هل تقود الهزيمة الانتخابية لترامب إلى نهاية حركة "ماغا"؟
لا تعني الخسارة الانتخابية التي تعرض لها الرئيس الأميركي دونالد ترامب انهيار حركة "ماغا" القومية الشعبوية التي قادته إلى السلطة، لكنها وجهت ضربة إلى الصورة التي بنى عليها نفوذه، بوصفه زعيما لا يُهزم وقادرا على فرض إرادته في الداخل والخارج، كما يرى الكاتب والمراسل الصحافي باتريك كوكبيرن في مقال نشره موقع "آي بيبر".
ويضع كوكبيرن الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران في قلب المفارقة السياسية التي أعقبت الانتخابات، فالحملة العسكرية التي انطلقت من واشنطن وتل أبيب بهدف تغيير النظام في طهران انتهت، بحسب قراءته، إلى إحداث تحول في المشهد السياسي الأميركي، بعدما تكبدت إدارة ترامب هزيمة انتخابية فتحت باب الخلافات داخل معسكرها، وأطلقت نقاشا بشأن الجهة المسؤولة عن النتيجة.
ولا ينظر الكاتب إلى إخفاق الحرب باعتباره انتكاسة عسكرية فحسب، بل يراه ضربة لنموذج الحكم الذي يعتمد على التخويف واستعراض القوة لإظهار السيطرة. فالحروب التي تنتهي بالفشل أمام خصوم أقل قوة، وفق تحليله، تكشف حدود هذا النموذج وتضعف هيبة الأنظمة التي تستمد نفوذها من الإيحاء بأنها قادرة على الانتصار دائما.

محاولات تغيير قواعد المنافسة
ويربط كوكبيرن بين هذا النهج وما يصفه بمحاولات ترامب، خلال العامين الماضيين، ترسيخ أساليب حكم استبدادية شبيهة بتلك التي اتبعها قادة، من بينهم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. ويشير في هذا السياق إلى مساعي الرئيس الأميركي للتأثير في المؤسسات الانتخابية وتعديل القواعد السياسية بما يضمن استمرار نفوذه.
ويستعرض الكاتب مجموعة من التحركات التي سبقت انتخابات التجديد النصفي، شملت دعم إعادة تقسيم الدوائر الانتخابية لمصلحة الجمهوريين، وإصدار أوامر تنفيذية تهدف إلى توسيع صلاحيات الرئاسة في إدارة الانتخابات، فضلا عن محاولات إخضاع قوائم الناخبين للمراجعة والحذف، والتدخل في إجراءات التصويت عبر البريد.
ويرى كوكبيرن أن هذه التدابير كان يمكن أن تترك أثرا في نتائج الانتخابات لولا تدخل المحاكم وتعطيل عدد منها. لكنه يحذر من أن الانشغال بالنتيجة الانتخابية لا ينبغي أن يؤدي إلى التقليل من خطورة تلك المحاولات، التي عكست، بحسب وصفه، سعيا جديا إلى تغيير شروط المنافسة السياسية.
ورغم تراجع ترامب انتخابيا، يحذر الكاتب من اعتبار ذلك دليلا على انتهاء الحركة التي تحمل شعار "ماغا". فما زالت قطاعات واسعة من الناخبين الجمهوريين تحتفظ بولائها للرئيس، ولا سيما الرجال البيض، والناخبون الذين لم يحصلوا على شهادات جامعية، والمسيحيون الإنجيليون.
ويقر كوكبيرن بأن ترامب فقد إحدى أهم أدوات نفوذه، وهي قدرته على الظهور بمظهر الزعيم الذي لا يتعرض للهزيمة. غير أن خسارة هذه الصورة لا تعني بالضرورة تفكك الحركة التي ارتبطت باسمه.
ويستند هذا التمييز إلى طبيعة الحركات الشعبوية، التي تقوم إلى حد كبير على تمجيد القائد وتقديمه رمزا للقوة والانتصار. ومن هذا المنطلق، فإن إخفاق ترامب في الحرب والانتخابات يضعف صورته أمام مؤيديه، لكنه لا يزيل تلقائيا القاعدة الاجتماعية والسياسية التي أسهمت في صعوده.
ويعزز كوكبيرن قراءته بالإشارة إلى الحرب على إيران بوصفها العامل الأبرز في تفسير تراجع الجمهوريين. ويستشهد بموقف نائب الرئيس جيه دي فانس، الذي ألقى بالمسؤولية عن الهزيمة على الحرب، ودعا إلى مراجعة علاقة الإدارة بـ إسرائيل والابتعاد عن سياساتها.
الخطابة السياسية تعود إلى الواجهة
وفي انتقاله إلى جانب آخر من المشهد الأميركي، يتناول الكاتب أثر وسائل الإعلام في تغيير طبيعة الخطاب السياسي. ويرى أن الإعلام التقليدي أسهم في إضعاف فن الإلقاء، بعدما بات يفضل المقاطع القصيرة والشعارات السريعة على الخطابات المطولة.
لكن منصات الإنترنت، بحسب كوكبيرن، أتاحت مساحة لعودة الخطاب السياسي الممتد والتواصل المباشر مع الناخبين، بما يسمح للسياسيين بعرض مواقفهم بصورة أوسع والتفاعل مع أسئلة الجمهور الصعبة.
ويستشهد في هذا الإطار بعدد من السياسيين الديموقراطيين الذين نجحوا في جذب اهتمام جماهيري بفضل قدرتهم على مخاطبة الناخبين، من بينهم جون أوسوف وجيمس تالاريكو وعبدول السيد، إلى جانب عمدة نيويوركزهران ممداني.
وفي المقابل، يلفت إلى أن ترامب بنى جزءا كبيرا من حضوره السياسي على مهاراته التلفزيونية، وقدرته على جذب الانتباه وفرض نفسه على التغطية الإعلامية وصناعة العناوين، حتى عندما كانت تلك التغطية سلبية.
ولا يحصر كوكبيرن تحليله في الولايات المتحدة، إذ يتناول أيضا الحسابات السياسية في إسرائيل عقب الانتخابات العامة، مع التركيز على فرص المعارضة، بقيادة غادي آيزنكوت، في تشكيل ائتلاف يهدف إلى إنهاء حكم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو.
وتبرز في هذا المسعى مسألة الاستعانة بدعم الأحزاب العربية - الإسرائيلية داخل الكنيست، وما إذا كانت قوى المعارضة مستعدة لقبول هذا الخيار لتأمين أغلبية قادرة على تشكيل حكومة.
وفي هذا السياق، ينقل الكاتب عن رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود باراك تقديره بأن نتنياهو نفسه لم يكن ليتردد في عقد تحالف مماثل لو وجد نفسه في موقع المعارضة، في إشارة إلى طبيعة الحسابات السياسية التي تحكم تشكيل التحالفات.
ويخلص كوكبيرن إلى أن نتائج الانتخابات أضعفت مكانة ترامب وكشفت تراجع صورته كزعيم لا يُهزم، لكنها لا تكفي للحكم بانتهاء حركة "ماغا". فالحركة لا تزال تستند إلى قاعدة انتخابية واجتماعية واسعة، ولا تتوقف فرص استمرارها بالضرورة على بقاء زعيمها في موقع القوة نفسه.
وقد تؤدي الخسارة إلى تقليص هيمنة ترامب على الحزب الجمهوري، لكنها لا تمحو التوجهات القومية والشعبوية التي مهدت لصعوده. ومن ثم، فإن التحدي في المرحلة المقبلة لن يقتصر على مستقبل ترامب السياسي، بل سيمتد إلى قدرة الحركة على الحفاظ على نفوذها، أو إعادة تشكيل نفسها في حال تراجع دور الرجل الذي ارتبطت به.
نبض