جرح العراق و"هايدرا"... ترامب يتقمّص بوش؟
Pathemata Mathemata
قول مأثور في اليونانية يرادف تقريباً "التعلّم عبر الألم".
الألم الذي تسبّب به غزو العراق، ومعه أفغانستان، للولايات المتحدة، يعني أن لا حروب خارجية بعد اليوم. أو هكذا يُفترض.
بالفعل، بدا جرحُ العراق حاضراً في الكثير من الحسابات المترددة للإدارات الأميركية المتعاقبة. لكن القادة الأميركيين يتعلمون أنه لا يمكنك أن تكون قوة عظمى وتتفرج على العالم يشتعل من حولك. ليس دائماً على الأقل.
شديد الوضوح
حين دخل البيت الأبيض، حمل الرئيس دونالد ترامب هواجس خارجية تتلخص بعدم تكرار أخطاء أسلافه. لكن المعضلة كانت واضحة منذ البداية: تلك الأخطاء نجمت عن شخصيات متناقضة. بوش من الصقور، أوباما من الحمائم (مع بعض الاستثناءات، كدعم التدخل في ليبيا والاغتيال بالمسيّرات). لم يكن ترامب يريد حرباً، لكنه لم يكن يريد أيضاً خطوطاً حمراء واهية. في الولاية الأولى، نجح الرئيس في اعتماد سياسة خارجية وسطية.

إنما قبل انتهاء العام الأول من ولايته الثانية، أمر ترامب باعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو. اتهمه خصومه بتكرار أخطاء العراق. لكن الاتهام هشّ. فما حصل في فنزويلا لم يكن حرباً. يصعب إحصاء حرب تقاس بالساعات. ويصعب أيضاً تذكر حرب لم يفقد فيها الطرف المهاجم أي خسارة في الأرواح، بل حتى في المعدات.
عن الأسطورة والواقع
الأهم أن ما حدث في فنزويلا لم يكن تغييراً للنظام. صحيح أنه تم "قطع رأسه"، لكن أبقيت على الروح فيه، بفعل اختيار التعامل مع رؤوس أخرى... حتى الآن. بإمكان القارئ الاستعارة مجدداً من اليونانيين وأساطيرهم: الـ "هايدرا". هو وحش برؤوس عدة، ولا يكفي استئصال رأس واحد منه لقتله، كما اكتشف هرقل.
سياسة ترامب غير مضمونة. ربما يتبين لاحقاً وجود حاجة لوضع قوات على الأرض، وبالتالي، لخوض حرب طويلة ضد الميليشيات الفنزويلية. وقد يراهن المتشددون، مثل الرئيسة الجديدة دلسي رودريغيز ووزير الداخلية ديوسدادو كابيلو ووزير الدفاع فلاديمير بادرينو، على الوقت وتعب ترامب. أشهرٌ وربما أعوام قليلة قد تكفيهم من أجل إدارة فنزويلا بالطريقة القديمة، وربما بنزعة أكثر تشدداً.

كان الـ "هايدرا" الأسطوري قادراً على إعادة توليد رأسين بدلاً من الرأس الواحد لدى قطعه. لذلك أطلق العلماء اسمه على كائن بحري حقيقي لم يُظهر قدرة على تجديد نفسه بعد قطعه وحسب، بل يبدو أنه مضاد للشيخوخة أيضاً. ينتشر هذا الكائن الصغير في بحار عدة، منها الكاريبي. واليونانيون لا يزالون إلى اليوم يستخدمون مثلَ قطع رأس الوحش الأسطوري، للدلالة على مواجهة المهام المستعصية، غالباً مع ارتدادات سلبية.
"التمرّد آت"
بحسب "نيويورك تايمز"، القمع يزداد حدة منذ اليوم. بالنسبة إلى ترامب، المهم ألا يزداد إرسال المخدرات. لا كلام عن الديموقراطية، كما كان الحال في العراق.
في نظام مادورو، كما في كل الأنظمة، قوى مقتنعة بالعقيدة، وأخرى بالمكاسب. ويؤدي الاختلاف الجيلي دوراً في التباينات الداخلية. قد تحفّز سيطرة أميركا على النفط الفنزويلي التمرد ضد النظام الجديد إذا قبِل بذلك. وقد تفضل وجوه النظام التهدئة لأن المحور المناهض لأميركا مترنّح. مع ذلك، يقول روبرت پايپ من جامعة شيكاغو إن فنزويلا "ميدان مثالي للتمرد. الفوضى آتية".
ربما. في نهاية المطاف، اشتعلت حرب فيتنام بعدما كان الهدف الأميركي ينحصر في العمليات المحدودة. لكن ترامب ليس أيزنهاور أو كينيدي أو جونسون الذين خافوا من المدّ السوفياتي وانعكاس ذلك على صدقية بلادهم لدى الحلفاء. اِسألوا حلفاء ترامب الأوروبيين عن الصدقية الأميركية في عهده. وهو ليس بوش، لسبب بسيط أن بلاده لم تتعرض لهجوم إرهابي. هل من يذكر أن بوش الابن كان في خطابه الانتخابي معارضاً لاستخدام الجيش في بناء الدول؟
نجحت رؤية ترامب في ولايته الأولى. الولاية الثانية، بالتأكيد، أشدّ تقلباً. لا تزال الأساطير متناقَلة لغاية ما.
نبض