إيران وسيطاً بين السعودية والحوثيين... بين المناورة واختبار النفوذ
بين النار في الميدان والتحرّكات الديبلوماسية، يبدو المشهد حالياً في المنطقة على صفيح ساخن. شكّل تجدّد الصراع بين الحوثيين والسعودية مرحلة جديدة من الحرب التي انطلقت في 28 شباط/فبراير.
بعد 3 سنوات على هجوم 7 تشرين الأول/أكتوبر وتداعياته الثقيلة حتى اليوم، باتت المنطقة في مرحلة جديدة لعلّها أكثر خطورة، إذ إن توسّع دائرتها لم ترحم أحداً. "مستقبل إيران" مرحلة تحت الأنظار والاختبار و"جنون دونالد ترامب". وفي انتظار ما سيقرّره ساكن البيت الأبيض، يتصدّر التصعيد الحوثي تجاه السعودية المشهد الإقليمي حالياً مع الاعتداءات التي تتبّناها الجماعة اليمنية المدعومة من طهران ضد المملكة.
وأمام يوميات الهجمات والإنذارات، برز العرض الإيراني لـ الرياض، إذ أبدى وزير الخارجية عباس عراقجي استعداد بلاده للمساعدة في بدء محادثات بين السعودية والحوثيين. وبحسب الخارجية الإيرانية، أعرب عن قلقه بشأن تصاعد التوترات.
تكرّرت الاتصالات الهاتفية بين عراقجي ونظيره السعودي الأمير فيصل بن فرحان منذ اندلاع الحرب، إلا أن أسئلة كثيرة تُطرح مع هذه المبادرة، والأبرز فيها انتقال إيران من دعم الحوثي، وكون طرفاً في الحرب، إلى وسيط للحل. فهل تستخدم إيران قنوات التواصل مع السعودية لمنع توسّع الحرب، أم توظّف الديبلوماسية لإدارة التصعيد وتعزيز أوراق ضغطها الإقليمية؟ وماذا تريد من تحرّكها؟

الرسالة الإيرانية
يعتبر أستاذ العلاقات الدولية في معهد العلوم السياسية في باريس كريم بيطار، في حديث خاص لـ"النهار"، أن "الرسالة الإيرانية متعدّدة الأبعاد:
-أولاً، تريد طهران أن تقول للرياض ولـ واشنطن وللعواصم الخليجية إنّها لا تزال لاعباً إقليمياً أساسياً، ولا يمكن التوصّل إلى تسوية مستدامة للأزمات الإقليمية من دون أخذ مصالحها ونفوذها في الاعتبار.
-ثانياً، تسعى إيران إلى تقديم نفسها بوصفها جزءاً من الحل، لا مجرّد جزء من المشكلة. وهذا مهم خصوصاً في ظل المواجهة العسكرية المستمرّة مع الولايات المتحدة وإسرائيل والضغوط التي تتعرّض لها إيران على مختلف الجبهات.
-ثالثاً، هناك رسالة أهم وأكثر دقّة موجّهة إلى السعودية، مفادها بأن طهران تمتلك قنوات اتصال وتأثير مع الحوثيين يمكن توظيفها لخفض التصعيد. بمعنى آخر، تريد إيران تحويل نفوذها العسكري والسياسي إلى ورقة ديبلوماسية وتفاوضية".
ويضيف: "لكن علينا أيضاً أن نضع هذا العرض في سياق أوسع. فإيران لا تريد بالضرورة انهيار العلاقات السعودية - الإيرانية، التي شهدت انفراجاً منذ اتّفاق بكين عام 2023. وهي تدرك أن التصعيد غير المنضبط قد يدفع الرياض إلى الاقتراب مجدّداً من الولايات المتحدة، وربّما إلى إعادة النظر في بعض خياراتها الإقليمية. وهناك مفارقة لافتة: إيران التي تواجه اتّهامات بزعزعة الاستقرار الإقليمي تحاول اليوم تقديم نفسها باعتبارها طرفاً قادراً على المساهمة في استعادة هذا الاستقرار".
تناقض الأدوار
بين راعٍ للحوثيين ودور الوسيط الساعي للسلام، تلعب إيران أدوارها بإتقانٍ؛ ومع جولات التصعيد تبقى العبرة في النهاية. وعن هذا الدور، يلفت بيطار إلى أن "التناقض الإيراني موجود بالفعل، لكنّه ليس بالضرورة تناقضاً في الحسابات الاستراتيجية الإيرانية. ففي العلاقات الدولية، ليس مستغرباً أن تحاول دولة توظيف نفوذها على طرف مسلّح للقيام بدور الوسيط أو الضامن في المفاوضات".
ويتابع: "ثمة نقطة أساسية ينبغي التشديد عليها: الحوثيون ليسوا مجرّد أداة إيرانية تتحرّك تلقائياً بأوامر من طهران. صحيح أنّهم استفادوا من الدعم الإيراني العسكري والتكنولوجي والسياسي، لكنّهم يمتلكون أيضاً مشروعهم الخاص وحساباتهم اليمنية الداخلية، ولا تتطابق مصالحهم دائماً مع المصالح الإيرانية. وهنا تكمن المعضلة الإيرانية: فإذا كانت طهران قادرة على إيقاف الهجمات الحوثية، فسيُطرح السؤال عن مسؤوليتها السياسية عن استمرارها. وإذا كانت عاجزة عن إيقافها، فسيُطرح السؤال عن مدى قدرتها الفعلية على لعب دور الوسيط أو الضامن".
ويردف: "بعبارة أخرى، إيران تواجه معضلة مزدوجة: إذا اعترفت بنفوذها الكامل على الحوثيين، تحمّلت مسؤولية أفعالهم. وإذا نفت امتلاك هذا النفوذ، أضعفت صدقيتها كوسيط. وهناك أيضاً احتمال أن تكون طهران تحاول المحافظة على موقع الحوثيين في أي تسوية مستقبلية، بحيث لا تؤدّي المفاوضات إلى إضعافهم. لذلك أعتقد أنّه ينبغي التمييز بين الرغبة الإيرانية في خفض التصعيد وبين الاستعداد الإيراني للتخلّي عن أوراق النفوذ. فطهران قد ترغب في تهدئة الجبهة اليمنية من دون أن يعني ذلك استعدادها للتضحية بعلاقتها الاستراتيجية مع الحوثيين".

تصعيد أم تهدئة؟
السؤال المطروح أمام التحرّكات الإيرانية: هل تصل الاتّصالات الدبلوماسية إلى نتيجة أم يمكن وضعها في خانة "تضييع الوقت"؟ يؤكد بيطار أّنه ينبغي ألا نبالغ في التفاؤل بشأن نتائجها.
ويضيف: علينا التمييز بين 3 مستويات:
-التواصل الديبلوماسي
-خفض التصعيد
-التوصّل إلى تسوية سياسية شاملة
ويشير إلى أنّ "مجرد استمرار التواصل بين الرياض وطهران في ظل التصعيد العسكري له أهمية بحد ذاته، لأنّه يتيح نقل الرسائل وتوضيح الخطوط الحمراء والحد من مخاطر سوء التقدير. لكن المشكلة الأساسية هي أن الأطراف المختلفة لا تتفاوض بالضرورة من أجل الأهداف نفسها:
-السعودية تريد ضمان أمن أراضيها ومنشآتها الحيوية، ووضع حد للهجمات الحوثية، ومنع تحوّل اليمن إلى مصدر تهديد دائم لأمنها القومي.
-الحوثيون يريدون تثبيت موقعهم السياسي والعسكري والحصول على اعتراف بدورهم في مستقبل اليمن، وقد يعتبرون أن التصعيد يمنحهم أوراق ضغط إضافية.
-إيران تريد الحفاظ على نفوذها الإقليمي، وتجنّب مواجهة أوسع مع السعودية، وربّما توظيف التهدئة اليمنية في إطار المفاوضات الأوسع بشأن الحرب الدائرة بينها وبين الولايات المتحدة.
- واشنطن - بدورها - تواجه معضلة، لأنّها تريد احتواء التصعيد وحماية المصالح الأميركية وحلفائها، لكنّها لا تبدو مستعدة لتحمّل تكاليف انخراط عسكري مفتوح على جبهة يمنية جديدة.
ثقة السعودية
في هذا السياق، يشدّد بيطار في حديثه لـ"النهار" على أنّه لا يمكن فصل المسار السعودي - الحوثي عن المفاوضات الأميركية - الإيرانية المتعثّرة، ولا عن مسألة أمن الملاحة في مضيق هرمز والبحر الأحمر.
ويردف: "هناك عامل إضافي مهم: تراجع الثقة السعودية بمدى استعداد واشنطن لتوفير الحماية العسكرية للمملكة في مواجهة التهديدات الحوثية. وهذا قد يدفع الرياض إلى تنويع خياراتها الديبلوماسية والأمنية، لكنّه قد يدفعها أيضاً إلى التشدّد إذا اعتبرت أن التنازلات ستشجّع الحوثيين على مواصلة التصعيد. لذلك، يمكن أن تساهم الاتّصالات في التوصّل إلى تفاهمات جزئية أو هدنة موقتة، إلا أن التسوية المستدامة تتطلّب معالجة الأسباب السياسية والأمنية العميقة للنزاع".
ويختم: "السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت إيران تستطيع التحدّث مع الحوثيين، بل ما إذا كانت تستطيع التأثير في قراراتهم، وما إذا كانت مستعدّة لاستخدام هذا التأثير لوقف التصعيد. قد لا تكون الديبلوماسية مجرّد تضييع للوقت، لكنّها قد تتحوّل إلى وسيلة لكسب الوقت إذا لم تقترن بتنازلات ملموسة وتغيير فعلي في السلوك على الأرض. والخطر الأكبر هو أن تتحوّل المفاوضات إلى غطاء لاستمرار الحرب، بدلاً من أن تكون مدخلاً لإنهائها".
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
تجارب الحكم الذاتي عبر التاريخ، تثبت أن تقرير المصير يمكن استيعابه ضمن الدولة الموحدة وتوسيع الحقوق وليس التفكيك والتجزئة.
نبض