ترامب وإيران... إما الانتخابات النصفية أو فيتنام!
ترامب ينتزع الهزيمة من فكي النصر. عليه التخلي عن حلقة مفرغة يدور فيها إذا أراد تجنب أن تتحول إيران إلى فيتنامه السياسية.
عودٌ على بدء. إيران أمام "فرصة" أخرى.
كما يقول البعض، الرئيس الأميركي دونالد ترامب شخصية متفائلة في الديبلوماسية الدولية. فكل ما ينقص لحل الأزمات المستعصية، بحسب رأيه، هو قليل من الوعود والوعيد.
لكن مع إيران تحديداً، أنتج ترامب حلقة مفرغة حاصر نفسه بها: تصعيد بـ "محو حضارة"، ثم فرحة بقبول إيران التفاوض، قبل العودة إلى المربّع الأول.

قراءة ترامب هذه تعني شيئاً واحداً: انتزاع الهزيمة من فكّي النصر.
ترامب، أو فيتنام بشهرين
بحسب جدعون روز من "مجلس العلاقات الخارجية"، تمكن ترامب من تكثيف خمسة أعوام من سياسة الرئيس ليندون جونسون مع فيتنام، في نحو شهرين من السياسة مع إيران. فالجامع المشترك بين الملفين واضح: دخول الحرب، ثم التصعيد، فانسداد الأفق المحبِط، وأخيراً التفاوض.

ولا ينتهي الأمر هنا. دخلت الإدارة الآن موقف إدارة ريتشارد نيكسون من فيتنام: تهديدات نارية يعقبها إدراك تدريجي للحاجة إلى الانسحاب من المأزق. والأهم أن هذا الانسحاب لن يتم إلا باتفاق ضعيف بحسب روز.

ربما درس الإيرانيون حرب فيتنام ولاحظوا طريقة تصرف الإدارتين الديموقراطية والجمهورية مع الأزمة. الدليل على ذلك أنهم لا يقدمون تنازلات جوهرية بعد كل جولة تهديدية صادرة عن البيت الأبيض في الوقت الحالي.
فيتنام ليست قدراً أو أدغالاً... عن الجملة الشهيرة
لا جدال في أن ترامب سيجنّب أميركا مستنقعاً عسكرياً آخر شبيهاً بفيتنام. فهو تفادى نشر جنود أميركيين على الأراضي الإيرانية، ومن غير المرجح أن يأمر بنشرها في المستقبل حتى وإن عاود الضربات. لكن تجنيب أميركا فيتنام عسكرية أخرى غير كافٍ. مع ذلك، لا يزال ترامب يتمتع بالقدرة على تحسين شروطه.

لدى مستشاره الأسبق لشؤون الأمن القومي أتش آر ماكماستر فكرة شهيرة عن حرب فيتنام، وهي أن الأميركيين لم يخسروها في الأدغال بل في العاصمة واشنطن. ويضيف أنّ ذلك حصل "حتى قبل أن يتولى الأميركيون المسؤولية الوحيدة للقتال سنة 1965 وحتى قبل أن يدركوا أن البلاد كانت في الحرب".
المشكلة كما أوردها ماكماستر في كتابه "التقصير في الواجب" (1997) أنّ ليندون جونسون اهتم كثيراً بصورته المسالمة وربطها بهاجسه الانتخابي الدائم، مما ساهم في زيادة تدريجية للضغط. وبرزت مشاكل أخرى مثل قبول الجيش الأميركي بأن يتم تحييده عن مشورة الرئيس وعدم فهم السياسيين أنّ الدعم العسكري سيذهب هباء من دون ترسيخ حكومة فيتنام الجنوبية.
ترامب يعرف الجواب... وقد لا يعجبه
يقول ترامب إنه غير مستعجل لحل الملف الإيراني وإنه لا يربطه بالانتخابات النصفية. هذا مدخل إلى الحل. لكن كلامه لا يتوافق مع نمط التصعيد/التهدئة الذي يتّبعه مرات عدة في اليوم الواحد. إذا أراد إنهاء المشكلة مع إيران فسيكون عليه الاستعداد للتضحية بالانتخابات النصفية.

بإمكان ترامب تجنّب مصير جونسون الذي انسحب من الترشح لانتخابات 1968 بسبب ضغط الحرب. وأساساً ترامب بحلّ من هذا الهاجس، على الأقل شخصياً بما أنه غير قادر على الترشح لولاية ثالثة. لكنّ ذلك قد يتطلب عدم التفكير كثيراً بمصير حزبه في الانتخابات النصفية، إذا كان يريد إيلاء إيران الأهمية القصوى. حالياً، إن الضغط الاقتصادي الأميركي كافٍ لإنهاك إيران ودفعها إلى الطاولة، بشرط منح الآثار وقتاً طويلاً للتبلور. هذا ما بيّنته الضغوط السابقة التي أجبرت إيران على التفاوض حتى مع إدارة الرئيس باراك أوباما الضعيفة نسبياً بعد العقوبات التي فرضتها.
لكن هذه المرة، يبقى ترامب مدعوماً بالدمار الذي ألحقه بالصناعة العسكرية الإيرانية، وبحصار بحري خانق يهدد صناعة النفط الإيرانية أيضاً. العقوبات حاضرة أيضاً ومعها احتمال شنّ المزيد من الضربات. مع ذلك، عليه عدم توقع أي انهيار أو ضعف في الإرادة الإيرانية، قبل عام واحد تقريباً. وهذا لإطلاق التفاوض الجدي وحسب.
فالتنازلات الإيرانية الكبيرة قد تستغرق وقتاً إضافياً. لكن الجائزة ستكون قيّمة: تفكيك البنية التحتية النووية والصاروخية، وهي نتيجة يمكن قياسها إلى حد كبير، خصوصاً في ما يتصل بالبرنامج النووي. وهذا ما لم يستطع أي رئيس أميركي سابق الاقتراب منه حتى. لذلك، إذا تخلى ترامب عن التفكير بالاستحقاق الانتخابي الداخلي، وعن التفكير بضرورة تحقيق اختراق قريب مع إيران، فسيحوّل زخمه العسكري إلى رافعة ديبلوماسية مثمرة على طاولة التفاوض.
بالفعل، وأمام الجمهور الأميركي، يحاول ترامب تبرير الألم الاقتصادي الناجم عن الحرب بقول شيء من هذا القبيل: "إن إيران مسيطرة على مضيق هرمز، هي أقلّ ضرراً من إيران مسيطرة عليه وهي مدجّجة بالسلاح النووي". وهو محق. مشكلته أنه يرى المقايضة بين الألَمَين القاسي البعيد، والخفيف القريب، باعتبارها مقايضة يجب على الشعب الأميركي وحده فهمها. للتذكير، "الصفقات الجميلة" تأتي هي الأخرى بعد ألم الانتظار أيضاً.
نبض