انتهت مهلة الـ60 يوماً بين أميركا وإيران... ما الذي يمنع عودة الحرب؟

انتهت مهلة الـ60 يوماً بين أميركا وإيران... ما الذي يمنع عودة الحرب؟

انتهت الـ60 يوماً بين أميركا وإيران من دون تسوية نهائية. فهل صنعت الحرب ردعاً يمنع جولة جديدة، أم أن النووي وهرمز والحصار أبقت أبواب المواجهة مفتوحة؟
انتهت مهلة الـ60 يوماً بين أميركا وإيران... ما الذي يمنع عودة الحرب؟
بحّار أميركي يوجّه مقاتلة F-35B على متن السفينة الهجومية البرمائية "يو إس إس بوكسر". (القيادة الوسطى الأميركية)
Smaller Bigger

انتهت مهلة الـ60 يوماً التي كان يفترض أن تقود إلى اتفاق نهائي بين الولايات المتحدة وإيران. سبقت طهران انتهاءها باستبعاد التفاوض على تمديدها، قبل أن يعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب بدوره أن واشنطن لا تسعى إلى تمديدها. بقيت العقد الكبرى مكانها، من النووي والعقوبات إلى مضيق هرمز والحصار الأميركي للموانئ الإيرانية. وفي المقابل، بقيت الحرب الواسعة معلقة.

هنا يفرض السؤال نفسه، ما الذي يمنع عودتها؟

الإجابة تبدو سهلة إذا جُمعت كلفة الحرب على الطرفين، والخسائر التي راكماها، وارتفاع أسعار الطاقة، واستنزاف بعض المخزونات العسكرية الأميركية، والضغوط الاقتصادية الهائلة على إيران. إلا أن التدقيق في كل عامل على حدة يكشف صورة أقل طمأنينة. فمعظم هذه العناصر ترفع ثمن الحرب، فيما يصعب اعتبار أي منها حاجزاً قادراً وحده على منعها.

 

هل صنعت الحرب ردعاً متبادلاً؟

 

أقوى تفسير لاستمرار الوضع الحالي هو أن خمسة أشهر ونصف الشهر من المواجهة أعطت كلاً من واشنطن وطهران فكرة واضحة عن قدرات الطرف الآخر، وعن الثمن الذي سيدفعه في حال توسيع الحرب.

الولايات المتحدة وإسرائيل أثبتتا قدرتهما على الوصول عميقاً إلى إيران وضرب مواقع عسكرية ونووية وبنى تحتية حساسة. كما فرضت واشنطن حصاراً بحرياً تقول إنها قادرة على مواصلته "إلى أجل غير محدد" من خلال تدوير قطعها البحرية في المنطقة.

إيران بدورها أظهرت قدرة على نقل كلفة الحرب إلى خارج حدودها. تعطلت حركة الطاقة عبر هرمز، وتعرضت قواعد ومصالح أميركية وحلفاء واشنطن لضربات، واتسعت ساحة المواجهة إلى الخليج والبحر الأحمر والعراق ولبنان. وتصف مصادر مطلعة على الاستراتيجية الإيرانية تحركات طهران خلال الأسابيع الأخيرة بأنها "تصعيد محسوب هدفه جعل احتواء إيران أكثر كلفة على الولايات المتحدة وحلفائها".

يمكن لهذه التجربة أن تنتج ردعاً متبادلاً، بعدما بات كل طرف يعرف أن الآخر يستطيع إيلامه.

ويمكنها أيضاً أن تنتج النتيجة المعاكسة.

إذا خرجت طهران من الأشهر الماضية مقتنعة بأن واشنطن عاجزة عن فرض استسلامها رغم التفوق العسكري، فيما خرجت واشنطن مقتنعة بأن الضربات والحصار يضعفان إيران تدريجياً، يصبح لدى الطرفين سبب لمواصلة الضغط. وقد ينتهي الأمر بمواجهة حول قدرة كل منهما على تحمل الاستنزاف مدة أطول.

هذه النقطة مهمة لأن القيادة الإيرانية تبدو اليوم أكثر ميلاً إلى هذا الرهان. فقد تحدث نائب قائد الحرس الثوري للشؤون السياسية العميد يدالله جواني عن الانتقال إلى وضع عسكري "هجومي بالكامل" إذا أخفقت الديبلوماسية، بينما قالت مصادر إيرانية إن طهران "قد تتحرك عسكرياً لكسر الحصار إذا استمرت واشنطن في رفض شروطها".

المعنى يتجاوز لهجة التهديد. إيران تحاول إقناع واشنطن بأن استمرار الوضع الحالي يحمل خطراً متزايداً، وأن الوقت لن يعمل حصراً لمصلحة الحصار والعقوبات.

 

هرمز... مانع للحرب أم سبب لها؟

 

يمثل مضيق هرمز أقوى ورقة إيرانية وأخطر نقطة احتكاك في الوقت نفسه.

قبل الحرب، كانت نحو 18 مليون برميل يومياً تمر عبر المضيق. تراجعت الكمية أخيراً إلى نحو مليوني برميل يومياً، وفق بيانات نقلتها "رويترز"، بينما استقرت أسعار النفط قرب 90 دولاراً للبرميل بعدما بدأ السوق يتكيف مع أزمة طويلة بدلاً من التعامل معها كصدمة موقتة.

هذه الأرقام تعمل في اتجاهين.

بالنسبة إلى ترامب، إعادة إشعال حرب كبيرة قد تؤدي إلى موجة جديدة من الهجمات على الممرات والمنشآت النفطية، وتدفع الأسعار إلى مستويات أعلى. البنزين المرتفع أصبح بالفعل قضية سياسية داخل الولايات المتحدة قبل انتخابات الكونغرس في تشرين الثاني/نوفمبر، وإن كان ترامب ينفي أن تكون الانتخابات عاملاً في قراراته حيال إيران.

ومن جهة أخرى، استمرار الوضع الحالي يحمل كلفة أميركية أيضاً. قبول بقاء هرمز خاضعاً لمعادلة تستطيع إيران فيها تحديد شروط المرور أو تعطيله يمنح طهران مكسباً استراتيجياً يتجاوز الحرب نفسها.

وهذا يفسر حدة النزاع حيال الجهة التي تدير حركة الملاحة.

إيران أعلنت أن المضيق "تحت سيطرتها وإدارتها"، وربطت فتحه بتنفيذ مطالبها، فيما تؤكد واشنطن سيطرتها عليه وتتمسك باعتباره ممراً دولياً.

كل يوم يمر من دون تسوية يرسخ وقائع جديدة. وهنا قد تنقلب ورقة هرمز من عامل يدفع ترامب إلى تجنب الحرب إلى عامل يدفعه نحو مزيد من القوة إذا اقتنع بأن الزمن يثبت معادلة إيرانية يصعب تفكيكها لاحقاً.

أما طهران، فتواجه مفارقة موازية. نجاح هرمز في إيذاء الاقتصاد العالمي يعزز موقعها التفاوضي، لكن استمرار الأزمة يسمح للأسواق والدول المستوردة للطاقة ببناء بدائل والتكيف تدريجياً. كلما طال أمد الأزمة، قد تتراجع قوة الصدمة التي بنت عليها إيران جزءاً مهماً من ردعها.

 

لقطة جوية لسفن في مضيق هرمز كما تبدو من مسندم في عُمان، 15 حزيران/يونيو 2026. (رويترز)
لقطة جوية لسفن في مضيق هرمز كما تبدو من مسندم في عُمان، 15 حزيران/يونيو 2026. (رويترز)

 

أميركا تملك القوة... لكن بأي كلفة؟

 

يظهر عامل آخر في الحسابات الأميركية، يتعلق بالذخائر.

خلال الحرب استُهلكت كميات ضخمة من الصواريخ بعيدة المدى ومنظومات الدفاع الجوي. وقالت مصادر لـ"رويترز" إن الجيش الأميركي "استخدم تقريباً كل مخزونه المتاح" من بعض الصواريخ الدقيقة بعيدة المدى، فيما تعرضت مخزونات "باتريوت" و"ثاد" و"توماهوك" لضغط كبير.

وجاء القرار الأميركي الأخير بمنح "رايثيون" عقداً قيمته 22.9 مليار دولار لزيادة إنتاج صواريخ "توماهوك" من نحو 60 صاروخاً سنوياً إلى أكثر من 1000 مستقبلاً ليعطي مؤشراً على حجم المشكلة التي تريد واشنطن معالجتها.

هذا العامل قد يرجح الحذر في المدى القريب، خصوصاً أن البنتاغون يحتاج إلى الاحتفاظ بمخزونات تكفي لسيناريوات أخرى، وفي مقدمها آسيا.

لكن محدودية بعض الذخائر لا تلغي القدرة الأميركية على شن ضربات جديدة. وقد تدفع إلى تغيير طبيعتها عبر حملات أقصر، وأهداف أكثر انتقائية، واستخدام أكبر للطائرات المأهولة أو الأسلحة المتوافرة، بدلاً من تكرار النمط نفسه الذي استُخدم خلال الأشهر الماضية.

لذلك يبدو الاستنزاف العسكري عاملاً في حساب توقيت الحرب وشكلها أكثر منه ضمانة ضد اندلاعها.

 

وإيران أيضاً تحتاج إلى الوقت

 

الحسابات الإيرانية تحمل قيوداً لا تقل أهمية.

بعد أشهر من الحرب والحصار، يعيش الاقتصاد ضغطاً شديداً. ونُقل عن مصادر ومسؤولين إيرانيين مخاوف متزايدة داخل القيادة من أن تؤدي العقوبات والحصار إلى "تفجر اضطرابات داخلية" جديدة. ويبلغ التضخم السنوي نحو 66 في المئة، فيما تضررت التجارة وفرص العمل والبنى التحتية بشدة.

عودة حملة جوية أميركية واسعة ستضيف كلفة كبيرة إلى بلد يحاول في الوقت نفسه إعادة ترتيب مؤسساته العسكرية وإصلاح قدراته المتضررة واحتواء أزمة داخلية.

لذلك تمتلك طهران أسباباً قوية لتفادي المواجهة الشاملة حالياً.

لكن الضغط الاقتصادي نفسه قد يقود إلى حساب مختلف إذا شعرت القيادة بأن الحصار قابل للاستمرار سنوات، بينما فرص تخفيفه تتضاءل. وقد ترى عندها أن قبول استنزاف بطيء أكثر كلفة من مخاطرة عسكرية يمكن أن تفرض تفاوضاً بشروط أفضل.

هذه هي المعضلة التي تجعل سياسة الضغط القصوى قابلة لنتيجتين متناقضتين. قد تدفع إيران إلى التسوية، وقد تقنعها بأن انتظار مزيد من العقوبات أسوأ من التصعيد.

 

صرّاف يحمل أوراقاً نقدية من الريال الإيراني في بازار طهران الكبير، 17 آب/أغسطس 2026. (رويترز)
صرّاف يحمل أوراقاً نقدية من الريال الإيراني في بازار طهران الكبير، 17 آب/أغسطس 2026. (رويترز)

 

العقدة النووية بقيت مفتوحة

 

وراء هرمز والعقوبات، توجد القضية التي بدأت منها المواجهة أساساً.

ترامب قال صراحة إن إيران "لن تقبل الاتفاق" الذي يعتبره ضرورياً، وأعاد التأكيد أن هدفه الأساسي منعها من امتلاك سلاح نووي.

المشكلة أن صورة البرنامج النووي بعد أشهر من الضربات لا تزال ضبابية. الوكالة الدولية للطاقة الذرية فقدت ثدرتها على معرفة مواقع ومواد نووية مهمة، ولم تحصل على صورة مكتملة لمصير مخزون اليورانيوم المخصب، بما فيه المواد المخصبة إلى 60 في المئة.

هذا الغموض يختلف عن خلاف سياسي يمكن تركه سنوات. إذا ظهرت معلومات استخبارية تشير إلى إعادة بناء منشأة تخصيب، أو نقل مواد إلى موقع جديد، أو اقتراب إيران من قدرة تراها واشنطن أو إسرائيل غير مقبولة، فقد يصبح عامل الوقت حجة لمصلحة الضربة بدلاً من أن يكون عاملاً للتهدئة.

وفي اجتماع ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أواخر تموز/يوليو، بقي الخيار العسكري ضمن ثلاثة مسارات نوقشت حيال إيران إلى جانب الاتفاق واستمرار الضغط الاقتصادي والحصار. المسؤول الإسرائيلي الذي كشف تفاصيل الاجتماع قال إن نتنياهو لم يطلب اعتماد الضربة كخيار مفضل في تلك اللحظة، لكن القوة بقيت مطروحة بوضوح.

 

إسرائيل قادرة على تغيير الحسابات

 

هنا تدخل مشكلة إضافية.

واشنطن تستطيع أن تقرر أن كلفة الحرب مرتفعة وأن الحصار والعقوبات يحققان غرضهما. طهران تستطيع بدورها ضبط تصعيدها تحت مستوى يستدعي حملة أميركية واسعة. استمرار هذا التوازن يحتاج إلى قبول إسرائيل بالانتظار. وهذا غير مضمون.

إسرائيل أبدت منذ توقيع مذكرة حزيران/يونيو تحفظاً على مضمونها، واعتبرت أنها لم تعالج البرنامج النووي الإيراني بالعمق الذي تريده. كما أكدت سابقاً أن أي اتفاق مقبول يجب أن يشمل تفكيك البنية النووية الإيرانية.

أي تقدير إسرائيلي بأن إيران تستعيد قدرتها النووية أو الصاروخية بسرعة يمكن أن يضع ترامب أمام واقع جديد بعد ضربة إسرائيلية، بدلاً من أن يترك له حرية اختيار توقيت الحرب.

وهذا أحد الفوارق الأساسية بين الوضع الحالي ووقف نار مستقر. القرار موزع بين أكثر من لاعب، ولكل منهم خطوط حمراء مختلفة.

 

فما الذي يمنع الحرب؟

 

بعد اختبار هذه العوامل، تظهر مجموعة قوية من الأسباب التي تدفع الجميع إلى الحذر.

واشنطن تواجه كلفة نفطية واقتصادية ومخزوناً عسكرياً يحتاج إلى التعويض. إيران تواجه اقتصاداً منهكاً، وضغطاً اجتماعياً، وحصاراً، وقدرات تعرضت لضربات قاسية. دول الخليج تخشى أن تتحول منشآتها وممراتها البحرية إلى ساحات حرب مجدداً. الأسواق أصبحت شديدة الحساسية لأي تصعيد جديد. وهناك قنوات وساطة لم تختف تماماً، إذ تواصلت الرسائل خلال الأيام الماضية عبر باكستان وقطر، إلى جانب التحرك العماني بشأن هرمز.

هذه مجموعة كبيرة من القيود.

لكن انتهاء المهلة يكشف مشكلة أخرى. أياً من الخلافات الكبرى لم يصل إلى حل. موقف الطرفين من النووي متباعد، والحصار قائم، وهرمز تحوّل إلى نزاع على السيادة والنفوذ، وطهران تلوّح بتحرك هجومي، وواشنطن تقول إنها تستطيع إبقاء الضغط البحري إلى أجل غير محدد.

لهذا، قد يكون ما يمنع الحرب اليوم هو اقتناع كل طرف بأن هذه اللحظة ليست الأنسب لشنها. وهذا يختلف كثيراً عن وجود معادلة تمنع الحرب نفسها.

الخطر يبدأ إذا تغير تقدير واحد، سواء رأت واشنطن أن الحصار لم يعد كافياً، أو رأت إيران أن الانتظار يضعف أوراقها، أو رأت إسرائيل أن الزمن يسمح لطهران باستعادة قدرة تعتبرها خطراً وجودياً.

وعندها يصبح انتهاء المهلة أكثر من مجرد استحقاق ديبلوماسي، إذ تكون آخر مظلة سياسية لضبط التصعيد قد سقطت فيما بقيت أسباب المواجهة قائمة.
وقد يكون الطرف الذي يفتح الباب أمام الجولة المقبلة هو أول من يقتنع بأن كلفة الحرب أصبحت أقل من كلفة الانتظار.

الأكثر قراءة

المشرق-العربي 8/16/2026 8:51:00 PM
يعاني من مرض "الناعور" (اضطراب تجلط الدم)، وتدهورت حالته الصحية بشكل خطير بعد أيام من توقيفه.
دوليات 8/16/2026 1:23:00 PM
للمرة الأولى، تنطلق سفينة حاويات صينية إلى أوروبا عبر القطب الشمالي، في مسار يختصر الرحلة إلى النصف ويتجنب قناة السويس واضطرابات الشرق الأوسط.
لبنان 8/17/2026 12:43:00 PM
مصاباً بطلق ناري من مسدس حربي في الرأس