إسرائيل تستهدف قادة إيران باستخدام منصة ذكاء اصطناعي جديدة

ايران 31-03-2026 | 09:51

إسرائيل تستهدف قادة إيران باستخدام منصة ذكاء اصطناعي جديدة

"كل ما يمكن اختراقه، حاولنا اختراقه"، يقول مسؤول عسكري إسرائيلي، مشيراً إلى مكالمات الهاتف، وكاميرات السير، وحتى الأنظمة الأمنية الداخلية.
إسرائيل تستهدف قادة إيران باستخدام منصة ذكاء اصطناعي جديدة
طهران (أ ف ب)
Smaller Bigger

نسجت أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية تعاوناً طويل الأمد مع نظيراتها الأميركية، ولا سيما وكالة الاستخبارات المركزية ووكالة الأمن القومي، في إطار عمليات سرّية استهدفت إيران.

 

ومن أبرز هذه العمليات برنامج "ستاكس نت"، الذي كُشف عام 2010، واستخدم شيفرات خبيثة لضرب برنامج تخصيب اليورانيوم الإيراني.

لكنّ جزءاً كبيراً من القدرات الاستخباراتية التي تُستخدم اليوم في استهداف القيادات الإيرانية لم يتبلور إلا بعد موجة المواجهات السيبرانية المتبادلة بين طهران وتل أبيب قبل نحو خمس سنوات. فبعد هجمات يُشتبه بأنها إيرانية تسبّبت بانقطاعات في مرافق المياه الإسرائيلية، ردّت إسرائيل بسلسلة عمليات مضادة، عطّلت إشارات السير في طهران، وأغلقت محطات الوقود عبر تخريب أنظمتها، ومنعت عناصر "الباسيج" من سحب الأموال من أجهزة الصراف الآلي.

لكنّ هذه العمليات، على محدوديتها الظاهرة، كانت تخفي وراءها حملة أوسع، قادتها الوحدة 8200، لاختراق ما يصفه مسؤولون بـ"الجهاز العصبي الرقميّ" لإيران. "كلّ ما يمكن اختراقه، حاولنا اختراقه"، يقول مسؤول عسكري إسرائيلي، مشيراً إلى مكالمات الهاتف، وكاميرات السير، وحتى الأنظمة الأمنية الداخلية.

وقد طاولت الاختراقات قواعد بيانات حسّاسة تُديرها الأجهزة الأمنية، تشمل مواقع تُستخدم كمراكز قيادة في حالات الطوارئ أو كملاجئ بديلة للقادة. ويضيف المسؤول: "أحياناً كنا نصل إلى بيانات من استخبارات الحرس الثوري، وأحياناً من الجيش أو الشرطة… بات الوصول إلى المعلومات أعمق وأكثر دقة".

في المقابل، أسهمت سياسات الرقابة الداخلية في إيران في خلق ثغرات غير متوقعة. فمع فرض تمرير الاتصالات عبر مراكز مركزية للتحكم بالإنترنت، باتت هذه النقاط نفسها هدفاً محتملاً للاختراق.

 

ويوضح مسؤول استخباراتي غربي سابق بأن "الاختراق الخفيّ يتيح نقطة مراقبة قوية للغاية"، تمكّن من التقاط الرسائل والمكالمات الخاصة بمسؤولي النظام.

ورغم تحرّك طهران لتضييق هذه الثغرات، عبر فرض قيود على استخدام الهواتف المحمولة داخل الأجهزة الأمنية، فإن هذه الإجراءات لم توقف الاختراقات بالكامل. "حتى لو مُنع الهاتف أثناء العمل، فسيعود الشخص لاستخدامه فور انتهاء دوامه… لا أحد يعيش في عزلة"، يقول أحد المسؤولين.

 

الحرب الأميركية الإيرانية (أ ف ب)
الحرب الأميركية الإيرانية (أ ف ب)

 

ما هو العامل الحاسم؟

 

لكن العامل الحاسم، بحسب تقرير "واشنطن بوست"، يتمثل بمنصة ذكاء اصطناعي متقدّمة تُستخدم لتحليل كميات هائلة من البيانات المستخرجة من داخل إيران، بهدف تتبّع تحركات القادة ورسم أنماط سلوكهم. ويصف مسؤولون هذه الأداة بأنها من أبرز التطورات الاستخباراتية في العقد الأخير.

وقد ظهرت نتائج هذه القدرات بوضوح خلال الحملة، التي استمرت 12 يوماً العام الماضي، حيث نُفّذت ضربات متزامنة على البنية النووية الإيرانية، بالتوازي مع استهداف قيادات عسكرية. وبلغت دقّة المعلومات حدّ إعادة توجيه الصواريخ أثناء تحليقها، وفق تحرّكات الأهداف.

مع ذلك، لم تكن هذه الدّقة دائماً مطلقة. ففي مطلع آذار/مارس، استهدفت إسرائيل مقر "مجلس خبراء القيادة" في قم، حيث كان يُفترض أن يجتمع أعضاؤه لبحث مسألة الخلافة. دُمّر المبنى، لكن الاجتماع كان قد عُقد افتراضياً، ما جنّب الأعضاء الاستهداف. وأوضح مسؤول دفاعي بأن الهدف كان تعطيل الاجتماع، لا تصفية المشاركين فيه.

في وقت كان فيه القادة العسكريون الأميركيون والإسرائيليون يرسمون ملامح الحرب على إيران، برزت معادلة واضحة في توزيع الأدوار: استهداف البنية العسكرية والنووية من جهة، ومهمة أكثر حساسية من جهة أخرى أُنيطت بإسرائيل، هي تعقّب قادة إيران وتصفيتهم.

وبحسب "واشنطن بوست"، مضت إسرائيل في تنفيذ هذه المهمّة بوتيرة غير مسبوقة، معلنة مقتل أكثر من 250 من كبار المسؤولين الإيرانيين منذ بداية الحرب، بينهم المرشد الأعلى في الضربة الأولى، وصولًا إلى قائد القوات البحرية في الحرس الثوري الذي أُعلن عن مقتله أخيراً.

قدّم الرئيس الأميركي دونالد ترامب هذه الضربات على أنها جزء من عملية مشتركة، قائلاً للصحافيين الأسبوع الماضي: "قمنا بقتل كل قيادتهم، ثم اجتمعوا لاختيار قادة جدد، فقمنا بقتلهم جميعاً"، معتبراً أن هدف تغيير النظام تحقّق عملياً، إذ إن "القيادة الحالية مختلفة تماماً عن تلك التي بدأنا بها".

 

رأي
نجاح صعب للتفاوض أو عمليات برّية للحسم

 

ضربة مفصلية
يشير التقرير إلى أن إسرائيل تمكّنت من إحداث هذا التغيير في هرم القيادة الإيرانية بسرعة ملحوظة، بدءاً من هجوم 28 شباط/فبراير، الذي أدى إلى مقتل المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي، منهياً حكماً استمرّ 27 عاماً، إلى جانب رئيس مجلس الدفاع، وقائد الحرس الثوري، ورئيس أركان الجيش، ووزير الدفاع، إضافة إلى عدد كبير من كبار المسؤولين.

ورغم تصوير هذه الضربة على أنها اختراق استخباراتيّ استثنائيّ، يكشف مسؤولون إسرائيليون عن أن أجهزة الاستخبارات كانت تراقب منذ أشهر اجتماعات ما يُعرف بـ"مجموعة الخمسة"، وهي الدائرة الضيّقة المحيطة بالمرشد.

وقال مسؤول أمني: "كانوا يجتمعون تقريباً كلّ أسبوع… أحياناً في مواقع مختلفة، وأحياناً في أماكن أكثر تحصيناً".

ووفق التقرير، كانت دقة المعلومات عالية إلى حدّ أن خيار استهداف هذه المجموعة طُرح قبل اندلاع الحرب، التي استمرت 12 يوماً في حزيران/يونيو، لكنه أُرجئ لصالح إعطاء الأولوية للبرنامج النووي الإيراني.

وبحسب مسؤولين، قُتل خامنئي داخل مقر إقامته أثناء وجوده مع أفراد عائلته، فيما أُصيب نجله مجتبى، الذي عُيّن لاحقاً خلفاً له، بجروح خطرة لكنه نجا.

 

منظومة اغتيالات
تعتمد "حملة قطع الرأس" هذه على منظومة اغتيالات طوّرتها إسرائيل على مدى عقود، لكنها شهدت قفزة نوعية في السنوات الأخيرة. ويشير مسؤولون إلى توسّع غير مسبوق في قدرات المراقبة داخل إيران، من تجنيد مصادر بشرية داخل النظام، إلى اختراقات سيبرانية واسعة طالت آلاف الأهداف، من كاميرات الشوارع إلى منصّات الدفع والبنية الرقمية.

وتُحلَّل هذه البيانات عبر منصّة ذكاء اصطناعي سرّية، صُمّمت لتتبّع تحركات القادة واستخراج أنماط حياتهم.

أما أساليب التنفيذ، فتشمل عبوات ناسفة مزروعة مسبقاً، ومسيّرات قادرة على التسلّل إلى داخل المباني، وصواريخ متطورة تُطلق من طائرات شبح، وهي تكتيكات صقلتها إسرائيل عبر سنوات من المواجهات الإقليمية.


يستند التقرير إلى مقابلات مع مسؤولين أمنيين تحدّثوا بشرط عدم الكشف عن هوياتهم، نظرًا إلى حساسية المعلومات.

لكن هذه الفاعلية تثير قلق بعض الخبراء، الذين يحذّرون من تحوّل الاغتيالات من أداة محدودة إلى نهج دائم.

العلامات الدالة