يواجه وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت اختباراً ديبلوماسياً واقتصادياً بالغ الحساسية هذا الأسبوع، مع سعيه إلى حشد وزراء المالية ومحافظي البنوك المركزية في مجموعة العشرين خلف أولويات إدارة الرئيس دونالد ترامب، وفي مقدمتها تقليص اختلالات التجارة العالمية، وتعزيز النمو، وتشديد الضغوط الاقتصادية على إيران.
وتنعقد اجتماعات وزراء المالية ومحافظي البنوك المركزية لمجموعة العشرين يومي الاثنين والثلاثاء في مدينة أشفيل بولاية نورث كارولاينا، وسط ضبابية متزايدة بشأن مستقبل الرسوم الجمركية الأميركية، وتصاعد التوتر التجاري مع كندا، وارتفاع أسعار الطاقة والسلع الأساسية على خلفية الحرب مع إيران.
ويأتي اجتماع هذا العام في ظل رغبة واشنطن في إعادة صياغة دور مجموعة العشرين بما يتماشى مع رؤيتها الاقتصادية. وكان بيسنت قد غاب عن اجتماعات المجموعة العام الماضي في جنوب أفريقيا، لكنه يسعى هذه المرة إلى جعل المنتدى منصة لدفع سياسات الإدارة الأميركية المتعلقة بالتجارة والطاقة والعقوبات.
هرمز في قلب الأزمة
ويشكل استمرار الحرب وإغلاق مضيق هرمز أحد أبرز مصادر القلق الاقتصادي أمام مجموعة العشرين، بعدما أدى تعطل حركة الملاحة عبر الممر الحيوي إلى تداعيات على التجارة وأسعار النفط والنمو في معظم الاقتصادات الكبرى.
وحذّر بيسنت الدول من "احتمال تعرضها لعقوبات أميركية ثانوية إذا واصلت شراء النفط الإيراني أو تسهيل المعاملات مع طهران".
وقال جوش ليبسكي، رئيس قسم الاقتصاد الدولي في المجلس الأطلسي، إنّ "بيسنت سيحرص على وضع إيران وتشديد العقوبات عليها في صدارة جدول الأعمال، في حين من المرجح أن تفضل دول أخرى التركيز على الرسوم الجمركية والسياسة التجارية الأميركية".
وزارة الخزانة الأميركية (رويترز).
حرب الرسوم تعقّد مهمة واشنطن
وتأتي الاجتماعات في وقت تواجه فيه إدارة ترامب تحديات قانونية واقتصادية بشأن الرسوم الجمركية التي فرضتها على شركائها التجاريين.
وبعد إلغاء المحكمة العليا الأميركية الرسوم العالمية واسعة النطاق التي فرضتها الإدارة في شباط/فبراير بموجب قانون الطوارئ الوطنية، تعمل واشنطن على إعادة فرضها باستخدام سلطات قانونية أخرى.
وكانت عشرات الاقتصادات قد تعرضت في تموز/يوليو لرسوم أميركية تراوحت بين 10 و12.5%، فيما تواجه 16 دولة من أكبر الشركاء التجاريين للولايات المتحدة احتمال فرض رسوم إضافية ضمن تحقيقات تستهدف ما تعتبره واشنطن فائضاً في الطاقة الإنتاجية الصناعية.
وتريد الإدارة الأميركية "استخدام الرسوم الجمركية كأداة لمعالجة ما تصفه باختلالات تجارية ناتجة عن سياسات حكومية تشوه المنافسة". ومن المتوقع أن يكون هذا الملف محورياً في اجتماعات أشفيل.
الصين وأزمة الفائض الصناعي
ومن الجانب الأوروبي، تبرز المخاوف من تدفق متزايد للسلع الصينية إلى الأسواق الأوروبية، خصوصاً السيارات الكهربائية وأشباه الموصلات وغيرها من المنتجات الصناعية.
وتأتي هذه المخاوف في وقت سجلت فيه الصادرات الصينية ارتفاعاً كبيراً، مع استمرار ضعف الطلب المحلي في الصين. ويرى مسؤولون أوروبيون أن القيود الأميركية على المنتجات الصينية تدفع مزيداً من الصادرات نحو أوروبا، الأمر الذي يعزز الضغوط لفرض قيود أوروبية أكثر صرامة على الواردات الصينية.
لكن بكين لا تبدو مستعدة بسهولة للاستجابة للمطالب المتعلقة بخفض الدعم الحكومي للقطاع الصناعي أو إعادة توجيه الاقتصاد بعيداً عن الصادرات نحو الاستهلاك المحلي.
الدين الأميركي على الطاولة
وفي المقابل، تواجه واشنطن انتقادات بشأن الجانب الآخر من اختلالات التجارة، والمتمثل في العجز المالي الأميركي والطلب المحلي المرتفع الذي يدعم واردات ضخمة.
وتجاوز الدين العام الأميركي 40 تريليون دولار في آب/أغسطس، ما زاد المخاوف بشأن استدامة المالية العامة. كما ارتفعت عوائد سندات الخزانة الأميركية طويلة الأجل إلى مستويات هي الأعلى منذ سنوات، في انعكاس لقلق المستثمرين بشأن مسار الدين.
وحاول بيسنت تهدئة الأسواق عبر تكثيف عمليات إعادة شراء سندات الخزانة الأطول أجلاً، ما أدى إلى انخفاض مؤقت في العوائد.
وتشير هذه التطورات إلى أن وزير الخزانة الأميركي يدخل اجتماعات مجموعة العشرين وهو مطالب بمعالجة مجموعة متشابكة من الملفات: الحرب التجارية، والعقوبات على إيران، وأمن الطاقة، والدين الأميركي، واستقرار الأسواق المالية.
عودة إلى الأجندة الاقتصادية
وتسعى واشنطن إلى إعادة مجموعة العشرين إلى تركيزها الأصلي على النمو والاستقرار الاقتصادي، بعد أن طغت في السنوات الأخيرة ملفات أخرى على أجندة المجموعة، من أزمة المناخ إلى فرض ضرائب أكبر على الأثرياء.
وكانت مجموعة العشرين قد تحولت إلى منتدى على مستوى القادة خلال الأزمة المالية العالمية عام 2008، بهدف تنسيق الاستجابة لأكبر ركود اقتصادي منذ ثلاثينيات القرن الماضي. كما شهدت أزمة كوفيد-19 عام 2020 أحد أبرز تحركاتها الجماعية، عندما اتفقت الدول الأعضاء على ضخ نحو خمسة تريليونات دولار إضافية في الاقتصاد العالمي.
لكن اجتماع أشفيل يأتي في بيئة مختلفة وأكثر انقساماً، حيث تتقاطع الحرب في إيران مع أزمة الطاقة، وتتصاعد الخلافات التجارية بين القوى الكبرى، بينما تحاول واشنطن دفع شركائها إلى تبني رؤيتها الاقتصادية في وقت تواجه فيه هي نفسها أسئلة متزايدة حول الدين والعجز واستقرار الأسواق.