هزة تضرب نفط إيران... استقالة تكشف صراع المال والنفوذ

ايران 07-10-2026 | 12:08

هزة تضرب نفط إيران... استقالة تكشف صراع المال والنفوذ

استقالة تهز قطاع النفط الإيراني وتفتح ملفات حساسة عن مليارات مفقودة وصراع نفوذ داخل النظام. ماذا تكشف الكواليس عن أسباب خروج وزير النفط في هذا التوقيت؟
هزة تضرب نفط إيران... استقالة تكشف صراع المال والنفوذ
ازدحام مروري خلال ساعات المساء في طهران، 4 تشرين الأول/أكتوبر 2026. (أ ف ب)
Smaller Bigger

فتحت استقالة وزير النفط الإيراني محسن باك نجاد واحداً من أكثر ملفات الاقتصاد الإيراني حساسية، في مرحلة تواجه فيها البلاد ضغوط الحرب والعقوبات وتعقيدات بيع النفط وتحويل عائداته. وسرعان ما أعاد خروجه إلى الواجهة صراعاً طالما دار خلف الكواليس حيال المال والنفوذ وشبكات بيع الخام الإيراني.

وخلال الأشهر الماضية، عزّز تطوران احتمال خروج باك نجاد من الوزارة. تمثل الأول في نشر تقارير عن عدم إعادة ما لا يقل عن 8 مليارات دولار من عائدات النفط الإيراني إلى البلاد من جانب أشخاص يُعرفون باسم "التراستيّين". أما التطور الثاني، فكان تصاعد الخلاف بين باك نجاد ومحمد شريعتمداري، المدير التنفيذي لـ"مجموعة الخليج الفارسي للبتروكيماويات"، وهي أكبر مجموعة قابضة في قطاع الطاقة الإيراني، ويزيد حجم أعمالها السنوي على 5 مليارات دولار.

قبل أيام، تحولت التكهنات إلى واقع. غادر باك نجاد منصبه بعد أكثر من عامين على توليه الوزارة.

جاءت الاستقالة في مرحلة أصبح فيها إنتاج النفط وبيعه من أبرز مصادر القلق لدى المسؤولين الإيرانيين، وسط ظروف تقول طهران إن الولايات المتحدة فرضت فيها حصاراً بحرياً على إيران وتمنع السفن الإيرانية من عبور الخليج لنقل النفط.

وتقول إيران من جهتها إنها تفرض قيوداً على مرور ناقلات النفط التابعة للدول الأخرى عبر مضيق هرمز، وتشترط الإذن والتنسيق مع البحرية الإيرانية ودفع الرسوم المقررة.

وبالتوازي مع المواجهة العسكرية والاقتصادية، تخوض طهران وواشنطن حرباً دعائية بشأن حركة النفط في المنطقة. تؤكد الولايات المتحدة أن سياسة إغلاق مضيق هرمز التي تتبعها إيران أُحبطت، فيما تصر طهران على أن الحصار البحري الأميركي لم يمنعها من بيع نفطها.

وتعكس المؤشرات الاقتصادية استمرار الاضطراب في سوق الطاقة وحركة الصادرات. فقد ارتفعت أسعار النفط والغاز والمنتجات البتروكيماوية عالمياً، فيما سجل الذهب والدولار مستويات مرتفعة داخل إيران. وأدى تراجع تدفق العملات الأجنبية الناتجة من مبيعات النفط إلى زيادة الضغط على العملة الإيرانية، بما يعكس استمرار تأثير أزمة مضيق هرمز وتعطل حركة الطاقة مقارنة بما كانت عليه قبل الحرب.

وأشار محافظ البنك المركزي الإيراني عبدالناصر همتي إلى هذه المشكلة في مقابلة تلفزيونية، ما عرّضه لهجوم شديد من أنصار استمرار الحرب مع الولايات المتحدة.

 

 

استقالة تشعل حرب الروايات

 

 

تأتي استقالة باك نجاد فيما تواجه صناعة النفط الإيرانية واحدة من أصعب مراحلها منذ الثورة عام 1979. وتشير بيانات تتبع ناقلات النفط وتقارير دولية، بينها تقارير "رويترز" و"بلومبرغ"، إلى أن تحميل الخام الإيراني في أيلول/سبتمبر اقترب من مستويات شديدة الانخفاض تحت ضغط الحصار والعقوبات، بعدما كانت أرقام الصادرات قد بدت أكثر تفاؤلاً خلال الأشهر الأولى من السنة.

وتفتح الاستقالة أسئلة عن التطورات التي دارت خلف الكواليس وجعلت استمرار الوزير في منصبه أكثر صعوبة، رغم رغبة مسؤولين إيرانيين في بقائه.

وخلال الأشهر الماضية، قدمت وسائل إعلام إيرانية روايات متباينة، وأحياناً متناقضة تماماً، عن آليات بيع النفط والصراع المحيط بها. وترددت أيضاً اتهامات بأن أطرافاً مختلفة دفعت مبالغ لوسائل إعلام بهدف ترسيخ روايات محددة والتأثير في الرأي العام.

واستمرت هذه الحرب الإعلامية بعد خروج باك نجاد، وانتقلت إلى تفسير أسباب استقالته. فبعض الأطراف يقدمه ضحية لصراع شبكات فساد نافذة، فيما يتهمه آخرون بالمشاركة في هذه الشبكات ويطالبون بمحاكمته.

وأثارت تقارير وأخبار غير رسمية خلال الأشهر الأخيرة اهتمام الأجهزة الرقابية بطريقة بيع النفط ونشاط "الشبكة المعروفة باسم التراستيّين"، وبمسألة عدم إعادة جزء من العائدات النفطية إلى البلاد،ما زاد الضغوط على باك نجاد.

كما نشرت وسائل إعلام داخل إيران وخارجها سلسلة من الادعاءات والتسريبات، من بينها أن الوزير حصر، تحت ضغط مؤسسات عسكرية وأمنية، بيع النفط بأشخاص مرتبطين بهذه المؤسسات، فيما كانت قدرته محدودة على إجبارهم على إعادة الأموال الناتجة من عمليات البيع.

وطُرحت في سياق هذه التسريبات أسماء عدة، بينها سعيد صادقي وحسين شمخاني ومحمد جواد باوند وعلي بايندريان وروح الله رضوي ومحمد مهدي مؤمنين.

وبقيت حقيقة الاتهامات الموجهة إلى هؤلاء موضع خلاف، سواء لجهة ارتكاب مخالفات أو جرائم، أو لجهة ارتباط ما نُشر عنهم بصراعات داخلية وتعقيدات بيع النفط تحت العقوبات.

ومن بين الادعاءات المتداولة، ما نشره ناشط على وسائل التواصل الاجتماعي يدعى مجتبى عن أن وزير النفط باع 40 ناقلة نفط بسعر منخفض جداً إلى شخص يدعى حسين آقاياري، وصفه بأنه من العناصر المرتبطة بالحرس الثوري، ثم أوكل إليه بيع 90 مليون برميل من النفط.

وبحسب الادعاء نفسه، لم يدفع آقاياري بعد بيع النفط أي أموال إلى وزارة النفط، فيما عجز الوزير عن اتخاذ إجراء فعّال بحقه.

وتحدثت وسائل إعلام معارضة للنظام في رواية أخرى عن دور سعيد صادقي، وقالت إنه نجل أحد كبار المسؤولين في الحرس الثوري، وإنه تولى خلال العامين الماضيين دوراً رئيسياً في بيع النفط. وأضافت أنه أوكل بيع النفط مقابل استيراد السلع الأساسية إلى شخصين يدعيان مدلل وأفراشته بور.

وتقول هذه التقارير إن نحو 8 مليارات دولار من عائدات تلك المعاملات لم تعد إلى البلاد.

ويرفض مسؤولون رسميون هذه الرواية، ويعتبرون أن الاتهامات تستهدف إضعاف دورة بيع النفط في ظروف العقوبات، وأن الأرقام المتداولة غير صحيحة. ووفق الرواية الرسمية، لا يتجاوز المبلغ ملياري دولار في أقصى تقدير، من أصل تعاملات مرتبطة بمبيعات النفط قُدرت بنحو 400 مليار دولار خلال السنوات الثلاث الماضية.

 

سيدتان تستخدمان لوحي تجديف قبالة بندر عباس فيما تظهر سفينة في مضيق هرمز، 6 تشرين الأول/أكتوبر 2026. (رويترز)
سيدتان تستخدمان لوحي تجديف قبالة بندر عباس فيما تظهر سفينة في مضيق هرمز، 6 تشرين الأول/أكتوبر 2026. (رويترز)

 

"التراستيّون" في قلب المعادلة

 

وقال فريبرز كالنتري، الصحافي المتخصص في قضايا الفساد الاقتصادي، إن "التراستيّين" أصبحوا في ظل العقوبات والحصار البحري جزءاً من صانعي القرار الرئيسيين في إيران.

ورأى كالنتري أن تغيير وزير النفط لن يؤدي إلى تحسن في عملية بيع النفط، إلا إذا انتهت الحرب وأصبحت شركة النفط قادرة على بيع الخام الإيراني عبر الطرق المعتادة إلى العملاء وتحويل العائدات مباشرة إلى خزينة الدولة. وخلص إلى أن مشكلة الفساد السياسي والاقتصادي ستستمر ما دامت الظروف الحالية قائمة.

وطالب ياشار سلطاني، وهو أحد الصحافيين الإيرانيين المثيرين للجدل، بمحاكمة وزير النفط عقب استقالته، وانتقد المؤسسات الأمنية في إيران بسبب تعاونها في المخالفات المرتبطة بوزير النفط، وخصوصاً في ملف تخصيص 85 مليون برميل من النفط لـ"التراستيّين".

أما داود مدرسيان، وهو من منتقدي الحكومة الإيرانية، فكتب أن "إقالة أو الاستقالة القسرية لوزير النفط، التي جاءت نتيجة تراكم عدم الكفاءة وفساد شبكة التراستيّين والصراعات الداخلية على المصالح مع شريعتمداري، المدير التنفيذي لمجموعة الخليج الفارسي للبتروكيماويات، ليست سوى بداية القصة".

وأضاف أن "الأزمة لا تُحل برحيل شخص واحد، وطالما أن الفريق الاقتصادي للحكومة، من همتي، محافظ البنك المركزي، إلى مدني زاده، وزير الاقتصاد، يهدد معيشة الناس والأمن القومي من خلال سياساته المدمرة، مثل ترك سعر الصرف للانفلات عمداً والاعتماد على السماسرة وجماعات الضغط الخاصة، فلن يحدث أي تغيير".

وتقابل هذه الاتهامات رواية مختلفة داخل المؤسسات الرسمية. فقد نفى عضو لجنة الطاقة في مجلس الشورى محمد رشيدي الادعاءات الإعلامية ضد باك نجاد، وقال إن "استقالة الوزير تعود إلى أسباب شخصية، من بينها المرض".

وبدوره، قال النائب في مجلس الشورى عبدالحسين همتي إنه "لا يمكن حتى الآن إصدار حكم قاطع بشأن تورط وزير النفط مباشرة في القضايا المرتبطة بالتراستيّين"، وإن الملف يحتاج إلى مزيد من التحقيق والدراسة.

 

النفط وساحة النفوذ

يرتبط جانب آخر من استقالة وزير النفط بالصراعات الداخلية بين مراكز القوى في إيران. فوزارة النفط تدير أحد أهم مصادر الثروة في الدولة، ما يجعل قراراتها موضع تنافس دائم بين المؤسسات والشخصيات النافذة.

وتقول إحدى الروايات إن باك نجاد أقال حسين قربان زاده، المقرب من رئيس مجلس الشورى محمد باقر قاليباف، من مجلس إدارة "مجموعة الخليج الفارسي للبتروكيماويات". ووفق هذه الرواية، دفع القرار قاليباف إلى المطالبة بإقالة الوزير واستخدام أدواته البرلمانية للضغط عليه.

وتتحدث رواية أخرى عن دخول السلطة القضائية على خط ملف بيع 85 مليون برميل من النفط بواسطة "التراستيّين"، وأنها خلصت إلى وجود مخالفات ارتكبها وزير النفط وطالبت رئيس الجمهورية مسعود بزشكيان بإعفائه من منصبه.

وتبقى هذه الروايات ضمن دائرة الادعاءات والتكهنات ما دامت الأدلة التي تثبتها غير متاحة، كما قد تعكس في جانب منها الصراع السياسي والإعلامي المحيط بالوزارة.

في المقابل، يبدو أن تصاعد الخلاف بين باك نجاد ومحمد شريعتمداري شكّل عاملاً مهماً في إضعاف موقع الوزير.

ويمتلك شريعتمداري خبرة طويلة في مواقع وزارية وإدارية عليا، ويُعد من الشخصيات الموثوق بها داخل النظام الإيراني. لذلك، توقع كثيرون أن تنتهي المواجهة بينه وبين وزير النفط لمصلحته، وهو ما حدث في نهاية المطاف بخروج باك نجاد من الوزارة.

تكشف استقالة وزير النفط حجم الضغوط التي تواجه قطاع الطاقة الإيراني في ظل الحرب والعقوبات والحصار، وتفتح نافذة على شبكة المصالح والصراعات المحيطة بإدارة أهم موارد البلاد الاقتصادية.

وبين أزمة بيع النفط، والجدل بشأن "التراستيّين"، والصراع بين مراكز القوى، يصعب حصر أسباب خروج باك نجاد في عامل واحد ما دامت التحقيقات والاتهامات والروايات المتنافسة مفتوحة.

واستمرار الظروف الحالية قد يدفع ملف النفط إلى مرحلة أكثر اضطراباً، مع احتمال ظهور تداعيات جديدة تشمل استقالات أو إقالات أو ملاحقات تطال شخصيات أخرى منخرطة في إدارة الاقتصاد النفطي الإيراني.

الأكثر قراءة

الخليج العربي 10/4/2026 9:33:00 PM
وفق ما نشرت "الكويت اليوم"، وهي الجريدة الرسمية في البلاد.
سيكون إعدام حسن أول عملية إعدام ينفذها الجيش الأميركي منذ العام 1961.
لبنان 10/6/2026 12:12:00 PM
بحسب مراسل "النهار"، فإن المبنى المهدد هو سنتر تجاري يضم مكاتب ومحال