإمكان".
نبض