بعد معركة "صلاحيات الحرب"... هل احتوى ترامب التمرّد الجمهوري؟
تراجع الجمهوريون عن تقييد صلاحيات ترامب العسكرية، ما يعكس التوترات داخل الحزب مع اقتراب الانتخابات. اكتشف المزيد عن هذه التطورات السياسية.
تراجع الجمهوريون في مجلس الشيوخ الأميركي عن موقفهم السابق بشأن تقييد صلاحيات الرئيس الأميركي دونالد ترامب في الحرب مع إيران، بعد ضغوط مباشرة مارسها الأخير خلال اجتماع غداء مغلق اتسم بالتوتر والمواجهات الحادة.
فبعد يوم واحد فقط من نجاح قرار يحدّ من قدرة ترامب على استئناف العمليات العسكرية ضد إيران بفضل دعم أربعة جمهوريين للديموقراطيين، فشل قرار مشابه مساء الأربعاء بنتيجة 50 مقابل 47 صوتاً. وجاء التحول بعدما غيّر السيناتور الجمهوري بيل كاسيدي موقفه وصوّت ضد القرار، فيما اختار السيناتور راند بول التصويت بـ"حاضر" بدلاً من تأييد الإجراء كما فعل سابقاً.
وكان ترامب قد اعتبر أن تصويت مجلس الشيوخ على تقييد صلاحياته العسكرية يقوّض المفاوضات الحساسة التي تجريها إدارته مع إيران بشأن البرنامج النووي، ووصف الجمهوريين الذين دعموا القرار بأنهم "قدموا العون للعدو"، ما أثار غضبه خلال لقائه المغلق مع أعضاء كتلته في مجلس الشيوخ.
توتر بين جمهوريين وترامب
الغداء المغلق كشف حجم التوتر المتصاعد بين ترامب وبعض الجمهوريين. فقد وجّه الرئيس انتقادات حادة للسيناتور بيل كاسيدي، الذي ردّ عليه مباشرة معترضاً على طريقة إدارة الحرب. وقال كاسيدي لترامب إن الإدارة لم تكن واضحة بشأن أهداف الصراع ومدته، مضيفاً أن الحرب كان يفترض أن تستمر أربعة أسابيع لكنها امتدت إلى أربعة أشهر من دون تحقيق الأهداف الأصلية.
وتحوّل النقاش إلى مشادة كلامية، إذ رفع ترامب صوته مطالباً كاسيدي بالجلوس، فيما رد الأخير بالنبرة نفسها. وأقرّ كاسيدي لاحقاً بأنه "فقد أعصابه". وبحسب التقارير، وصف ترامب كاسيدي خلال الاجتماع بأنه "فاشل".
إلا أن الأمور تغيّرت لاحقاً في اليوم نفسه، بعدما استدعى البيت الأبيض كاسيدي إلى إحاطة خاصة شارك فيها نائب الرئيس جي دي فانس والمبعوث ستيف ويتكوف. وقال كاسيدي بعد الاجتماع إنه تلقى إجابات ومعطيات "عالجت الكثير من مخاوفه"، قبل أن يعود إلى مجلس الشيوخ ويصوّت ضد القرار.
أما راند بول، فأكد أن موقفه من صلاحيات الحرب لم يتغير، لكنه قرر منح ترامب "مساحة أكبر للتفاوض على سلام دائم".

وتجاوز الخلاف ملف إيران ليعكس توترات أوسع داخل الحزب الجمهوري. فقد انتقد ترامب أيضاً قيادة مجلس الشيوخ بسبب تعثر مشروع قانون "إنقاذ أميركا" المتعلق بإثبات الجنسية للناخبين، وألغى بشكل مفاجئ توقيع مشروع قانون إسكان يحظى بدعم الحزبين للضغط على الجمهوريين من أجل تمرير أولوياته التشريعية.
ورغم محاولة ترامب التأكيد علناً أن الحزب "موحد"، فإن الاجتماع أظهر انقسامات متزايدة بين الرئيس وبعض أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريين، مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي.
انقسام داخل معسكر ترامب؟
ويقول الأستاذ في الجامعة الأميركية في واشنطن الدكتور إدموند غريب لـ"النهار" إن "مؤشرات الانقسام داخل المعسكر المؤيد لترامب بدأت تتضح بشكل متزايد"، مشيراً إلى أن شخصيات بارزة دعمت وصوله إلى البيت الأبيض، مثل الإعلامي تاكر كارلسون والاستراتيجي السابق ستيف بانون، إضافة إلى النائبة الجمهورية السابقة مارجوري تايلور غرين، باتت توجه انتقادات علنية لسياسة ترامب.
ويوضح أن هؤلاء كانوا من أبرز أنصار ترامب، لكنهم باتوا يتساءلون عن جدوى الانخراط في صراع جديد في الشرق الأوسط قد يحمّل الولايات المتحدة كلفة سياسية واقتصادية وعسكرية، في وقت كان ترامب قد وعد قاعدته الانتخابية بتجنب "الحروب التي لا تنتهي".
ويضيف غريب أن المعارضة للحرب لا تقتصر على بعض الشخصيات الجمهورية، بل تمتد إلى شرائح واسعة من الرأي العام الأميركي، وخصوصاً في أوساط الشباب والطلاب الذين شاركوا في احتجاجات واسعة، فضلاً عن تزايد الانتقادات للخسائر البشرية والمادية الناجمة عن الحرب، وان لم تكن كبيرة. ويرى أن هذه العوامل بدأت تؤثر في المزاج العام الأميركي.
في المقابل، يشير إلى أن معظم القيادات الجمهورية والديموقراطية في واشنطن واصلت دعم الموقفين الأميركي والإسرائيلي، سواء لأسباب سياسية أو أيديولوجية.
ويرى غريب أن هذه التطورات الأخيرة "تؤكد وجود تباينات حقيقية داخل الحزب الجمهوري، لكنها لا ترقى بعد إلى مستوى الانقسام الحاسم". كما يلفت إلى أن بعض القيادات الديموقراطية انتقدت ترامب مؤخراً واعتبرت أن قبوله بوقف إطلاق النار يعكس ضعفاً أو تراجعاً أمام إيران، إلا أن هذا الموقف واجه بدوره اعتراضات داخل الحزب الديموقراطي من شخصيات ترى أن استمرار الحرب لا يخدم المصالح الأميركية.
ويضيف غريب أن استطلاعات الرأي تظهر معارضة ملحوظة للحرب، سواء بين جزء من الجمهوريين أو بين غالبية الديموقراطيين والمستقلين، وهو ما بدأ ينعكس على المشهد السياسي والانتخابي. واستشهد بنتائج الانتخابات التمهيدية الأخيرة في نيويورك، حيث حقق مرشحون معارضون للحرب تقدماً لافتاً، في مؤشر إلى تغير المزاج داخل القاعدة الديموقراطية والليبرالية.
ويختم غريب بالقول إن ترامب يواجه ضغوطاً متناقضة، فمن جهة هناك حلفاء إسرائيل وقيادات جمهورية تدفع نحو التشدد، ومن جهة أخرى هناك رأي عام متزايد يفضل تجنب التصعيد العسكري.
وبرأيه، لا يزال الرئيس الأميركي يفضّل التوصل إلى تفاهم مع إيران وإنهاء المواجهة، رغم استمراره في التلويح بخيارات عسكرية قاسية. ويعتبر أن نجاحه في الوصول إلى تسوية أو إنهاء الحرب قد يمنحه دفعة سياسية مهمة ويعزز موقع الحزب الجمهوري قبل انتخابات التجديد النصفي في تشرين الثاني/نوفمبر.
نبض