إيران وأميركا أمام 3 سيناريوات... ماذا تخفي حسابات تشرين الثاني؟
بعد نحو 5 أشهر على وقف إطلاق النار بين إيران وأميركا، تراجعت فرص خفض التوتر إلى أدنى مستوياتها. واشنطن أغلقت باب التفاوض وتستعد لتشديد العقوبات، وطهران تلوّح بالانتقال من الدفاع إلى الهجوم، فيما يبقى مضيق هرمز عقدة المواجهة التي قد تعيد إشعال المنطقة في أي لحظة.
وفي خلفية هذا المشهد، يدخل تشرين الثاني/نوفمبر بقوة في الحسابات، وسط شكوك في أن واشنطن تستخدم الضغط الاقتصادي لإنهاء الحرب بأقل تكلفة، أو لكسب الوقت وإعادة التسلح قبل هجمات جديدة. وبين هذين الاحتمالين، يبقى إحياء تفاهم إسلام آباد مساراً ثالثاً تحاول الوساطات الإقليمية إنقاذه.
وتعكس اللهجة الرسمية في البلدين عمق التباعد. فأميركا تعلن أنها لا تنوي التفاوض مع إيران، وتتوعد بفرض أقسى العقوبات والضغوط الاقتصادية عليها، مهددةً شركاءها التجاريين بالعقاب إذا واصلوا التعامل معها. وفي إيران، ترافق تصاعد نفوذ العسكريين في المشهد السياسي مع لهجةٍ أكثر هجومية حيال الولايات المتحدة، وصلت إلى إعلان الاستعداد لاستهداف مواقع أميركية عند الضرورة.
وامتد التصعيد إلى المجال الاقتصادي، إذ حذّر وزير الاقتصاد والمال الإيراني سيد علي مدني زاده من أن رد طهران على العقوبات الجديدة لن يقتصر على رد الفعل، فيما أبقى طبيعة "الهجمات الاقتصادية" الإيرانية وأدواتها غامضة. ووسط هذا التهديد المتبادل، تغيب الاشتباكات العسكرية المباشرة عن المنطقة، لكن المسافة إلى مواجهة جديدة تبدو أقصر من أي وقت مضى.
وأمام هذا الانسداد، تبرز 3 سيناريوات للعلاقة بين البلدين خلال الأيام والأسابيع المقبلة، وستتوقف عليها وجهة التطورات في المنطقة.
الضغط الاقتصادي بأقل تكلفة
يقوم السيناريو الأول على وقف الاشتباك العسكري كلياً، مع مضاعفة الضغط الاقتصادي على إيران. وتدعم هذا الاحتمال تقارير نشرتها وسائل إعلام غربية عن تراجع المخزونات العسكرية الأميركية، واستخدام جزء من مخزونات حلف شمال الأطلسي (الناتو) خلال الحرب الأخيرة.
ويواجه مسؤولو وزارة الحرب الأميركية ضغوطاً داخلية بسبب إصرارهم على بدء الحرب وفشلها، رغم تكلفتها التي بلغت عشرات مليارات الدولارات. ويزيد اقتراب الانتخابات النصفية من صعوبة الدخول في حرب شاملة جديدة، في ظل قلق الجمهوريين من خسارة مقاعد في مجلسي النواب والشيوخ بسبب تداعيات المواجهة.
ورأى الخبير الأميركي جون ميرشايمر أن الحرب الأخيرة "حطمت جانباً من الهيبة التي بنتها أميركا لنفسها"، وأن الاستمرار فيها "سيعمّق الضرر". وتدفع هذه المعطيات واشنطن نحو العقوبات بصفتها أداة أقل تكلفة من الحرب، وقادرة في الوقت نفسه على استنزاف إيران وإجبارها على تغيير سلوكها.
وتراهن إدارة الرئيس دونالد ترامب على أن يؤدي تشديد الضغط الاقتصادي والحصار البحري إلى ارتفاع إضافي في الأسعار ونقص السلع الأساسية، ومنها الطاقة والأدوية، بما يشعل احتجاجات داخلية قد تهدد النظام أو تدفع طهران إلى قبول المطالب الأميركية.
وتنسجم تقديرات الأجهزة الاستخباراتية والأمنية الإيرانية مع هذا الاحتمال. فقد اعتبر جهاز استخبارات الحرس الثوري، في بيانه الأخير، أن واشنطن تسعى عبر الضغط الاقتصادي إلى إثارة احتجاجات جديدة ضد النظام، على غرار ما حدث في كانون الثاني/يناير من العام الماضي.
اشتباكات ترفع تكلفة الانتظار
يقوم السيناريو الثاني على استمرار الوضع الراهن، مع اشتباكات عسكرية متفرقة تبقى دون مستوى الحرب الشاملة. ويفيد هذا المسار إسرائيل، لأن كل احتكاك جزئي يحمل احتمال التصعيد والانزلاق إلى مواجهة أوسع.
أما واشنطن، فتتجنب هذا الخيار لما يسببه من اضطراب دائم في مضيق هرمز، وارتفاع أسعار النفط، وزيادة هشاشة الأسواق المالية. وتعارضه طهران أيضاً، لأنه يضع البلاد في حالة حرب شبه كاملة، ويثير في الوقت نفسه غضب مؤيدي الحرب ومعارضيها.
ويدعو التيار المؤيد للحرب داخل إيران إلى إجراءات عسكرية استباقية ضد أميركا بهدف إخراج القوات الأميركية من الخليج، والانتقام لمقتل المرشد الإيراني السابق علي خامنئي عبر اغتيال مسؤولين أميركيين وإسرائيليين.
في الجهة المقابلة، يخشى معارضو الحرب أن تقضي الاشتباكات المتفرقة على ما تبقى من فرص التفاوض والعمل الديبلوماسي. كما أن غياب الاستقرار سيعرقل إعادة الإعمار الاقتصادي وخطط التنمية، ويُبقي إيران تحت ضغط حرب مفتوحة بلا حسم أو نهاية واضحة.

عودة شاقة إلى تفاهم إسلام آباد
يمثّل استئناف المفاوضات الخيار الأقل تكلفة لطهران وواشنطن، لكن المسافة بين البلدين وهذا المسار اتسعت كثيراً، فيما أصيب الوسطاء الرئيسيون، أي باكستان وقطر وسلطنة عُمان وتركيا، بخيبة أمل كبيرة.
وتشير معلومات غير رسمية إلى أن زيارة قائد الجيش الباكستاني عاصم منير الأخيرة لطهران حملت إنذاراً أخيراً بضرورة العودة إلى طاولة المفاوضات. وجاءت المقابلة التلفزيونية للرئيس الإيراني مسعود بزشكيان في السياق نفسه، إذ أعلن استعداد طهران لاستئناف التفاوض في إطار تفاهم إسلام آباد.
وربط بزشكيان العودة إلى المفاوضات بتنفيذ واشنطن تعهداتها، بدءاً برفع الحصار البحري والعقوبات، مروراً بالإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة، وصولاً إلى منع الهجمات الإسرائيلية على جنوب لبنان.
وأثارت مواقف بزشكيان ردوداً حادة من المتشددين في الداخل. وقبل ساعات من بث مقابلته، أصدر المرشد الإيراني مجتبى خامنئي بياناً دعا فيه إلى ضبط الخلافات الداخلية، وأشاد بالرئيس الإيراني واصفاً إياه بـ"الصادق والغيور".
غير أن "جدار عدم الثقة" بين طهران وواشنطن، وفق تعبير الرئيس الإصلاحي السابق محمد خاتمي، أعلى من أن تهدمه جولات قليلة من المفاوضات. كما أن الزيارات الأخيرة للمسؤولين الباكستانيين والقطريين إلى إيران تركزت بمعظمها على حل الخلافات المتعلقة بالملاحة في هرمز، بعدما أدى تمسك البلدين بموقفيهما إلى إبقاء المضيق مغلقاً وتعطيل حركة نقل الطاقة.
وتقول واشنطن إن طهران لا تستطيع فرض سيادتها على مضيق هرمز، فيما أظهرت إيران، عبر استهداف السفن التي تحاول العبور من دون التنسيق مع بحريتها، أنها لن تسمح بعودة الوضع إلى ما كان عليه قبل الحرب. وتتحدث معلومات غير رسمية أيضاً عن إطلاق القوات المسلحة الإيرانية النار أحياناً في اتجاه سفن عسكرية أميركية لإظهار قدرتها على الردع.
لماذا يدخل تشرين الثاني في الحسابات؟
ويرتبط تشرين الثاني/نوفمبر بالانتخابات النصفية للكونغرس المقررة في 3 منه. وبحسب ما نقل موقع "أكسيوس" عن مسؤولين أميركيين، يُتوقع أن تبقى العقوبات الثانوية الأداة الرئيسية لواشنطن حتى ما بعد الاقتراع، على أن تعود حملة عسكرية جديدة إلى طاولة البحث بعده. ويمنح هذا الجدول إدارة ترامب فرصة للضغط على طهران، من دون تحميل الجمهوريين قبل الانتخابات تكلفة تصعيد قد يرفع أسعار الطاقة ويعمّق تراجع التأييد للحرب.
ويصر المسؤولون الإيرانيون على ربط فتح مضيق هرمز بتنفيذ أميركا تعهداتها الواردة في تفاهم إسلام آباد. ومع تجاهل واشنطن هذا التفاهم، تبدو العودة إلى المفاوضات بعيدة حالياً، مع بقاء احتمال إحيائها قائماً إذا تبدلت الحسابات.
فإذا كانت واشنطن تسعى إلى إنهاء الحرب، تبدو الظروف مؤاتية الآن، في ظل رغبة إيران في تفادي مزيد من الضغط الاقتصادي. لكن الحصار الذي تراهن عليه أميركا لإجبار طهران على التراجع قد يدفع العسكريين الإيرانيين إلى محاولة كسره بالقوة.
ويتبنى أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني اللواء محسن رضائي هذا النهج الهجومي. أما إذا كان هدف واشنطن كسب الوقت لإعادة تسليح قواتها حتى تشرين الثاني/نوفمبر، تمهيداً لشن هجمات جديدة، فإن التطورات ستسلك مساراً مختلفاً، ويبدو أن إيران أعدت نفسها لهذا الاحتمال أيضاً.
نبض