إيران تشدّد الخناق باسم "الأمن القومي"... هل تقترب من نموذج كوريا الشمالية؟
أثار مشروع قانون جديد في البرلمان الإيراني موجة اعتراض واسعة، بعدما وافق النواب على مبادئه العامة بـ183 صوتاً من أصل 290 نائباً. ويحمل المشروع عنوان "مواجهة نفوذ الأجهزة الاستخباراتية والمؤسسات الأجنبية"، لكنه يفتح، وفق منتقديه، الباب أمام رقابة أمنية واسعة على علاقات الإيرانيين الإعلامية والعلمية والثقافية مع الخارج، إلى حد دفع بعض المعارضين إلى التحذير من اقتراب البلاد من نموذج العزلة والرقابة في كوريا الشمالية.
ولا يزال المشروع في مساره التشريعي، إذ يحتاج إلى إقرار مواده التفصيلية في مجلس الشورى الإسلامي ثم موافقة مجلس صيانة الدستور. لكن البنود المطروحة أثارت مخاوف واسعة بسبب منحها الأجهزة الأمنية صلاحيات كبيرة في تحديد طبيعة العلاقات المسموح بها مع المؤسسات والأفراد خارج إيران.
وبموجب المشروع، قد تصبح اتصالات الصحافيين والباحثين والأكاديميين الإيرانيين مع جهات أجنبية مرتبطة بالحصول على موافقات أمنية، فيما تتدرج العقوبات بحسب طبيعة المخالفة، وقد تصل في بعض الحالات إلى 30 عاماً في السجن.
رسالة خامنئي تدخل السجال
دفعت الاعتراضات على المشروع وسائل إعلام مرتبطة بالمرشد الأعلى مجتبى خامنئي إلى إعادة نشر أجزاء من رسالة وجهها إلى البرلمان قبل نحو شهرين، دعا فيها النواب إلى إقرار تشريعات ترتبط مباشرة بحاجات الإيرانيين وتساهم في بث الأمل وصناعة مستقبل البلاد.
وقرأ كثير من الإيرانيين إعادة نشر الرسالة على أنها إشارة إلى عدم رضا خامنئي عن المشروع، فيما ذهب آخرون إلى تفسيرها بطريقة مختلفة. وحتى الآن، لا يوجد موقف معلن وصريح للمرشد يرفض المشروع أو يؤيده.
ويربط المعارضون التشريع بالتيار المتشدد الذي يدفع نحو توسيع الرقابة الاجتماعية والسياسية، ويتمسك بتشديد قواعد الحجاب ويعارض الانفتاح الديبلوماسي والتفاوض مع الخارج.
ويركز جانب أساسي من الاعتراضات على اتجاه المشروع نحو الصحافيين والأكاديميين والفنانين والهيئات المدنية، في وقت كشفت الاختراقات الأمنية خلال السنوات الأخيرة عن قدرة أجهزة استخبارات أجنبية على الوصول إلى مستويات حساسة داخل مؤسسات الدولة.
وتكتسب هذه الانتقادات حساسية أكبر بعد الاغتيالات التي شهدتها إيران خلال الحرب الأخيرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، ووصول الاختراقات إلى مستويات أتاحت استهداف قيادات وشخصيات بارزة، بينها المرشد السابق علي خامنئي.
وذهب بعض المنتقدين على منصات التواصل الاجتماعي إلى اعتبار المشروع نفسه عاملاً إضافياً في زيادة الاحتقان الداخلي، في مرحلة لا تزال فيها احتمالات تجدد المواجهة العسكرية قائمة بعد انتهاء مهلة الـ60 يوماً.
من التجسس إلى "النفوذ"
بحسب حسن قشقاوي، المتحدث باسم لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان، بدأ إعداد المشروع قبل حرب الأيام الـ12 بهدف سد ما وصفه بـ"الفراغ القانوني" المتعلق بالنفوذ، في ظل وجود تشريعات تعاقب على التجسس من دون إطار قانوني مستقل لمفهوم النفوذ. وقال رئيس اللجنة إبراهيم عزيزي إن المشروع وصل إلى الجلسة العامة "بعد نحو عقد من التأخير"، وإن الاغتيالات ونشاط عناصر مرتبطة بجهات أجنبية والحوادث الأمنية الأخيرة "تظهر الحاجة إليه".
لكن الاعتراض الأساسي يتعلق بتعريف "النفوذ" نفسه. فالمشروع يستخدم مفاهيم مثل "المعادي" و"المضاد للثورة" و"الثقافة المضادة للإسلام" و"الصورة السوداء عن إيران"، وهي تعبيرات يرى المنتقدون أنها واسعة وقابلة لتفسيرات مختلفة، بما يمنح الأجهزة الأمنية والقضاء هامشاً كبيراً في تحديد السلوك الذي يمكن تجريمه.
ويثير المشروع اعتراضاً أيضاً لربطه بعض الأفعال بمفاهيم يصعب إثباتها قانونياً، مثل التسبب في "انخفاض المشاركة في الانتخابات" أو "تشويه ثقة الشعب بالنظام".
ويمتد إلى التعاون العلمي والجامعي، إذ تصبح العلاقات مع مؤسسات أجنبية مرتبطة بقوائم وموافقات أمنية. ويحذر أكاديميون من أن إخضاع التعاون العلمي لمعايير أمنية واسعة قد يؤدي إلى عزل الجامعات الإيرانية وإضعاف قدرتها على التواصل مع المؤسسات البحثية الدولية.
كذلك، يفرض قيوداً على الجمعيات والهيئات والأحزاب، إذ يمكن أن يؤدي تلقي مساعدات أو دعم خارجي من دون الموافقات المطلوبة إلى حل الشخصية الاعتبارية ومعاقبة المسؤولين عنها.

الإعلام والفن تحت الرقابة
تثير المادتان 6 و7 جدلاً واسعاً بسبب القيود التي تفرضانها على العمل الإعلامي. فالمقابلات مع بعض وسائل الإعلام الأجنبية، وإرسال الصور أو الأفلام أو التسجيلات الصوتية والمعلومات إلى جهات إعلامية خارج إيران، قد تدخل ضمن الأفعال المعاقب عليها.
ويخشى المنتقدون أن يوسع ذلك دائرة الملاحقة لتشمل الصحافيين والباحثين والناشطين وحتى المواطنين العاديين، ويدفع إلى مزيد من الرقابة الذاتية وتقييد تدفق المعلومات.
ويمتد التشريع إلى الثقافة والفن، إذ يمكن أن تخضع الأفلام والمسرح والموسيقى والكتب والأعمال الفنية للعقوبات إذا اعتُبرت متضمنة مفاهيم تدخل ضمن المحظورات التي يحددها القانون، وقد تصل العقوبات إلى الحرمان الدائم من ممارسة النشاط الفني.
ويثير مفهوم "الصورة السوداء عن إيران" خصوصاً تساؤلات بشأن الحدود التي تفصل النقد الاجتماعي عن الفعل المجرّم. فتناول الفقر أو الإدمان أو العنف أو التمييز أو الفساد والهجرة جزء أساسي من الأدب والسينما والفنون الاجتماعية، فيما يخشى المنتقدون أن يدفع غموض المعايير الفنانين والكتّاب إلى رقابة ذاتية مسبقة.
أمن أم عزلة أوسع؟
تملك أي دولة حق مواجهة نشاط أجهزة الاستخبارات الأجنبية، وخصوصاً عندما تكون عرضة لاختراقات أمنية واسعة. لكن الانتقادات الموجهة إلى المشروع الإيراني تتركز على الخلط المحتمل بين التجسس والنفوذ من جهة، والتفاعل العلمي والإعلامي والثقافي والمدني الطبيعي مع العالم من جهة أخرى.
وتوسيع مفهوم النشاط الأمني ليشمل التواصل مع وسيلة إعلام أو جامعة أو مؤسسة أجنبية أو سفارة، وحتى بعض البرامج التدريبية، قد يحول التشريع إلى أداة لضبط العلاقات الاجتماعية والمهنية مع الخارج.
وتشير تجربة السنوات الأخيرة أيضاً إلى أن جزءاً من المشكلات الأمنية التي تواجهها إيران يرتبط بضعف آليات صنع القرار وتراجع الثقة العامة ومحدودية أدوات المساءلة والإصلاح. وتوسيع القيود على الصحافة والجامعات والفنون والمجتمع المدني قد يزيد صعوبة اكتشاف الأخطاء ومعالجتها.
فإذا أُقرت مواد المشروع بصيغتها الواسعة، سيجد الصحافي والباحث والفنان والأكاديمي والمواطن نفسه أمام شبكة من الموافقات والمحظورات الأمنية في علاقته بالعالم الخارجي. وعندها تصبح المقارنة بكوريا الشمالية، التي يستخدمها معارضو المشروع اليوم للتحذير، جزءاً من نقاش أوسع حول مقدار العزلة التي تستطيع إيران فرضها على مجتمعها من دون أن تدفع ثمنها علمياً وثقافياً واجتماعياً.
نبض