نتنياهو في معركة الميزانية... هل يدفع الجيش الإسرائيلي ثمن حساباته؟
يحتاج رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى دعم المعارضة لتمرير تعديلات مالية يطالب بها الجيش، بعدما وصلت أزمة التمويل إلى مشتريات الصواريخ الاعتراضية وبرامج استعادة الجاهزية. وبين تحذيرات المؤسسة العسكرية وشروط زعيم المعارضة يائير لابيد، تواجه حكومته اتهامات بالتأخر في معالجة نقص كانت تعرفه منذ أشهر، حتى أصبح إقرار الأموال مرتبطاً بتفاهمات سياسية في فترة الانتخابات.
فبحسب تقرير للمحلل العسكري يوسي يهوشواع في "يديعوت أحرونوت"، حذّر الجيش الإسرائيلي طوال عام من نقص الذخائر واستنزاف المخزونات وفجوات التمويل، قبل أن يستعين نتنياهو ووزير المالية بتسلئيل سموتريتش برئيس قسم التخطيط العسكري لإقناع لابيد بدعم التعديلات المطلوبة. ويقدّر التقرير احتياجات الجيش غير المموّلة بنحو 40 مليار شيكل (نحو 13.1 مليار دولار)، لتغطية نفقاته الجارية وتعزيز قواته.
ويتداخل في هذه المعركة تمويل العمليات الحالية مع خطة تسليح طويلة الأمد يسعى نتنياهو إلى تثبيتها، فيما يطالب لابيد بإعادة ترتيب أولويات الإنفاق. أما المؤسسة العسكرية فتحذّر، وفق التقارير الإسرائيلية، من أن استمرار التعطيل ينعكس على قدرتها على تعويض المخزونات وتأهيل القوات وتجهيز مواقع انتشارها.
نتنياهو يحتاج المعارضة... ولابيد يضع شروطه
بحسب "غلوبس" الاقتصادية، طلب نتنياهو من لابيد، خلال إيجاز أمني، دعم إعادة فتح قانون الميزانية لتحويل أموال إضافية إلى المؤسسة الأمنية. وجاء الطلب مع اقتراب الانتخابات والحاجة إلى تمرير التشريعات عبر "لجنة التوافق"، التي تضم ممثلين عن الائتلاف والمعارضة.
ويربط لابيد موافقته بمصدر التمويل. فوفق بيان مكتبه الذي نقلته الصحيفة، قال لنتنياهو "أنا أؤيد المقترح وأدعم تحويل الأموال لأن الجيش الإسرائيلي بحاجة للتعزيز؛ غير أن مصدر التمويل لا يمكن أن يكون عبر رفع الضرائب على الطبقة الوسطى وجنود الاحتياط وهو الأمر الذي تدفع باتجاهه. بدلاً من ذلك أدرج في المقترح إلغاء أموال الائتلاف الفاسدة وعشرات المليارات من الشواكل (مليارات الدولارات) التي تخصصها حالياً لتمويل تهرب اليهود المتشددين (الحريديم) من الخدمة العسكرية وحينها سندعم المقترح في الكنيست".
في المقابل، نقلت "القناة 13" عن حزب "الليكود" رفضه هذه التقديرات، وتأكيده أن الإيرادات الحكومية تجاوزت التوقعات والعجز جاء أقل من المقدّر، بما يسمح بزيادة ميزانية الدفاع من دون رفع الضرائب. ودعا وزير الدفاع يسرائيل كاتس لابيد إلى دعم التمويل، معتبراً أن الأموال موجودة في الخزينة وأن إتاحتها تتطلب إجراءات تشريعية، ومحذّراً من أثر التأخير على جاهزية الجيش.
وتعيد "يديعوت أحرونوت" مسؤولية التعقيد الحالي إلى تأخّر الحكومة في التحرك رغم التحذيرات العسكرية المتكررة. فالتعديل المطلوب يستوجب تغيير الإطار المالي وتشريعاً في الكنيست، وقد يؤدي تعذّر إقراره الآن، وفق تقدير الصحيفة، إلى انتظار يمتد نحو ستة أشهر، إلى حين إجراء الانتخابات وتشكيل الحكومة المقبلة. وخلال هذه الفترة، سيضطر الجيش إلى تأجيل برامج وتقليص نفقات.

المشتريات والجاهزية تحت ضغط التمويل
أظهرت المعلومات الأحدث أن الأزمة بدأت تنعكس على قرارات الشراء. ففي تقرير لألون بن دافيد ومتان حودوروف، أفادت "القناة 13" بأن الجيش أوقف شراء صواريخ اعتراضية لمنظومات الدفاع، ويحتاج بصورة عاجلة إلى 15 مليار شيكل (نحو 4.9 مليارات دولار) وافقت عليها الحكومة، ولا تزال تنتظر موافقة لجنة المالية البرلمانية.
وفي مقابل التحذيرات العسكرية، نقلت القناة عن مصدر في وزارة المالية أن المطالب تتصل بتغطية ديون نشأت من دون موافقة، مع التحذير من احتمال رفع الضرائب لتمويلها. ويكشف هذا الموقف خلافاً بين الوزارة والجيش على مشروعية الالتزامات المالية ومدى إلحاحها، إضافة إلى السجال بين الحكومة والمعارضة.
وبحسب المراسل العسكري للقناة، يحتاج الجيش إلى تغطية عجزه حتى نهاية العام، وقد تسببت الأزمة بوقف جميع عمليات التجنيد للخدمة الدائمة ومشتريات الذخائر والصواريخ الاعتراضية. وأضاف أن "التعطيل طاول شق طرق للوصول إلى مواقع عسكرية جديدة في لبنان قبل موسم الأمطار والطين".
وتأتي هذه التطورات على خلفية استنزاف أوسع تصفه المؤسسة الأمنية في تقرير "يديعوت أحرونوت". فالأموال التي حُوّلت خلال الحرب "خُصصت أساساً للاحتياجات اليومية وإدارة العمليات، فيما بقيت فجوات في بناء القوات ومخزونات الذخائر والقدرات الإنتاجية وخطط التوريد". وتحذّر المؤسسة أيضاً من خطر توقف خطوط إنتاج في شركات الصناعات الدفاعية الإسرائيلية بسبب غياب تمويل مستقر.
وفي السياق نفسه، نقلت الصحيفة عن نائب رئيس الأركان اللواء تامير يدعي تحذيره في وثيقة من أن إجراءات معالجة النقص تؤدي إلى "ضرر حقيقي بقدرة الجيش والحفاظ على استقراره"، بعدما حذّر رئيس الأركان إيال زامير من أن "الخزائن فارغة". وتشمل التداعيات الواردة في التقرير تقليص برامج استعادة الجاهزية، وحصر موارد بناء القوات بالاحتياجات العملياتية الأساسية، وتأجيل استثمارات البنية التحتية ومشاريع خطوط الانتشار الجديدة.
وتساعد أرقام الميزانية في توضيح الفارق بين زيادة المخصصات وإتاحتها للإنفاق. فبحسب "غلوبس"، بدأت ميزانية الدفاع عند 111 مليار شيكل (نحو 36.4 مليار دولار) عندما أقرتها الحكومة في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، ثم ارتفعت إلى 143 ملياراً (نحو 46.9 مليار دولار) عند عرضها على الكنيست خلال عملية "زئير الأسد". وأضيف احتياط دفاعي بقيمة 15 مليار شيكل (نحو 4.9 مليارات دولار)، ليرتفع الإجمالي إلى 158 ملياراً (نحو 51.8 مليار دولار).
لكن إدراج الأموال في الاحتياط يتطلب استكمال إجراءات تحويلها، وهو موضع التعثر الذي يورده تقرير "القناة 13". أما وقف المشتريات فيشير إلى تعطيل التعويض والتزويد، من دون أن يكشف وحده حجم المخزون المتاح أو المدة التي يستطيع الجيش مواصلة عملياته خلالها.
التزامات تتجاوز ولاية نتنياهو
تتجاوز المعركة الاحتياجات العاجلة إلى خطة تسليح بدأها نتنياهو بقيمة 350 مليار شيكل (نحو 114.8 مليار دولار)، ثم ارتفع حجمها إلى 400 مليار شيكل (نحو 131.2 مليار دولار)، وفق "غلوبس". وتُضاف هذه الخطة إلى ميزانية الدفاع السنوية، بما يرتّب التزامات على موازنات الحكومات المقبلة.
وبحسب الصحيفة، يُفترض توفير 100 مليار شيكل (نحو 32.8 مليار دولار) عبر تحسين الكفاءة العسكرية ومصادر خارج الموازنة التقليدية، مثل طرح أسهم شركات دفاع حكومية. أما المبلغ المتبقي، وقدره 300 مليار شيكل (نحو 98.4 مليار دولار)، فقد بدأت الحكومة اتخاذ قرارات تتصل بإنفاقه رغم اقتراب نهاية ولايتها.
ومن الالتزامات التي أوردتها "غلوبس" تخصيص 40 مليار شيكل (نحو 13.1 مليار دولار) لأسراب الطائرات، وهو بند مستقل عن العجز العاجل بالقيمة نفسها. وتشمل المخصصات أيضاً 12.5 مليار شيكل لوزارة الخارجية (نحو 4.1 مليارات دولار)، و7 مليارات لإعادة تأهيل الجنوب (نحو 2.3 مليار دولار)، ونحو 100 مليار إضافية (نحو 32.8 مليار دولار) لتأمين مشتريات مستقبلية إذا خلت مذكرة التفاهم الجديدة مع واشنطن من مساهمة مالية أميركية.
وأمام هذه الالتزامات، حذّر محافظ بنك إسرائيل أمير يارون، في تصريحات نقلتها الصحيفة، من "معضلة مالية ثلاثية الأبعاد"، تفرض على أي حكومة مقبلة اعتماد سياسة تعيد نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي إلى مسار تنازلي، وتبني احتياطات مالية وقائية، وتوفّر الاحتياجات الدفاعية من دون مزاحمة الإنفاق المدني الضروري.
وربط يارون أي زيادة دفاعية بكلفتها الاقتصادية، محذّراً من غياب ما يمكن اعتباره ميزانية غير محدودة أو "وجبة مجانية". فهذه النفقات ستنعكس، وفق تحذيره، في ضرائب أعلى أو تقليص بنود الإنفاق المدني، أو في ضرائب مستقبلية وفوائد وتضخم. وشدّد على ضرورة رفع كفاءة الإنفاق العسكري، بالتوازي مع الاستثمار في محركات النمو الرئيسية، ولا سيما التعليم والبنية التحتية للنقل والإسكان، وحصر الاستثمارات الدفاعية الراهنة بما هو ضروري للغاية للحفاظ على مرونة الحكومات المقبلة.
بهذا المعنى، يفاوض نتنياهو على تمويل احتياجات الجيش الحالية وعلى التزامات تتجاوز ولايته في آن واحد. وتمنح حاجة الحكومة إلى موافقة المعارضة لابيد فرصة للضغط على أولويات الإنفاق، فيما تجعل التحذيرات العسكرية استمرار التأخير أكثر كلفة. وتتوقف التسوية على تحديد الأموال التي يمكن تحويلها فوراً، ومصدر تغطيتها، وحجم الالتزامات التي ستُترك للحكومة المقبلة.
نبض