بين ريغان وعبد الناصر... دافوس تحت لهيب ترامب
"إذا لم تستطِع جعلَهم يُبصرون النور، اِجعلهم يشعرون باللهيب".
يعمل الرئيس الأميركي دونالد ترامب بهذه النصيحة، بصرف النظر عما إذا كان يعرف أنها لأحد أسلافه: رونالد ريغان.
ينبع صداع الأوروبيين من أن ترامب يشبه ريغان في الكثير من السمات – مثل ماضيهما غير الجمهوري وانطلاقتهما غير السياسيّة – باستثناء النقطة الأهم: الإيمان بالعلاقة العابرة للأطلسي.

قد يتذكّر المؤرّخون يوماً ما دافوس بأنها حلقة أساسية إضافية من الحلقات التي تنبئ بنهاية هذه العلاقة، بالرغم من أن بعض كلمات ترامب، مثل أنه لن يستخدم القوة للحصول على غرينلاند، كانت مريحة. فليس واضحاً ما إذا كانت القوة الاقتصادية خارج الخيارات المتاحة، وما إذا كان هذا التعهد طويل الأمد. وعلى أي حال، تحذيره الأخير من "أننا لن ننسى"، إذا رفضت الدنمارك بيع غرينلاند، يعزز مشروعية المخاوف. هذا من دون الإشارة إلى قول ترامب للأوروبيين إنه لولا بلاده لكانوا يتحدثون الألمانية واليابانية.
ثمة اعتقاد بأن الناتو انتهى بمجرد انتهاء التهديد المشترك للغرب، وهو الاتحاد السوفياتي. لكن أوروبا تنظر إلى روسيا كوريث للاتحاد في نظرتها التوسعية، بينما ينظر ترامب إلى روسيا كقوة موازنة لأوروبا "اليقظوية". من هنا، إذا كانت سياسة ريغان قد ساهمت في نهاية الاتحاد السوفياتي بعد غرقه في أفغانستان، فإن سياسة ترامب قد تساهم في مد حبل نجاة لروسيا بعد غرقها في أوكرانيا. مع ذلك، يمكن أن تتراجع حرب أوكرانيا إلى المرتبة الثانية بالنسبة إلى الأوروبيين.
طيف عبد الناصر
إن الجملة الشهيرة للرئيس المصري الأسبق جمال عبد الناصر، "توقعناهم من الشرق والشمال فجاؤوا من الغرب"، قد تنطبق على القادة في بروكسل. توقعوا أن يأتي العدو من الشرق، لكنهم تفاجأوا ببروز عدو، أو خصم لغاية الآن، من الغرب. فترامب لا يتراجع عن فتح ملف غرينلاند، ودافوس كانت مناسبة بارزة لتجديد المطالبة. لكن كما أن عبد الناصر لم ينجُ من الانتقادات بسبب تبريره للخسارة العسكرية سنة 1967، كذلك ستكون الحال بالنسبة إلى الأوروبيين الذين لم يتوقعوا طمع ترامب بالجزيرة.

فتاريخ مطالبة الرئيس بشراء الجزيرة يعود إلى ولايته الأولى، حين دخل أيضاً في صدام علني مع رئيسة الوزراء الدنماركية ميتي فريدريكسون، وتحديداً في آب/أغسطس 2019، بعد رفضها بيع غرينلاند. حصل ذلك حين كان "الراشدون في الغرفة" لا يزالون معه. بالتالي، لطالما تبوأت غرينلاند مراتب متقدمة في لائحة اهتمامات الرئيس. وقبل أقلّ من أسبوعين على تنصيبه رئيساً لولاية ثانية، أرسل ابنه دونالد جونيور إلى الجزيرة. ليس أن أوروبا لم تحصل على الكثير من الإشارات التحذيرية قبل اللحظة الراهنة.
دافوس ولحظة السويس
يشبّه توم سويتزر من "مركز الدراسات الدولية" قضية غرينلاند بلحظة السويس المفصلية التي أدركت خلالها بريطانيا أنها لم تعد قوة دولية كبرى. حالياً، تفتتح مطالب ترامب بالجزيرة لحظة نهاية ادعاء الولايات المتحدة أنها تحمي القارة العجوز. لكن مقال سويتزر في مجلة "سبكتيتور" يذهب أبعد من ذلك، فيشير إلى أن الاتحاد بين الأميركيين والأوروبيين كان تقريباً الاستثناء في التاريخ، لا القاعدة. إذاً، القضية أكبر من ترامب نفسه. ويسهلُ فهم هذا التصور.
قبل عام تقريباً، وتحت عنوان "بين ماغا الأميركية وميغا الأوروبية... نارٌ تحت الرماد"، أوضحت "النهار" أن الخلاف بين الأميركيين والأوروبيين لا علاقة له بالانقسام بين الرؤى المحافظة والتقدمية فقط، بل هو يطال أيضاً المحافظين أنفسهم على ضفتي الأطلسي. فالشرخ بين المحافظين الأميركيين والأوروبيين تاريخي وثقافي وتجاري. بات بالإمكان الآن إضافة العنصر الجغرافي المتفجّر إلى هذا المزيج. حديث نايجل فاراج، أقرب المقربين الأوروبيين من ترامب، معبّر. فهو قال لرئيس مجلس النواب الأميركي مايك جونسون منذ أيام:
"بإمكان الأصدقاء أن يختلفوا في المجالس الخاصة، ولا بأس بذلك... لكن أن يكون لدينا رئيس أميركي يهدد بالتعريفات حتى نتفق على إمكانية أن يسيطر على غرينلاند، بطرق ما، من دون أن يأخذ على ما يبدو حتى موافقة شعب غرينلاند... فهذا عمل عدواني جداً".

إذاً، يستعر الخلاف الأميركي-الأوروبي بأسرع من المتوقع. بات الرئيس الأميركي مصدر الخوف الأكبر للأوروبيين، لكنه بالتأكيد ليس المصدر الوحيد.
و"رهان تشرشل" ليس الحل
تجد أوروبا نفسها في سباق خاسر مع الأحداث. سبقتها التطورات الأخيرة في الشرق الأوسط ووقفت متفرجة قبل ذلك على خسارة أرمينيا في مواجهة أذربيجان في صراعهما حول إقليم ناغورنو كراباخ. وموقفها في أفريقيا ليس أفضل حالاً. بالإضافة إلى ذلك، هي تجد صعوبة في الاتفاق حتى في مناطق بعيدة من النزاعات ومن تدخل القوى الكبرى، كما حدث مؤخراً خلال تجديد اتفاقية "ميركوسور". يتبيّن أن "شارل ديغول"، كرمز فرنسي، غير ممتعض فقط من الأميركيين. والامتعاض غير قائم هذه المرة، كما يقول البعض، على القاعدة الديكارتية المعدّلة "أنا أعارض، إذاً أنا موجود". فرنسا مختلفة مع كثير من أصدقائها الأوروبيين حيال الاتفاقية مع دول "ميركوسور". لكن العلاقة بين أوروبا ومعظم دول أميركا اللاتينية ثانوية بالنسبة إلى القضايا الدولية الملحّة.
فبحسب وولتر راسل ميد من "وول ستريت جورنال"، تذكّر الاضطرابات الجيوسياسية الحالية معظم الأوروبيين بالقرن المظلم الذي امتدّ من سنة 1850 حتى سنة 1945.
الفرق اليوم أن النجدة لن تأتي من وراء المحيط الأطلسي. ثمة قول منسوب إلى ونستون تشرشل مفاده أنه "يمكن الثقة بقيام الأميركيين بالأمر الصائب، فقط بعد استنفاد جميع الاحتمالات الأخرى". "مشروع تشرشل" التابع لكلية هيلزديل الأميركية لم يجد مصدراً لهذا القول، لكنه لم يستبعد أن يكون شعور كهذا قد اعترى رئيس الوزراء البريطاني الأسبق في لحظات معينة من الحرب العالمية الثانية.
لا يمكن قول الأمر نفسه عن شعور الأوروبيين اليوم بعودة أميركية إلى "الأعمال الصحيحة". يشعر معظمهم بأن النجدة لن تأتي، إلا على شاكلة تكبيل الانتخابات النصفية للرئيس الأميركي أو عصيان الجيش أوامر الرئيس، في حال غيّر رأيه وأمر بالسيطرة على غرينلاند بوسائل عسكرية. لكن حتى لو نسي ترامب الجزيرة فسيكون على الأوروبيين، وللمفارقة من دافوس نفسها، التعامل مع سؤال لينين القديم: "ما العمل".
نبض