التصعيد الأميركي - الإيراني... رسائل بالنار ومفاوضات في الأفق
بعد أيام من تبادل الضربات بين إيران والولايات المتحدة، عاد الجدل عمّا إن كانت المواجهات تمثل بداية حرب أوسع أم مجرد مرحلة ضغط تسبق استئناف المفاوضات. فقد استهدفت واشنطن مواقع عسكرية وغير عسكرية في جنوب إيران، ما أدّى إلى مقتل ما لا يقل عن 30 شخصاً، فيما ردت طهران باستهداف قواعد عسكرية أميركية في عدد من الدول العربية. ورغم إعلان الطرفين عملياً انتهاء مذكرة التفاهم بينهما، توحي المؤشرات السياسية بأن قنوات الوساطة لم تُغلق بالكامل.
انقسام داخلي
أعادت الضربات الأخيرة تنشيط الانقسام داخل إيران بين دعاة التصعيد وأنصار الديبلوماسية.
فالمتشددون رأوا أن الهجمات الأميركية تؤكد استحالة التوصّل إلى سلام حقيقي مع واشنطن، ودعوا إلى توسيع الرد الإيراني باستهداف المصالح الأميركية في المنطقة، والإبقاء على إغلاق مضيق هرمز حتى ترتفع أسعار النفط إلى مستويات تضغط على الاقتصاد العالمي، وصولاً إلى دفع الولايات المتحدة لتقديم تنازلات.
وفي هذا السياق، طالب شهريار زرشناس، أحد أبرز الوجوه المتشددة، القوات المسلحة الإيرانية بمهاجمة آبار النفط في الخليج وإغلاق مضيق باب المندب أيضاً، بما يفرض اعترافاً أميركياً بالسيادة الإيرانية على مضيق هرمز.
في المقابل، برزت حملة شعبية ضمّت نحو 100 ألف شخص، طالبت السياسيين والإعلاميين والنواب الذين يدعون إلى الحرب بالتوجّه إلى جبهات القتال في جنوب إيران والمشاركة بأنفسهم في المواجهة مع القوات الأميركية، في رسالة لاقت انتشاراً واسعاً عبر وسائل الإعلام ومنصّات التواصل، وأثارت غضب التيّار المتشدد.
خاتمي يدعو إلى عدم تفويت الفرصة
وسط هذا السجال، دعا الرئيس الإيراني الأسبق محمد خاتمي إلى استثمار أيّ فرصة لتخفيف التوتر، مؤكداً أن غالبية الإيرانيين، رغم رفضهم أيّ عدوان خارجي، يريدون إنهاء الأزمات وتحسين الأوضاع الداخلية.
واعتبر أن مذكرة التفاهم بين إيران والولايات المتحدة "تمثل فرصة للخروج من الأزمات الداخلية والخارجية، ويمكن أن تفتح آفاقاً جديدة إن لم تُهدر فرص التوصّل إلى اتفاق". وأضاف أنه لا يعتقد أن إسرائيل "ستسمح بسهولة بقيام سلام دائم في المنطقة، إلا أن أيّ خطوة تبعد شبح الحرب وتخفّف معاناة الإيرانيين تصبّ في المصلحة الوطنية".

رسائل متبادلة
بعيداً من السجال الداخلي، تبدو أهداف الطرفين أكثر ارتباطاً بتحسين شروط التفاوض منها بالاستعداد لحرب شاملة.
فالولايات المتحدة تسعى، أولاً، إلى حصر عملياتها في جنوب إيران لإظهار أن التصعيد لا يزال مضبوطاً ولم يتحوّل إلى حرب مفتوحة. وثانياً، تستخدم الضغط العسكري لتعزيز موقعها التفاوضي وانتزاع تنازلات إضافية من طهران. ويسعى الرئيس دونالد ترامب إلى تقديم نفسه للرأي العام الأميركي باعتباره الطرف الذي فرض كلفة على إيران، بعدما لم تحقق الحرب السابقة أهدافها بالكامل، فيما أدّى إغلاق هرمز إلى خسائر واسعة للاقتصاد العالمي، مع اقتراب الانتخابات النصفية.
في المقابل، تركز طهران على هدفين رئيسيين. الأول الحفاظ على ورقتها الأهم، وهي السيطرة على مضيق هرمز، بما يمنحها نفوذاً إضافياً في أي مفاوضات مقبلة، خصوصاً مع سعيها للإفراج عن 24 مليار دولار من عائدات النفط الإيرانية المجمدة. أما الهدف الثاني، فهو الحفاظ على صورة الردع داخلياً، إذ تجد طهران نفسها مضطرة إلى الرد على الضربات الأميركية لتفادي اتهامها بالتراجع أو الاستسلام أمام واشنطن.
التصعيد... تمهيد للتفاوض؟
رغم حدة الخطاب المتبادل، توحي المعطيات بأن التصعيد الحالي قد يبقى محدوداً زمنياً، وأنه يهدف إلى تحسين المواقع قبل العودة إلى طاولة المفاوضات أكثر مما يمهّد لحرب شاملة.
ويعزز هذا الاحتمال قيام وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي بزيارة قطر، لتقديم التعازي بوفاة أميرها السابق حمد بن خليفة آل ثاني، بالتزامن مع شكر ترامب لطهران على إطلاق سراح مواطنة أميركية، في مؤشرين يعكسان استمرار البحث عن مخرج ديبلوماسي، رغم استمرار المواجهة العسكرية.

نبض