الحجاب يقفل مقاهي طهران... هل انتهت هدنة الحرّيات؟
لم تحتج السلطات الإيرانية سوى إلى أيام قليلة بعد انحسار حدة المواجهة العسكرية حتى تعود معركة الحجاب إلى شوارع طهران. مقاهٍ أُغلقت، ومساحات عمل مشتركة أُقفلت، وكراسٍ أُزيلت من الأرصفة التي اعتاد الشباب الجلوس فيها، في مشاهد أعادت إلى الواجهة سؤالاً لم يغب عن الإيرانيين: هل انتهت هدنة الحريات التي فرضتها ظروف الحرب؟
ورغم أن الحرب بين إيران والولايات المتحدة لم تنتهِ رسمياً، بل انتقلت جبهتها إلى جنوب البلاد وسط حديث عن احتمال عملية برية تستهدف الجزر الإيرانية في الخليج، فإن الإجراءات الأخيرة بدت بالنسبة إلى شريحة واسعة من الإيرانيين مؤشراً إلى عودة الصراع الداخلي حيال الحريات الاجتماعية، في وقت لم يتعافَ المجتمع بعد من آثار الحربين المدمرتين، ولا سيما على المستويين الاقتصادي والنفسي.
المقاهي ومعركة الحجاب
بدأت موجة الجدل بإغلاق عدد من المقاهي والمطاعم بذريعة مخالفة قواعد الحجاب خلال بث مباريات كأس العالم، قبل أن تنتشر صور تُظهر إزالة الكراسي المثبتة على أرصفة شارعي سنائي وإيرانشهر في طهران، وهما من أبرز الأماكن التي يقصدها الشباب لقضاء أمسياتهم.
وخلال السنوات الأخيرة، تحولت هذه الشوارع إلى مساحة تعكس نمط حياة مختلفاً عن الصورة التقليدية للعاصمة الإيرانية، حيث اعتاد الشبان والفتيات التجول حتى ساعات متأخرة من الليل، ما جعلها أيضاً مقصداً لعدد من السياح الأجانب. لذلك، لم يُنظر إلى استهداف هذه الأماكن على أنه مجرد تطبيق لقواعد الحجاب، إنما باعتباره رسالة تتعلق بهامش الحياة الاجتماعية الذي اتسع نسبياً خلال الأشهر الماضية.
ولم تقتصر الإجراءات على المقاهي، إذ أُغلقت أيضاً عدة مساحات عمل مشتركة داخل "حديقة الكتاب" في طهران بسبب "عدم الالتزام بالحجاب". وفي أحد المقاطع المصورة، أعلن مدير أحد هذه المراكز أن القرار أدى إلى فقدان عشرات الشبان وظائفهم، معتبراً أن مثل هذه السياسات "تدفع الكفاءات الشابة إلى الهجرة بدلاً من البقاء والعمل داخل البلاد".
وسرعان ما عاد السؤال نفسه إلى واجهة النقاش عبر شبكات التواصل الاجتماعي: كيف كان ظهور النساء من دون حجاب في التجمعات المناهضة للحرب مقبولاً، بل مرحباً به خلال أيام المواجهة، بينما عادت القيود فور انحسار المعارك؟

قرار رسمي أم تحرك من المتشددين؟
حتى الآن، لم تصدر أي جهة رسمية، سواء من الأجهزة الأمنية أو البلدية، توضيحاً يحدد الجهة التي أصدرت هذه القرارات أو الأساس القانوني الذي استندت إليه.
لكن مراقبين يربطون ما يجري بحملة إلكترونية سبقت هذه الإجراءات بأيام، تضمنت رسائل تهديد وتحذير للرئيس مسعود بزشكيان، طالبت بوقف ما وصفته بـ"اتساع ظاهرة عدم الالتزام بالحجاب".
ويأتي ذلك في وقت لا يزال قانون الحجاب الذي أقره البرلمان العام الماضي مجمداً، بعدما أعلن بزشكيان أن تطبيقه غير ممكن في الظروف الحالية، قبل أن يُجمّد بقرار من المجلس الأعلى للأمن القومي.
وتعزز التجارب السابقة هذا الجدل، إذ يرى كثير من الإيرانيين أن الحملات المنظمة على شبكات التواصل كثيراً ما تمهد لخطوات سياسية أو أمنية لاحقة، ما يفتح الباب أمام فرضيتين: إما أن الدولة قررت العودة إلى تشديد القيود الاجتماعية، وإما أن أطرافاً متشددة داخل مؤسسات النظام تتحرك بصورة مستقلة لفرض وقائع جديدة مستفيدة من الظروف الاستثنائية التي تعيشها البلاد، ولا سيما مع استمرار غياب المرشد مجتبى خامنئي عن الظهور العلني منذ أشهر، واتساع الانقسام داخل مؤسسات الحكم بشأن مستقبل العلاقة مع الولايات المتحدة.
الإعدامات... هاجس الاحتجاجات يعود
تنظر شريحة واسعة من الشباب الإيراني إلى المقاهي والحدائق والمساحات العامة باعتبارها متنفساً نادراً في ظل الضغوط الاقتصادية والنفسية التي فرضتها الحرب، ولذلك أثارت الإجراءات الأخيرة موجة استياء واسعة.
في المقابل، يدافع المحافظون عن تشديد القيود، معتبرين أن التساهل في ملف الحجاب يهدد الهوية الإسلامية للدولة، فيما يذهب بعضهم إلى اعتبار أماكن تجمع الشباب بيئة قد تتحول إلى منصات لتنظيم الاحتجاجات.
ويستشهد هؤلاء بحادثة استدعاء مدون شاب إلى النيابة العامة بعد تجمع أكثر من عشرة آلاف من متابعيه في مجمع "إيران مول" غرب طهران، وهو تجمع أربك الأجهزة الأمنية، قبل إغلاق حسابه على "إنستغرام".
ولا ينفصل هذا المناخ عن استمرار تنفيذ أحكام الإعدام بحق عدد من المتهمين بالمشاركة في احتجاجات 8 و9 كانون الثاني/يناير الماضي. وتؤكد السلطة القضائية أن المحكومين أُدينوا بقتل عناصر أمنية والمشاركة في أعمال عنف، فيما يرى منتقدون أن استمرار تنفيذ هذه الأحكام يهدف أيضاً إلى ردع أي محاولة لإحياء الاحتجاجات. وأثار إعدام ثلاثة متهمين في أصفهان، الثلاثاء، احتجاجات محدودة واحتكاكات مع قوات الأمن خلال تنفيذ الحكم.
فرصة مهدورة؟
في المقابل، يرى عدد من علماء الاجتماع أن الحرب الأخيرة عززت مشاعر التضامن الوطني، وأن السلطة تمتلك فرصة لإعادة بناء الثقة مع المجتمع بدلاً من العودة إلى المقاربة الأمنية.
ويحذر هؤلاء من أن تجاهل هذا التحول قد يؤدي إلى تكرار أخطاء السنوات الماضية، بعدما تراجع رأس المال الاجتماعي للنظام إلى مستويات غير مسبوقة عقب أحداث كانون الثاني/يناير.
وبين من يرى في ما يجري عودة تدريجية إلى سياسات ما قبل الحرب، ومن يعتبره تحركاً تقوده مراكز نفوذ متشددة داخل الدولة، يبقى السؤال الذي فرضته المقاهي المغلقة قبل أي شيء آخر: هل كانت الحريات التي عاشها الإيرانيون خلال أشهر الحرب مجرد هدنة موقتة انتهت مع أول حملة تشدد اجتماعي؟
نبض