"التراستي" في قفص الاتهام... أين اختفت مليارات النفط الإيرانية؟
تحولت شبكات "التراستي"، وهي مجموعة الوسطاء الذين اعتمدت عليهم إيران للالتفاف على العقوبات الأميركية ونقل عائدات النفط عبر قنوات غير رسمية، من أداة لحماية التجارة الخارجية إلى أحد أكبر ملفات الفساد المالي في البلاد. فبعد سنوات من الاعتماد عليهم لتجاوز القيود المصرفية الدولية، أعلنت السلطة القضائية الإيرانية فتح مواجهة واسعة معهم لاستعادة مليارات الدولارات التي لم تتسلمها خزينة الدولة، وسط تساؤلات متزايدة عن الجهات التي اختارت هؤلاء الوسطاء ومنحتهم الثقة.
ويعني مصطلح "التراستي" حرفياً "الأشخاص الموثوق بهم". وقد نشأت هذه الشبكات خلال سنوات تشديد العقوبات الأميركية، لتأمين مسار بديل لنقل الأموال والحفاظ على تدفق التجارة الخارجية. لكن الفساد الذي أحاط بها خلال السنوات الثماني الماضية حوّلها إلى مصدر أزمة، بعدما أصبح مصير مليارات الدولارات من عائدات النفط، وآلية اختيار الوسطاء، وأداء الشبكات المالية غير الرسمية، موضع تدقيق داخل مؤسسات الدولة.
من هم "التراستي"؟
لا يمكن فهم هذه القضية بعيداً من العقوبات الأميركية التي أُعيد فرضها على إيران عام 2018 بعد انسحاب إدارة الرئيس دونالد ترامب من الاتفاق النووي، فقد أدى ذلك إلى تقييد وصول طهران إلى النظام المصرفي الدولي، ودفعها إلى البحث عن قنوات بديلة لتحصيل عائدات صادرات النفط والبتروكيماويات وغيرها.
في هذا السياق، ظهر "التراستي" كأشخاص أو شركات يتولون استلام الأموال عبر حسابات مصرفية وشركات وسيطة وشبكات علاقات في دول أخرى، ثم نقلها إلى إيران بطرق تلتف على العقوبات.
ويقول المحافظ السابق للبنك المركزي الإيراني ولي الله سيف إن بعض هؤلاء الوسطاء "كانوا إيرانيين يحملون جنسيات أجنبية وينقلون الأموال بأسمائهم لإخفاء الصلة المباشرة بإيران، فيما كان آخرون من جنسيات مختلفة، بينهم عرب وهنود".
أما وزير الاقتصاد ومحافظ البنك المركزي السابق عبد الناصر همتي، فقد قدّر أن الوسطاء كانوا يحصلون على عمولات تراوح بين 15 و20 في المئة من الإيرادات الخارجية مقابل الالتفاف على العقوبات. وإذا بلغ حجم التجارة الخارجية الإيرانية نحو 130 مليار دولار، فإن ما بين 20 و30 مليار دولار كان يذهب سنوياً إلى هؤلاء الوسطاء.
لكن المشكلة الأساسية ليست في حجم العمولات، إنما في عدم عودة جزء من عائدات النفط إلى إيران بعد اقتطاع تلك العمولات، وهو ما فتح الباب أمام أكبر تحقيقات الفساد المالي المرتبطة بالعقوبات.
القضاء يدخل على الخط
أعلن رئيس السلطة القضائية الإيرانية غلام حسين محسني إيجئي، قبل نحو ستة أشهر، أن الجهاز القضائي يتابع ملفات الوسطاء الذين تسلموا شحنات نفط ولم يعيدوا العملات الأجنبية الناتجة عن بيعها إلى البلاد.
وبعد ذلك بنحو شهرين، كشف عن استرداد 58 ألف مليار تومان، أي ما يعادل نحو 300 مليون دولار، من ملف فساد واحد يتعلق بشبكات "التراستي".
وفي أحدث تصريحاته، أعلن إيجئي أن القضاء استعاد خلال الأشهر الستة الماضية 7.5 مليارات يورو وأعادها إلى خزينة الدولة، كما جرى "تحديد مصير" 26 مليار يورو أخرى. وأضاف أن أكثر من 300 شخص أُحيلوا إلى القضاء وفتحت بحقهم ملفات، فيما أُحيل أكثر من 800 شخص طبيعي ومعنوي إلى الجهات المختصة لتسوية التزاماتهم بالعملة الأجنبية.

تغييرات عهد رئيسي
بحسب موقع "خبر أونلاين" المقرب من الحكومة، نقل المدير التنفيذي السابق لشركة "نيكو"، الذراع التجارية النفطية لإيران، علي أكبر بور إبراهيم، أن الشركة كانت في السنوات السابقة تفتح حسابات خاصة بالوسطاء المرتبطين بوزارة النفط، ما منح الوزارة قدرة أكبر على متابعة مسار الأموال واستخدامها مباشرة لتلبية احتياجات البلاد.
لكن هذا الهيكل تغيّر في عهد الرئيس الراحل إبراهيم رئيسي، إذ أُجبرت وزارة النفط على التخلي عن الوسطاء التابعين لها، وأصبحت عائدات النفط تمر عبر شبكات من الوسطاء المصرفيين.
ويرى عدد من الصحافيين الإيرانيين أن قسماً كبيراً من هؤلاء الوسطاء كان يرتبط بصورة غير مباشرة بمؤسسات عسكرية، وفي مقدمها "الحرس الثوري"، وحصلوا على تراخيص للعمل، فيما استخدم بعضهم وثائق هوية تعود إلى مواطنين من دول أخرى، بينها باكستان وأفغانستان، لفتح حسابات مصرفية في الخارج.
من اختار الوسطاء؟
تجاوز الجدل في إيران مصير الأموال المفقودة إلى سؤال أكثر حساسية: من اختار هؤلاء الوسطاء، ومن منحهم صلاحية إدارة مليارات الدولارات من عائدات النفط؟
عضو لجنة البرنامج والموازنة في البرلمان رحيم زارع طالب بالكشف عن الجهات التي وقفت وراء هذه الشبكات، داعياً الأجهزة الرقابية إلى توضيح آلية اختيارها ومحاسبة المسؤولين عنها.
أما عضو اللجنة الاقتصادية في البرلمان جعفر قادري، فيقول إن النواب كلما سألوا عن أسماء الوسطاء، كان الجواب أن المعلومات "سرية". ويوضح أن الشركات التي أدارت هذه العمليات كانت تُختار عبر أمانة المجلس الأعلى للأمن القومي، فيما لم يكن لدى البنك المركزي معلومات كاملة عنها، إذ كان يكتفي بتلقي أرقام الحسابات التي يحول إليها مشترو النفط الأموال.
يؤكد قادري أن "الوسطاء الذين لم يعيدوا الأموال يتحملون المسؤولية، كما تتحملها الجهات التي اختارتهم ومنحتهم الثقة"، إذا ثبت أن عائدات النفط حُولت إلى حسابات أشخاص أو شركات لم تفِ بالتزاماتها.
أرقام متباينة... والفجوة تتسع
بعد خروج القضية إلى العلن، برزت تقديرات متباينة لحجم الأموال التي لم تعد إلى إيران، ما يعكس غياب صورة دقيقة عن حجم الخسائر.
فبعض أعضاء البرلمان تحدثوا عن نحو 7 مليارات دولار، بينما أعلن المدير التنفيذي السابق لشركة "نيكو" أن نحو 11 مليار دولار من عائدات النفط لم تعد حتى نهاية عام 2023.
لكن التقدير الأعلى جاء على لسان عضو لجنة الطاقة في البرلمان غلام رضا دهقان ناصر آبادي، الذي أشار إلى تقرير صادر عن منظمة التفتيش العامة يتحدث عن ديون والتزامات بالعملة الأجنبية على الوسطاء تصل إلى 94 مليار يورو.
ويرى دهقان ناصر آبادي أن العقوبات الأميركية "لا تفسر وحدها هذا الحجم من الأموال غير المعادة"، معتبراً أن "سوء الإدارة، وضعف الضمانات المفروضة على الوسطاء، واحتمال وجود تواطؤ بين بعض الأفراد والمؤسسات، كلها عوامل أسهمت في تراكم هذه الخسائر".
أزمة تتجاوز العقوبات
يحمل ملف "التراستي" أبعاداً تتجاوز قضية فساد مالي مرتبطة بعدد من الوسطاء أو بضعة مليارات من الدولارات. فهو يكشف جانباً من الطريقة التي أُدير بها الاقتصاد الإيراني خلال سنوات العقوبات، عندما حلت الشبكات غير الرسمية محل القنوات المصرفية التقليدية.
فالعقوبات دفعت طهران إلى ابتكار آليات بديلة للحفاظ على تدفق التجارة الخارجية، لكن غياب الرقابة والشفافية حيال تلك الآليات حوّلها، بحسب منتقديها، إلى بيئة سمحت بتبخر جزء من عائدات النفط وخلقت شبكة من الوسطاء يصعب تتبعها أو محاسبتها.
وفي وقت تؤكد فيه السلطة القضائية أنها استعادت مليارات الدولارات وفتحت مئات الملفات، لا يزال السؤال الأبرز مطروحاً داخل إيران: هل تكشف التحقيقات مصير بقية الأموال، أم أن قضية "التراستي" ستبقى واحدة من أكثر ملفات الاقتصاد الإيراني غموضاً خلال سنوات العقوبات؟
نبض