ترامب يريد "بيبي" إلى جانبه… فأين يقف نائبه جي دي فانس إذاً؟
كان اتصالاً مفعماً بالمشاعر الحميمة، هذا الذي نشره بنيامين نتنياهو قبل أيام، رافعاً هاتفه ومتحدثاً عبر مكبّر الصوت مع شخص لا يمكن إلا تمييز صوته. "دونالد!"، صرخ رئيس الوزراء الإسرائيلي مخاطباً الرئيس الأميركي دونالد ترامب، "لدينا مهمة يجب إنجازها، وسننجزها معاً، ولا أحد غيرنا سيفعل ذلك".
"أنت محارب عظيم"، أجابه الصوت من الهاتف، و"أنت الرجل الذي أريده إلى جانبي يا بيبي".
تجدّد الغزل إذاً، بعد أشهر من الجفاء السياسي بين الصديقين، وصل إلى حد أن يأتي نتنياهو إلى نيويورك لحضور الجمعية العامة ويغادرها من دون أن يلتقي "الصديق الأعظم لإسرائيل". فما الذي غيّر الأحوال فجأة؟
إنها إيران مجدداً. وترامب شفاف بما يكفي لأن يقولها صراحة في منشور تزكيته لنتنياهو في الانتخابات الإسرائيلية، بأن خسارة "بيبي" ستجعل أميركا بمفردها أمام استكمال الحرب وإنهاء المهمة.
عبء إضافي على الجمهوريين
هذا الوقوف العلني مع مرشح ضد آخر ليس عرفاً رئاسياً أميركياً، لكن كسر الأعراف بات عرفاً ترامبياً بحد ذاته، ومن عاديات الأمور التي لا يقف عندها أحد. إلا أن تزكية مرشح أجنبي لم تكن موفّقة في توقيتها، خصوصاً أن ترامب يعاني انخفاضاً حاداً في شعبيته لدى الأميركيين بسبب الأثر الاقتصادي للحرب الإيرانية، التي يتهمه رأي عام واسع، من ضمنه جزء كبير من قاعدته نفسها، بأن هذا المرشح نفسه جرّ أميركا إليها وورّطها فيها.
ومع أن دعم مرشح ضد آخر من أحب الهوايات إلى قلب ترامب بعدما صار رئيساً، فإنه بدأ يفقد سحره داخلياً، إلى درجة أن مرشحين جمهوريين في الانتخابات النصفية المقبلة فضّلوا النأي ما أمكن عن دعمه، لأنه قد يضعف حظوظهم لدى المستقلين، بينما لن يجعل الجمهوريين أكثر حماسة للتصويت، بل سيحفّز خصوم ترامب على معاقبتهم في صناديق الاقتراع.
وحين يكون دعم ترامب لطرف أجنبي، ولواحد من أكثر الشخصيات إثارة للجدل في أميركا حالياً مثل نتنياهو، فهذه فرصة ممتازة للديموقراطيين للتصويب على سياسات الحزب الجمهوري، الحاكم نظرياً، ومرشحيه لمجلسي الشيوخ والنواب. كما أنها ستعمّق شرخاً يتسع في قاعدة ترامب الصلبة بين "ماغا" التي تنصره ظالماً كان أم مظلوماً، و"أميركا أولاً" التي تنساب مبتعدة عنه، وقد دخل الزمن الرمادي من ولايته وزعامته لليمين الشعبوي الأميركي، وآن أوان تقاسم إرثه بين الأبناء الكثر المنقسمين على أنفسهم، وفي مقدمتهم جي دي فانس، الغارق حتى عنقه في حلم الرئاسة.

فانس يبتعد عن ترامب ويستعدّ لوراثته
نائب الرئيس كان أكثر شفافية من الرئيس في موقفه من الانتخابات الإسرائيلية، إذ نأى بنفسه تماماً. قال إنه لن يتدخل أبداً في الانتخابات الإسرائيلية، وإنه ليس ضد تأييد نتنياهو، لكنه ليس مؤيداً له. لم ينتقد موقف ترامب بالطبع، بل امتدح قدراته، الأعظم في التاريخ الأميركي والدولي، في التزكية، لكنه قال إنه منشغل بالانتخابات النصفية الأميركية.
لم يُغضب "الأخ الأكبر"، لكنه دوّن في أرشيفه الشخصي أنه تميّز في موقفه مرة جديدة عن ترامب. وهذا أرشيف سيحتاجه في المناظرات إبّان الانتخابات التمهيدية أو الرئاسية العامة.
تركيزه على أميركا فيه رسالة ودّ واضحة للجمهوريين على أنواعهم، وللمستقلين، ولجناحي قاعدة ماغا. جي دي فانس ليس ترامب ثانياً، بل نسخة محسّنة منه، ستطوّر نهج جعل أميركا عظيمة مجدداً، لكنها ستتلافى أخطاء الزعيم الذي لم يكتفِ بدعم شخص تتفق أكثرية الأميركيين على موقف سلبي منه، بل قال له "أريدك إلى جانبي يا بيبي"، وهو المكان الذي يُفترض أن يكون محفوظاً لجي دي فانس، أو على الأقل للسيدة الأولى ميلانيا ترامب.
نبض