البنزين يهدّد بإشعال إيران مجدداً... الحكومة أمام قرارها الأخطر
يحمل البنزين في إيران كلفة سياسية وأمنية تفوق بكثير كلفته الاقتصادية. فقد أشعلت زيادة أسعاره في تشرين الثاني/نوفمبر 2019 احتجاجات واسعة، سقط فيها أكثر من 1500 قتيل، ولا تزال ذكراها حاضرة في حسابات الحكومة والمجتمع.
واليوم، يعود البنزين إلى صدارة الحياة اليومية للإيرانيين، كما يتضح من الطوابير الطويلة أمام محطات التعبئة. ومع اتساع الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك، تجد الحكومة نفسها بين خفض الحصص ورفع الأسعار، في قرار قد يؤدي سوء إدارته إلى إشعال أزمة جديدة.
ومن أجل فهم المشكلة ورسم صورة واضحة عنها، لا بد من النظر إلى الأرقام الفعلية التي تفسر حجم العجز، وكلفة الدعم، وأسباب عجز الحكومة حتى الآن عن اتخاذ قرار واضح وحازم.

عجز يومي تحت الحصار
تبلغ طاقة إنتاج البنزين في المصافي ومصانع البتروكيماويات الإيرانية 130 مليون لتر يومياً، وقد انخفضت إلى 120 مليون لتر بسبب الحرب المفروضة على إيران، التي استمرت 40 يوماً مع أميركا وإسرائيل. ويجري العمل في الأسابيع الأخيرة على العودة إلى الطاقة السابقة.
وتعادل الكلفة النهائية للبنزين المنتج في مصانع البتروكيماويات كلفة البنزين المستورد.
أما الاستهلاك، فقد تجاوز في المتوسط 132 مليون لتر يومياً، ووصل في بعض الأيام إلى أكثر من 140 مليون لتر. وتؤدي كثرة العطل والرحلات المتكررة، ولا سيما إلى المناطق الشمالية، دوراً كبيراً في هذا الارتفاع.
ودفع هذا الوضع إيران، في ظل الظروف الطارئة، إلى وقف تصدير البنزين الذي كان يدرّ نحو 3 مليارات دولار سنوياً، وإنفاق 6 مليارات دولار لاستيراد الكميات الناقصة. ويواجه الاستيراد حالياً صعوبات جدية بسبب الحرب والحصار البحري.
وتصبح ندرة البنزين أكثر وضوحاً عند النظر إلى التهريب الناجم عن انخفاض سعره بشدة في إيران، إذ يُهرَّب يومياً ما بين مليونين و3 ملايين لتر من البنزين إلى خارج البلاد.
وقد غدا هذا النشاط من أكثر المهن ربحاً في المناطق الحدودية، بقيمة يومية تقارب مليوني دولار تدخل عائداتها الدورة الاقتصادية على هيئة أموال قذرة، وتنعكس في ارتفاع أسعار المنازل والسيارات الفاخرة.
ووفقاً لنائب رئيس لجنة الطاقة في مجلس الشورى الإسلامي فرهاد شهركي، واستناداً إلى إحصاءات مقر مكافحة تهريب السلع والعملة، يُهرّب يومياً ما لا يقل عن 20 مليون لتر من الوقود من البلاد، منها 90 في المئة من الديزل و10 في المئة من البنزين.

أرخص بنزين وأغلى دعم
يُباع بنزين الحصص في إيران حالياً بسعر 1500 تومان (نحو 0.0075 دولار)، والبنزين الحر بسعري 3000 تومان (نحو 0.015 دولار) و5000 تومان (نحو 0.025 دولار)، بكمية تقارب 100 لتر شهرياً لكل إيراني.
وتبلغ بذلك الكلفة النهائية لـ100 لتر من البنزين لكل مواطن نحو دولارين شهرياً. وهذا يعني أن سعر اللتر الواحد في كثير من الدول المجاورة يبلغ عشرات أضعاف سعره في إيران. فالبنزين في تركيا أغلى بـ50 ضعفاً مما هو في إيران، وفي الكويت، وهي من أرخص الدول في تسعير البنزين، أغلى بـ48 ضعفاً.
وعلى هذا الأساس، تدفع الحكومة الإيرانية عن كل لتر من بنزين الحصص دعماً خفياً يتجاوز 100 ألف تومان أي نحو نصف دولار. ومع مستوى الاستهلاك اليومي في إيران، تتجاوز قيمة الدعم الخفي للبنزين 13 ألف مليار تومان يومياً، أي ما يعادل 65 مليون دولار.
ويشكّل هذا الإنفاق أحد أكبر الأعباء الخفية على الاقتصاد الإيراني، وظل دائماً في صلب النقاشات المتعلقة بإصلاح هيكل الموازنة ونظام الدعم.
وقد وضعت السياسات الشعبوية السائدة في إيران، ولا سيما خلال الأعوام الـ20 الماضية، وعدم رفع أسعار البنزين تدريجياً بما يتناسب مع قدرة الاقتصاد على التحمل، السياسيين أمام قرار شديد الصعوبة.
خيارات صعبة أمام الحكومة
تكشف أرقام الإنتاج والاستهلاك والأسعار والتهريب أن إيران أمام خيارين، رفع طاقة الإنتاج لتغطية العجز اليومي البالغ 12 مليون لتر، أو خفض الاستهلاك.
ووفقاً لكبار مسؤولي وزارة النفط، تتطلب زيادة طاقة التكرير بنحو 200 ألف برميل يومياً استثماراً لا يقل عن 6 مليارات دولار ومدة لا تقل عن 6 سنوات، أي استثماراً يصل إلى 36 مليار دولار.
وتبدو هذه الخطوة شبه مستحيلة في ظل واقع السياسة الخارجية الراهن، والحرب ووقف إطلاق النار والحصار والعقوبات. لذا تبقى إدارة الاستهلاك الخيار الوحيد أمام الحكومة.
ولا بد، لإدارة الاستهلاك، من النظر إلى الإحصاءات. فمتوسط استهلاك الفرد من البنزين في إيران يبلغ 4 لترات يومياً، أي أكثر بلتر واحد من المتوسط العالمي.
ومع ذلك، يستهلك 75 في المئة من الإيرانيين بمعدل يوازي المتوسط العالمي أو يقل عنه، فيما يتجاوز استهلاك 25 في المئة منهم هذا المتوسط بكثير. ولا ينتمي هؤلاء جميعاً بالضرورة إلى الطبقات الثرية، إذ يضطر بعضهم، بسبب طبيعة عملهم أو موقعهم الجغرافي، إلى التنقل أكثر من المعتاد.
ويوجد في إيران 25 مليون سيارة، معظمها عالية الاستهلاك وتفتقر إلى المعايير البيئية. وفي المقابل، لا تملك 45 في المئة من الأسر الإيرانية، البالغ عددها 15 مليون أسرة، سيارة، ما يدل على أن دعم البنزين يعود بالنفع الأكبر على الأفراد والأسر ذات الاستهلاك المرتفع والتي تملك عدداً أكبر من السيارات.
وعلى هذا الأساس، قررت الحكومة الإيرانية تقييد حصول المواطنين على البنزين الرخيص، واحتساب البنزين الزائد على الحصة الشهرية البالغة نحو 110 لترات بسعر أعلى.
وأوضح رئيس ديوان الرئاسة محسن حاجي ميرزائي أن مَن يريد بنزيناً أكثر من حصته عليه دفع سعر أعلى. وهذا هو الوجه الآخر لرفع أسعار البنزين.
ورغم أن السعر النهائي للبنزين الحر لم يُعلن بعد، تدور أحاديث عن رفعه إلى 10 آلاف تومان (نحو 0.05 دولار)، أو 15 ألف تومان (نحو 0.075 دولار)، أو 30 ألف تومان (نحو 0.15 دولار)، أو حتى 80 ألف تومان (نحو 0.40 دولار).

قرار قد يفتح باب الاحتجاجات
لا تكشف تصريحات المسؤولين والإحصاءات الحكومية الصورة كاملة. فلدى المواطنين الإيرانيين اعتراضات أساسية على السياسات المطروحة لمعالجة أزمة البنزين، ما أبقاهم غير مقتنعين بها ودفع الحكومة، خشية ردود فعلهم، إلى التردد في اتخاذ قرار واضح وحازم.
ويرى المواطنون أن الرحلات غير الضرورية واستهلاك الطبقات الثرية التي تملك سيارات عدة لا يفسران وحدهما ارتفاع استهلاك البنزين، إذ يضطر كثيرون إلى التنقل باستمرار لكسب رزقهم.
كذلك يربطون انتشار السيارات عالية الاستهلاك ورديئة الجودة بسنوات من تقادم أسطول النقل العام، وقصور إدارة صناعة السيارات عن إنتاج مركبات منخفضة الاستهلاك، وعدم السماح باستيراد السيارات الكهربائية من دون رسوم جمركية مرتفعة.
وتشير التقارير الرسمية إلى أن السيارات المتهالكة في إيران تستهلك يومياً أكثر من 63 مليون لتر من الوقود، وأن استبدالها بسيارات مطابقة للمعايير يمكن أن يوفر نحو 27 مليون لتر من البنزين و9 ملايين لتر من الديزل يومياً.
ويرى خبراء الطاقة أن بقاء جذور ارتفاع الاستهلاك، من تقادم السيارات وارتفاع استهلاك السيارات المحلية وضعف النقل العام ونمو الطلب على السفر، يعني أن خفض الحصص لن يحل مشكلة البنزين، وأن حالة عدم التوازن ستعود بعد فترة.
ويخشى مواطنون أن يوازي خفض حصة البنزين رفع سعره فعلياً. فمَن لا تكفيه الحصة المخصصة سيضطر إلى شراء البنزين الحر، ما قد يرفع أسعار السلع ويزيد الضغط الاقتصادي.
ودفعت هذه المخاوف الحكومة إلى اتخاذ قرار موقت بعدم إجراء أي تغيير في الحصص أو أسعار البنزين حتى 22 أيلول/سبتمبر، لكنها ستجد نفسها مضطرة في النصف الثاني من العام إلى خفض الحصص..
وقد يترك تحديد سعر البنزين الحر آثاراً متباينة على الرأي العام. فإذا كان السعر المعلن محتملاً، تكون الحكومة قد اجتازت هذا المنعطف الخطير. وإذا تخطى قدرة الناس على التحمل، فقد يكون نقطة انطلاق لاحتجاجات جديدة في إيران، تتعدد جذورها، لكن البنزين يظل قادراً على إشعالها.
وعندها يغدو تسعير البنزين في إيران مسألة سياسية واقتصادية وأمنية بالغة الأهمية.
نبض