هل تصبح إيران قوة كبرى إذا طردت أميركا من المنطقة؟
يعتقد باحثان على الأقل بذلك. لكن هل هما محقان؟
في 9 تشرين الأول/أكتوبر، نشرت "فورين أفيرز" مقالاً لنرجس باجوغلي وولي نصر من كلية الدراسات الدولية المتقدمة بجامعة جونز هوبكينز يشرحان فيه "نظرية النصر" لدى إيران. بحسب المقال، يطمح المسؤولون في البلاد، مهما كانت توجهاتهم، إلى طرد القوات الأميركية من الخليج وإجبار واشنطن على رفع كل العقوبات ودفع الولايات المتحدة إلى "قبول أن إيران قوة كبرى".
الهدفان الأول والثاني معقولان، ولو أن الطريق إليهما شائكة وغير مضمونة. فالحديث عن خفض التركيز الأميركي على الشرق الأوسط لمصلحة الانتقال إلى شرق آسيا قديم جداً. ما إذا كان هذا الهدف سيتحقق يحمل الكثير من الالتباسات والتأويلات حول الرابط بين التصعيد الإيراني وقرار الانسحاب المحتمل، لكن تصوره غير مستحيل. الهدف الثالث يتخطى أي تصور واقعي لمكامن القوة لدى إيران، والأهم لإمكانية تحويل هذه المكامن إلى قوة فعلية في المديين المتوسط والقريب.
لم يتبنَّ الكاتبان بشكل مباشر نظرية القوة الكبرى، لكن المقال لم يخلُ من التلميح إلى قناعة ضمنية بذلك. كتبا أن "طهران تظنّ أنها ستهزم الولايات المتحدة" مشيرين إلى أنه "ليس صعباً رؤية السبب". وعدّدا الصمود والردّ العسكري والالتفاف الشعبي حول الحكومة أسباباً للجرأة. لكن صمود إيران يختلف عن مكانة القوة الكبرى، بصرف النظر عن مصدر هذا الادّعاء، أكان في دوائر طهران، أو الدوائر الأكاديمية.
القوة الكبرى... عن بعض المعايير أولاً
تختلف مدارس العلاقات الدولية في تعريف القوة الكبرى (Great Power). ويذهب البعض حتى إلى التقليل من الفصل بين القوة الكبرى والقوة العظمى (Superpower). يعتقد المؤرخ في جامعة سانت أندروز فيليبس أوبراين أنه يجب التخلي عن مفهوم القوة الكبرى لأنه فضفاض وثبت عدم دقته تاريخياً. لذلك، يفضل عبارة "القوة الشاملة"، وهي العناصر البشرية والاقتصادية والتكنولوجية المختلفة التي تولّد القوة العسكرية.

بالحد الأدنى، يمكن الانطلاق من معيار العالمية لتحديد القوة الكبرى. بعبارة أخرى، إن التأثير في النظام العالمي، أو على الأقل الدفاع عن المصالح في أكثر من بقعة عالمية، يميّز الدول ذات المكانة الكبرى. بحسب مدير مركز الجيوسياسات في جامعة كامبريدج بريندان سيمز، تتوقع القوى الكبرى أن تشكّل أو أن تُستشار في القضايا العالمية الأساسية الراهنة. كذلك، للقوى الكبرى القدرة على صناعة القواعد وكسرها، كما كتب في مجلة "فورين بوليسي" مطلع حزيران/يونيو الماضي. من حيث الموارد، القوى الكبرى هي تلك القادرة على نشر أسلحة نووية، بحيث يصبح هذا الأمر "مكوّناً لا غنى عنه" في تعريفها. ويضيف: "ليست كل القوى النووية قوى كبرى، لكن كل القوى الكبرى قوى نووية".
هل تنطبق هذه المعايير على إيران؟
تشير هذه المعايير وغيرها، إلى أن إيران ليست قوة كبرى. إنها تفتقر إلى السلاح النووي كما إلى القدرة على المساهمة في تشكيل القرارات الدولية. هي عاجزة عن نشر قوتها العسكرية التقليدية خارج حدودها، بل حتى عن حماية كبار مسؤوليها داخل حدودها. لإيران قوة ناعمة ضعيفة (خارج البيئة الشيعية) كما أن اقتصادها لا يعكس الحجم الهائل لسكانها. على سبيل المثال، وفي سنة 2024، كان حجم الناتج القومي الإيراني أقل بمئة مليار دولار تقريباً من حجم الناتج القومي في إسرائيل، بالرغم من الفارق الكبير في تعداد السكان بينهما (نحو 10 مرات).

وبالرغم من قدرة إيران على التأثير في أسعار النفط العالمية من خلال التضييق على مضيق هرمز، تعجز تلك القدرة لغاية اليوم عن دفع الدول إلى الضغط على أميركا وحثّها على تلبية شروط طهران. كذلك، ينعكس ضعف التجانس السياسي-الاجتماعي في إيران، والذي تمثل في التظاهرات الكبيرة المتكررة، على إمكاناتها في التحول إلى هذه المكانة. وثمة حاجة إلى جهد غير بسيط للتفكير في قوة كبرى تقاس عملتها المحلية بالملايين أمام الدولار الأميركي.

يصعب العثور على الكثير من الأدلة التي تؤيد فكرة أن إيران قوة كبرى. هي على الأرجح قوة إقليمية. بحسب دراسة في مجلة "السياسات الدولية" للباحثتين في العلاقات الدولية لويز فوسيت وشاريني جاغتياني (نُشرت إلكترونياً سنة 2022)، ثمة "أدلة قابلة للبرهنة إلى مقومات القوة الإقليمية لإيران". وفي الدراسة نفسها، كتبتا: "لا تعدّ إيران قوة كبرى بالمعنى التقليدي – وبالتأكيد ليست كذلك بحسب ما يحدّه منظّرو العلاقات الدولية الغربيون – إلا أن خصائصها وتطلعاتها ذات شأن كبير في عالم يشهد صعود قوى تسعى لإعادة التفاوض بشأن محددات النظام الدولي". غير أن التطلعات لا تترادف مع الإمكانات.
لكن ماذا لو نجحت إيران في طرد أميركا؟
حتى مع افتراض نجاحها في طرد الأميركيين من الشرق الأوسط، لن تنجح طهران في صعود سلّم الهرم الدولي سريعاً. فهي ستظل بحاجة إلى المساعدات المالية للنهوض أولاً من الدمار، كما إلى التقنيات الغربية التي سعت إليها بعد إبرام الاتفاق النووي سنة 2015 لإعادة تحديث بنيتها التحتية المتآكلة حتى قبل الحرب. للتذكير، ثمة مداولات ولو متقطعة في إيران تبحث في نقل عاصمتها بسبب الاكتظاظ السكاني والضغط الذي يفرضه على البنية التحتية. وهذا من دون احتساب التوازنات الإقليمية الأخرى المقيّدة لقوتها في المنطقة.
باختصار، لو كان طرد الأميركيين كافياً أو حتى عاملاً مهماً لاكتساب صفة القوة الكبرى، لكانت فيتنام وأفغانستان قد استحقتا ذلك بالدرجة الأولى.
نبض