من المسيّرات إلى "يلدريم خان": هل تملأ تركيا "فراغ الردع" الإيراني المحتمل؟
بينما تتجه الأنظار إلى "صفقة كبرى" محتملة بين أميركا وإيران تُعيد رسم خرائط الشرق الأوسط، كشفت تركيا عن صاروخ "يلدريم خان" بمدى يصل إلى 6000 كيلومتر، وسرعات فرط صوتية تتحدّى أنظمة الدفاع التقليدية. هذا التطوّر الاستراتيجي يأتي كإعلان صريح عن جاهزية أنقرة لملء "فراغ الردع" الذي قد يخلّفه أي تراجع في النفوذ الإيراني، وهو ما استنفر دوائر صنع القرار في إسرائيل، وفق تقارير صحافية عبرية وصفت الصاروخ بـ"الوحش الباليستي".
وتخشى الأوساط الأمنية الإسرائيلية أن تنجح تركيا، تحت غطاء استقلاليتها الدفاعية عن "الناتو"، في بناء مظلة صاروخية إقليمية، ما يجعل من "الانفلاش التركي" البديل الأكثر تعقيداً وخطورة عن برنامج طهران الصاروخي. فبينما كانت إسرائيل تعتبر أنها تدير صراعاً مع "محور أيديولوجي"، تجد نفسها اليوم أمام "دولة مؤسسات" أطلسية تمتلك "التكنولوجيا والشرعية".
أمام هذا الواقع الجديد، يبقى السؤال الإشكالي مطروحاً: هل ينجح "يلدريم خان" في فرض تركيا كقوة ردع إقليمية وحيدة قادرة على لجم الطموحات الإسرائيلية، أم يضع هذا التمدّد الباليستي أنقرة في صدام مباشر، لا فقط مع تل أبيب، بل مع حلفائها في الغرب؟
شيفرة "يلدريم خان"
يبدو أن طموح أنقرة لم يعد مجرد "سد فراغ" خلّفه تراجع النفوذ الإيراني، بل بات "خريطة طريق" تفرضها لغة القوّة التي أصبحت، بحسب الخبير الأمني التركي سعاد ديلغين، "العملة الوحيدة المعتبرة في سوق الديبلوماسية الدولية".
في معرض "ساها 2026"، لم يكن الكشف عن صاروخ "يلدريم خان" مجرد عرض لمنظومة سلاح جديدة، بل كان رسالة سياسية مشفرة، وفق حديث ديلغين مع "النهار". فتركيا تعيد معايرة ردعها لمواجهة واقع أثبتت فيه المواجهات الأخيرة بين طهران وتل أبيب وواشنطن أن الصواريخ هي الفيصل بين الهجوم والدفاع.
لكن، خلف ستار الدخان التكنولوجي، تبرز تساؤلات ملحّة، فالمواصفات اللافتة التي أُعلنت، ومنها مدى يصل إلى 6000 كم وسرعة فرط صوتية (Mach 9-25)، تضع أنقرة على أعتاب الصواريخ العابرة للقارات. وهنا يطرح ديلغين تساؤلاً استقصائياً: هل ما رأيناه سلاح فتاك جاهز أم "نموذج تجريبي" لإثبات الحضور؟
يؤكد ديلغين أن الفجوة بين "الإعلان" و"القدرة المؤكدة" لا تزال قائمة ما لم يخضع النظام لاختبارات طيران علنية ومستقلة.
خوف على "عقيدة التفوّق النوعي"
هذا القفز العسكري التركي يثير حفيظة تل أبيب. وبحسب التحليلات للمواقف الإقليمية، لا ينبع القلق الإسرائيلي من عداء تحديداً لأنقرة بقدر ما ينبع من "عقيدة التفوّق النوعي". فدخول "يلدريم خان" المعادلة يعني عملياً إلغاء المسافات الجغرافية، إذ يصبح الإقليم بأكمله تحت رحمة الزناد التركي.
يحلل ديلغين هذا القلق موضحاً أن إسرائيل، التي تفضل البقاء كقطب أوحد عسكرياً، ترى في أي قدرة باليستية مستقلة "متغيراً غير قابل للتنبؤ"، حتى وإن كانت صادرة من دولة عضو في الناتو. ففي حسابات الردع، "الإدراك يسبق الإثبات"، وإسرائيل بدأت بالفعل معايرة تهديداتها بناءً على "هيبة" السلاح التركي قبل أن يلمس منصّات الإطلاق فعلياً.
عيوب تقنية أم استراتيجية مؤجلة؟
في تشريحه التقني للمنظومة، يضع الخبير الأمني التركي إصبعه على "نقطة ضعف" قد تغيب عن الحماسة القومية، وهي اعتماد الصاروخ على الوقود السائل. ورغم ما يوفره هذا النوع من تحكم هائل في الدفع وحمولات ثقيلة، فإنه يمثل "كابوساً لوجستياً" يحدّ من سرعة الاستجابة في لحظات الحرب الخاطفة، مقارنة بأنظمة الوقود الصلب.
/WhatsApp%20Image%202026-05-07%20at%209.24.46%20AM.jpeg)
ركائز الردع الشامل: تكنولوجيا تتفوّق على "الكم" الإيراني
لم يعد الطموح التركي في الصناعات الدفاعية حبيس النجاحات التي حققتها الطائرات المسيّرة، فأنقرة التي صدّرت تكنولوجيا الجوّ إلى العالم، تقتحم اليوم فضاءً أكثر تعقيداً وحساسية.
وفي حديثه لـ"النهار"، يرى الباحث والكاتب السياسي التركي علي أسمر أن الكشف عن "يلدريم خان" ليس مجرد إنجاز فني، بل هو إعلان عن تحول تركيا إلى "قطب استراتيجي يكسر معادلات التبعية".
يرصد أسمر تحولاً جذرياً في العقيدة العسكرية التركية، إذ باتت أنقرة تنظر إلى الصواريخ الباليستية كركيزة لا غنى عنها في "منظومة الردع الشامل".
وبحسب أسمر، فإن المقارنة بين الترسانة التركية ونظيرتها الإيرانية تفتقر إلى العدالة، فبينما تعتمد طهران على الكثافة العددية، تقدم أنقرة "معادلة ذهبية" تجمع بين التكنولوجيا الفائقة والسعر المنافس، لتملأ الفجوة بين السلاح الغربي الباهظ الثمن، والسلاح الإيراني الذي يفتقر إلى الحداثة الرقمية.
التحرّر التام من قيود التسلح الغربية
في ما يتعلق بملء فراغ النفوذ الإيراني، يقدّم أسمر قراءة مغايرة، فتركيا لا تسعى لاستبدال هيمنة بأخرى، بل تطرح نموذجاً يقوم على "التعاون الإقليمي المؤسساتي".
ويشدد أسمر على أن السياسة التركية ترفض "منطق الميليشيات" وتفضّل التعامل المباشر مع الحكومات الرسمية وفق قاعدة "الربح المشترك".
ويفسّر حالة التوجّس الإسرائيلي بأنها ناتجة عن رغبة إسرائيل المطلقة في الاحتفاظ بلقب "القوة المتفوّقة الوحيدة". وامتلاك تركيا لقرارها السيادي وتطويرها لصناعات عسكرية منافسة يهددان الحصة السوقية لإسرائيل في تجارة السلاح، ويكسران احتكارها لموازين القوى في ملفات حساسة كالملف السوري والصومالي.
يختتم أسمر تحليله بالإشارة إلى أن مشروع "يلدريم خان" هو الثمرة الناضجة لرؤية بدأت منذ عام 2002، والمتمثلة في التحرر التام من قيود التسلح الغربية. تطوير هذا الصاروخ يبعث برسالة واضحة: "إذا أردت السلام فاستعد للحرب"، ما يفتح الباب أمام حقبة جديدة من التعاون العسكري "السيادي" في المنطقة.
نبض