خطاب بزشكيان يقلب الأدوار... تصفيق في أوساط متشددة وامتعاض إصلاحي
عاد الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان من رحلته الثالثة إلى نيويورك بمفارقة سياسية لافتة. فمتشددون اعترضوا على سفره وحذروه من لقاء الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وجدوا في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة ما يستحق الإشادة، فيما خرج بعض مؤيديه الإصلاحيين منتقدين أداءه وحصيلة الزيارة.
وجاءت الرحلة، التي استمرت خمسة أيام، فيما الحرب بين إيران والولايات المتحدة مستمرة من دون تسوية تنهيها، وسط فترات من الهدوء الميداني لا تستبعد عودة التصعيد في أي لحظة. وفي هذا المناخ الأمني، بقي المرشد الأعلى مجتبى خامنئي بعيداً من الظهور العلني وسط مخاوف من استهدافه أميركياً أو إسرائيلياً.
هذه الظروف دفعت البعض إلى الاعتراض على سفر بزشكيان من أساسه، فيما ذهب آخرون إلى التحذير على حياته، وصولاً إلى الحديث عن احتمال اختطافه في الولايات المتحدة.
وكان بزشكيان قد زار نيويورك للمرة الأولى عام 2024، بعد انتخابه رئيساً واغتيال إسماعيل هنية في طهران. وخلال أسبوع انعقاد الجمعية العامة، اغتيل الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله.
وفي عام 2025، توجّه إلى نيويورك للمرة الثانية بعد حرب الأيام الاثني عشر التي خاضتها إسرائيل ضد إيران وشاركت الولايات المتحدة في ضرباتها، ساعياً إلى منع تكرار المواجهة. وبعد نحو خمسة أشهر على الزيارة، تعرضت إيران لهجوم أميركي وإسرائيلي جديد.
كل ذلك جعل الحضور الثالث لبزشكيان في نيويورك الأكثر إثارة للجدل بين زياراته إلى الأمم المتحدة.
بين التحذير من السفر والدعوة إلى لقاء ترامب
بدأ الجدل يتصاعد مع إعلان ترامب استعداده للقاء بزشكيان. وكان احتمال لقاء رئيس إيراني بنظيره الأميركي دائماً من أكثر الملفات حساسية في إيران، إلا أن أجواء الحرب القائمة منحت النقاش هذه المرة حدة أكبر.
النائب المتشدد في مجلس الشورى قاسم روانبخش ذهب إلى حد التحذير من احتمال اختطاف الرئيس الإيراني في نيويورك، معارضاً سفره على هذا الأساس.
في المقابل، كتب موقع "تابناك" المقرب من الأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني محسن رضائي رداً على معارضي السفر: "على المنتقدين أن يجيبوا: إذا لم يتحدث رئيس الجمهورية الإيراني في الأمم المتحدة، فمن الذي يجب أن يروي رواية إيران؟ هل يجب ترك منبر الأمم المتحدة فارغاً ليتحدث الآخرون عن إيران والحرب والعقوبات وسلوك أميركا؟ إن حضور الرئيس يمكن أن يكون فرصة لعرض صور الضحايا وشرح أبعاد الهجمات وطرح مطالب إيران بصراحة أمام الرأي العام وحكومات العالم".
أما المخرج المقرب من المؤسسات العسكرية أبو القاسم طالبي، فحذر بزشكيان من "تجاوز الخطوط الحمراء للثورة الإسلامية"، معتبراً أنه إذا التقى ترامب في خضم الحرب "فيجب عزله ومحاكمته بعد عودته".
وذهب ناشط متشدد على شبكات التواصل الاجتماعي أبعد من ذلك، مقترحاً أن "يخنق بزشكيان ترامب بيديه في حال التقاه"، انتقاماً لدم المرشد الراحل علي خامنئي. وأثار الطرح موجة واسعة من الردود الساخرة والجدية، وحظي باهتمام وسائل إعلام داخل إيران وخارجها. وقد يبدو الاقتراح صادماً أو عبثياً، إلا أنه يعكس حجم الغضب الذي يحمله جزء من المجتمع الإيراني تجاه الرئيس الأميركي.
في الجهة المقابلة، دعا ناشطون سياسيون وإعلاميون بزشكيان إلى لقاء ترامب إذا توفرت الظروف.
وقال الرئيس السابق للجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في مجلس الشورى حشمت الله فلاحت بيشه: "إذا كان الهدف إبعاد البلاد عن الحرب، فيجب على بزشكيان أن يتفاوض مع أي شخص حتى مع ترامب".
وكتب الرئيس السابق لمجلس الشورى مهدي كروبي في رسالة موجهة إلى الرئيس الإيراني: "إن السفر إلى مقر الأمم المتحدة فرصة فريدة ليبين بزشكيان للعالم أن الشعب الإيراني يطالب بالسلام والاستقرار الدائم في المنطقة، وفي هذا الإطار إذا توفرت الظروف فليلتقِ بالرئيس الأميركي لإجراء حوارات بناءة من أجل سلام مستدام".
أما الأستاذ المتقاعد في جامعة طهران صادق زيباكلام، والمستشار السابق لوزير الخارجية محمد حسين رنجبران، فرأيا أن احتمال لقاء بزشكيان وترامب "غير وارد أساساً".

خطاب يبدّل مشهد المنتقدين والمؤيدين
المفارقة الأوضح ظهرت بعد خطاب بزشكيان في الجمعية العامة. فالرئيس الذي واجه قبل سفره اعتراضات حادة من متشددين قدّم خطاباً نال استحسان كثير منهم، فيما أثار خيبة لدى بعض الأصوات الإصلاحية التي راهنت على رئاسته ومساره الديبلوماسي.
واستمر خطاب بزشكيان نحو 18 دقيقة، وحظي بترحيب من قادة عسكريين وبعض أئمة الجمعة وشخصيات أصولية. وقسم من هذه القوى كان بين أبرز المشككين في جدوى سفره إلى نيويورك، واعتاد مهاجمة مواقفه وسياساته.
كذلك رحبت هيئة الإذاعة والتلفزيون الرسمي ووسائل الإعلام التابعة للحرس الثوري بالمواقف الحادة التي اتخذها بزشكيان تجاه الولايات المتحدة.
حتى أن المشاركين في التجمعات الليلية المؤيدة للنظام رددوا شعارات مؤيدة للرئيس. وهؤلاء يتبنون في العادة مواقف متشددة من التفاوض مع واشنطن ويرفعون شعارات راديكالية ضد الديبلوماسية.
وكان موقف صحيفة "كيهان" لافتاً بدوره. فالصحيفة التي دأبت على مهاجمة بزشكيان أشادت هذه المرة بخطابه في الأمم المتحدة.
في الاتجاه المقابل، أبدى بعض مؤيدي بزشكيان وأصوات ذات ميول إصلاحية استياءهم من الخطاب، معتبرين أن الرحلة "انتهت من دون إنجاز سياسي يوازي الظروف التي تمر بها البلاد".
ورأى الصحافي الإصلاحي فؤاد صادقي أن "الأفضل كان استخدام المنبر للحديث عن تأثير العقوبات الاقتصادية في حياة الإيرانيين والضغوط المعيشية التي أدت إلى الأحداث المؤلمة والدموية في كانون الأول/ديسمبر 2025 وكانون الثاني/يناير 2026، بدلاً من تبني مواقف تستهدف أساساً إرضاء المتشددين في الداخل".
وبرأي صادقي، كان الشعب يتوقع من رئيسه، بدلاً من التهديد والوعيد لترامب، تقديم حلول عملية لفتح مضيق هرمز وتحسين العلاقات المتضررة مع دول الخليج.
وهكذا انتهت رحلة بزشكيان الثالثة إلى نيويورك بصورة معاكسة تقريباً لبدايتها. متشددون حذروه من السفر ومن أي تقارب مع ترامب وجدوا في خطابه ما يستحق التصفيق، فيما وجد بعض الذين راهنوا على رئاسته لفتح نافذة ديبلوماسية أنفسهم بين المنتقدين لحصيلة الرحلة. مفارقة تختصر صعوبة الموازنة التي يواجهها الرئيس الإيراني بين خطاب الحرب ومسار التفاوض.
نبض