كيف تُجيد إيران قراءة ترامب... لغاية اللحظة؟
تراجع ترامب، مجدداً، عن قصف إيران. في القراءة المتبادلة لسلوك بعضهما البعض، يبدو أن إيران تمتلك مزيّة على الرئيس الأميركي. لكنّ المزيّة ليست مطلقة.
"إنهم ينقضون وعودهم في كثير من الأحيان... سنضربهم".
كان هذا كلام الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن القادة الإيرانيين يوم الجمعة.
انقلب كلامه يوم السبت: "لقد طلبت إيران منا... وقف أي هجوم، وذلك بعد الاتفاق على إطار صفقة. بناء على هذا الطلب، وافقتُ... على إلغاء الهجوم، بشرط عقد اتفاق سريع".
ليس صعباً رصد الطلاق السريع بين التصريحين.
ترامب وإيران... الفرق بين قراءتين
إذا لم يكن كلام الإيرانيين موضع ثقة في السابق، فلماذا أصبح كذلك يوم السبت؟
لأن هذا ببساطة هو ما يأمله ترامب. بالنسبة إلى قراءته لنوايا الإيرانيين خلال التفاوض، دائماً ما كانت "هذه المرة مختلفة"؛ "هذه المرة... هم جادون"، قبل أن يتبيّن له العكس.
تنقّل ترامب في حديثه عن المسؤولين الإيرانيين الجدد بين توصيفهم بـ "العقلاء" واتهامهم بـ "الجنون". لا شك في أن ذلك التناقض يعكس محاولة لترهيب وترغيب هؤلاء القادة لدفعهم باتجاه صفقة. لكن في المقابل، يمثل هذا التناقض أيضاً إساءة قراءة للإيرانيين أو لوضعه الحالي معهم. إذا كان سلوك ترامب مع طهران يتأرجح بين الترهيب والرغيب، فسلوك طهران معه يتأرجح بين إثارة الأمل والتيئيس. وثمة سوابق كثيرة تسهّل المهمة عليهم.
ترامب يخسر مزيّته تدريجياً
في ملف أوكرانيا، برز نمط مشابه. في مرحلة سابقة غير بعيدة من الصراع، بدا أنه كلما اقتربت الإدارة من تسليم صواريخ "توماهوك" إلى كييف، أو فرض حزمة عقوبات كبيرة على موسكو، وعدت روسيا الأميركيين بقمة أو بمبادرة شكلية. بعد ذلك الوعد، تراجع ترامب عن فكرته الأساسية. ويبدو أن حالة المراوحة هذه دفعت ترامب إلى التخلي شبه النهائي عن التصعيد العسكري غير المباشر مع روسيا. أفضل ما كان يمكن لأوكرانيا توقعه في الفترة الأخيرة هو مواصلة دعمها الاستخباري لضرب بعض الأهداف في العمق الروسية، على ذمة تقارير غربية.

في ملف الصين، كان هذا النوع من النمط حاضراً أيضاً، وفي أكثر من زاوية. فرض ترامب رسوماً جمركية قاسية على بكين قبل أن يتراجع سريعاً عنها، بعدما ردّت عليه بحرب تجارية مماثلة. كان ذلك إشارة إلى أن صبر ترامب على الألم محدود نسبياً. ولخفض التوتر مع الصين، أقدمت واشنطن على بعض التنازلات، مثل منع طائرة الرئيس التايواني لاي تشينغ-تي من المرور في الأجواء الأميركية، والقبول بتسليم بكين رقائق إلكترونية متطورة.
وليست كوريا الشمالية بعيدة من هذا الإطار. انتقل ترامب من لغة "النار والغضب" إلى عقد لقاءات وقمم مع الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون. فشلت تلك القمم واختار الرجلان في نهاية المطاف الاتفاق على عدم الاتفاق، من دون توترات كبيرة.
وهذا بالضبط ما تريده إيران... لكن
هي ترغب في أن يوقف ترامب الحرب عليها، مع تركها وشأنها. لن يكون "الحرس الثوري" منزعجاً إن اتفقت واشنطن وطهران على عدم الاتفاق – كما هو الأمر بين واشنطن وبيونغ يانغ.
يحب ترامب الافتخار بأن سلوكه غير قابل للتنبؤ به. لكنه بات كذلك إلى حد كبير. و"الحد الكبير" عبارة مهمة هنا. إيران ليست روسيا أو الصين أو حتى كوريا الشمالية. تراجعُ ترامب مع تلك الدول مفهوم وله ما يبرره خصوصاً في الداخل. تراجعه مع إيران لن يكون بنفس السهولة. سلوك طهران مع ترامب ناجح لغاية اللحظة. لكنه يبقى محفوفاً بالمخاطر.
نبض