ما بعد "نيوستارت"... كيف تقرأ موسكو وبكين تهديدات ترامب النووية؟
في موسكو وبكين، لا تُقرأ تهديدات الرئيس الأميركي دونالد ترامب النووية بوصفها تصريحات عابرة، بل كإشارة إلى تحوّل أميركي أوسع في قواعد الردع. فروسيا ترى في انتهاء المعاهدات فرصة لإعادة ضبط التوازن، فيما تنظر الصين بحذر إلى التصعيد وسيلة ضغط تستهدف كبح صعودها النووي وجرّها إلى مفاوضات غير متكافئة.
مع انتهاء معاهدة "نيوستارت" بين روسيا وأميركا، يبحث ترامب في زيادة الترسانة النووية واستئناف التجارب تحت الأرض. لا يمكن تمديد المعاهدة قانونياً، لكن الروس اقترحوا اتفاقاً شفهياً مع ترامب لمواصلة سقف الأسلحة في الاتفاق لمدة عام، بينما تجري محادثات حول ترتيبات مراقبة الأسلحة في المستقبل.
بدوره، جادل وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو والعديد من المشرعين بأن أنظمة مراقبة الأسلحة الجديدة يجب أن تشمل الصين، التي شرعت في تعزيز قواتها النووية بشكل كبير. وقد رفضت بكين بشدة المشاركة في محادثات الأسلحة الاستراتيجية، على الأقل حتى تقترب قواتها من حجم قوات واشنطن وموسكو.
ويقول رئيس "معهد طريق الحرير للدراسات والأبحاث" وارف قميحة لـ"النهار": "لا يمكن قراءة السياسة النووية التي تلوّح بها إدارة ترامب باعتبارها خطوة تقنية معزولة. هي في جوهرها جزء من محاولة أوسع لإعادة رسم قواعد الردع النووي في عالم لم يعد ثنائي القطب كما كان في زمن الحرب الباردة".

ويضيف: "من الناحية الأميركية، ثمة طرح متكرر مفاده أن منظومة ضبط التسلح القائمة لم تعد تعكس موازين القوة الحالية، وأن أي اتفاق مستقبلي يجب أن يشمل الصين إلى جانب روسيا. هذا الطرح يُقدَّم بوصفه دعوة إلى معاهدة ثلاثية، لكنه في الواقع يُستخدم أيضاً أداة ضغط سياسية ".
ويتابع: "أما الصين، فموقفها في هذا السياق واضح ومتسق منذ سنوات، ولم يتغير مع التصعيد الأميركي الأخير. بكين ترفض الانخراط في أي معاهدة ثلاثية على أساس الشروط الأميركية الحالية، انطلاقاً من قناعة أساسية مفادها أن ترسانتها النووية لا تزال أصغر بكثير من ترسانتي الولايات المتحدة وروسيا، وأن مساواتها بهما في الالتزامات والقيود لا تعكس واقع التوازنات الفعلية... الأهم من ذلك، أن الصين تنفي بشكل قاطع الاتهامات الأميركية بإجراء تجارب نووية سرية، وتعتبرها جزءاً من خطاب سياسي يهدف إلى تبرير سياسات أميركية أكثر تشدداً، وربما تمهيد الرأي العام لاحتمال استئناف واشنطن نفسها للتجارب النووية".
ويشير إلى أنه "في المقابل، تؤكد بكين التزامها سياسة 'عدم الاستخدام الأول' للأسلحة النووية، ووقف التجارب النووية، وتدعو إلى معالجة قضايا الحد من التسلح من خلال مقاربة تدريجية قائمة على الثقة المتبادلة، لا على الضغط والاتهامات".
من جهته، يؤكد الدكتور في القانون والعلاقات الدولية بشارة صليبا، لـ"النهار"، أن انتهاء مفاعيل معاهدة "ستارت 3" الموقّعة عام 2010 لا يعني فراغاً كاملاً في إدارة ملف الأسلحة النووية الاستراتيجية بين الولايات المتحدة وروسيا. فالمعاهدة انتهت رسمياً لعدم تجديدها، رغم حرص موسكو على التمديد أو التعديل، لأسباب أميركية لا تزال غير واضحة، على رغم المخاطر الوجودية المرتبطة بأسلحة الدمار الشامل غير التكتيكية.
ورغم سقوط الإطار القانوني، يشدد صليبا على أن قنوات التواصل التقنية لم تنقطع بين الطرفين، إذ لا تزال اللجان الفنية الأميركية والروسية تتبادل المعلومات والتنسيق، إدراكاً لخطورة هذا الملف وحساسيته. وفي الوقت نفسه، تُطرح أفكار من الجانبين لإبرام اتفاق جديد أو تعديل القائم، وسط شدّ وجذب حول مطلب واشنطن إشراك الصين. غير أن موسكو وبكين غير متحمستين، إذ تربط روسيا أي توسيع للمعاهدة بضم فرنسا وبريطانيا أيضاً، معتبرة أن الترسانات الصينية والأوروبية أقل وزناً مقارنة بالترسانتين الأميركية والروسية، اللتين تضمان آلاف الرؤوس النووية.
ويحذّر صليبا من أن مشروع "القبة الذهبية" الذي طرحه ترامب قد يفتح باب سباق تسلح جديداً، خصوصاً في الفضاء. لكنه يلفت إلى أن هذه الطروحات لا تزال في إطار الأفكار والضغط السياسي، مؤكداً أن الملف النووي لا يزال "ممسوكاً" ومضبوطاً عبر آليات متابعة مشتركة، رغم غياب معاهدة ملزمة.
في ظل هذا المشهد الضبابي، يبقى مستقبل الردع النووي مرهوناً بقدرة القوى الكبرى على ضبط التصعيد قبل انزلاقه إلى سباق تسلح مفتوح يهدد الاستقرار الدولي.
نبض